وفي {قَدْ أَفْلَحَ} :
"قالوا أءذا كنا وترابا وعظاما أئنا لمبعوثون"[1].
وفي النمل: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُون}[2].
وفي العنكبوت: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ}[3].
وفي "الم" السجدة: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}[4].
وفي الصافات موضعان: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}[5].
والثاني مثله: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ}[6].
وفي الواقعة: {وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}[7].
وفي النازعات: {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ، أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً}[8].
وقد جمعت ذلك في بيتين وقلت:
بواقعة قد أفلح النازعات سجـ ... ـدة عنكبوت الرعد والنمل أولا
وسبحان فيها موضعان وفوق صا ... د أيضا فإحدى عشرة الكل مجتلا
ونظمته على بحر البسيط فقلت:
رعد قدَ افلح نمل عنكبوت وسجـ ... ـدة وواقعة والنازعات ولا
وموضعان بسبحان ومثلهما ... فويق صاد فإحدى عشرة النملا
[1]آية: 82.
[2]آية: 17.
[3]الآيتان: 28 و29.
[4]آية: 10.
[5]آية: 16.
[6]آية: 53.
[7]آية: 47.
[8]آية: آية: 10.
فالجميع واقع في أنه واحد على لفظ واحد، وما نظمه صاحب القصيدة "أءذا" أءنا إلا في موضعين في النازعات، فإنه في آيتين متجاورتين، ولفظه على عكس ما ذكره وهو "أإنا"، و"أإذا" والذي في العنكبوت في آيتين، ولكنه بلفظ آخر متَّحِدٌ، وهو "أإنكم"، "أإنكم" فما أراد الناظم بقوله: نحو "أإذا" "أإنا" إلا تشبيه تعاقب الاستفهامين على ما بيناه، فإن قلتَ: قد تكرر في سورة والصافات يقول: {أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} ، فيأخذ الوسط مع الذي قبله أم الذي بعده؟ قلتُ: بل مع الذي بعده؛ فإنهما اللفظان، ونص عليهما الناظم فلا معدل عنهما إلا إذا لم يجدهما كما في العنكبوت كيف وإن أتتك قد تقدم ذكرها في باب الهمزتين من كلمة فإن لم يذكر ثَم شيئا من الاستفهامين، وإن كان الجميع لا خلف عن هشام في مده، وضابطه أن يتكرر الاستفهام وفي كل واحد همزتان وإلا فقد يوجد أحد الشرطين ولا يكونا من هذا الباب، بيانه أن المتكرر يوجد وليس في كل واحد همزتان، كالذي في قصة لوط في سورة الأعراف: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} ، فهذا استفهام مكرر لكن الأول همزة واحد، ولثاني كذلك في قراءة نافع وحفص وفي قراءة غيرهما، ويوجد الهمزتان ولا يكرر وهذا كثير نحو: {أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا} ، {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} ، {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} .
كل ذلك يقرأ بالاستفهام والخبر، وليس من هذا الباب ومنه ما أجمع فيه على الاستفهام نحو: {أَإِذَا مَا مِتّ} ، {أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا} ، {أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} ، {أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ} ، ولفظ الناظم بقوله: "أئذا"، "أئنا" مد الأول وقصر الثاني لأجل الوزن وكلاهما قرئ به كما بينه ولكن لم يخص أحد بالمد الأول دون الثاني بل منهم من مدهما ومنهم من قصرهما في جميع هذه المواضع ثم بين النظام اختلاف القراء في هذا الاستفهام المكرر على الصفة المذكورة فقال فذو استفهام الكل أولا؛ أي: كل القراء يقرأ أول بلفظ الاستفهام؛ أي: بهمزتين والتحقيق والتسهيل يوجدان من أصولهم في ذلك ونصب قوله: أولا على الظرف؛ أي: أول الاستفهامين يدل على ذلك أنه قال بعد ذلك: وهو في الثاني؛ أي: والإخبار في اللفظ الثاني على ما سنبينه، ولو كان قال الأول بالألف واللام، ولو نصبه على أنه مفعول بالاستفهام؛ لأنه مصدر لكان جائزا، ويكون معنى استفهموه جعلوه بلفظ الاستفهام، فقوله: الكل مبتدأ، وذو استفهام خبره مقدم عليه، والجملة خبر وما كرر استفهامه والعائد إليه محذوف؛ أي: الكل ذو استفهام فيه أولا ويجوز أن يكون المعنى كله ذو استفهام على أن يكون الكل عبارة عن المواضع لا عن القراء والمعنى الأول لقوله: بعده سوى نافع، وعلى المعنى الثاني: نحتاج أن يقدر للقراء سوى نافع والله أعلم.
790-
سِوَى نَافِعٍ فِي النَّمْلِ وَالشَّامِ مُخْبِرٌ ... سِوَى النَّازِعَاتِ مَعْ إِذَا وَقَعَتْ وِلا
أي: استثنى نافع وحده الذي في النمل، فقرأ الأول فيه بالإخبار؛ أي: بهمزة واحدة:
"أإذا كنا ترابا".
ووافق الجماعة كلهم في المواضع الباقية على الاستفهام في الأول، ثم ذكر قراء ابن عامر وهي أنه يقرأ بالإخبار في جميع المواضع ما عدا النمل واستثنى له أيضا من غير النمل الواقعة والنازعات، فلزم من ذلك أن الأول في النازعات والواقعة لم يقرأه أحد بالإخبار والذي في النمل الإخبار فيه لنافع وحده وما عدا ذلك الإخبار فيه لابن عامر وحده إلا الذي في العنكبوت فإنه وافقه على الإخبار في الأول جماعة كما يأتي في البيت الآتي فهذا معنى قوله: والشام مخبر؛ يعني: في غير النمل سوى كذا وكذا، وولا في آخر البيت بكسر الواو؛ أي: والشام مخبر متابعة فهو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، فكأن أصحاب الناظم -رحمه الله- قد استشكلوا استخراج ذلك؛ لأنهم قدروا قوله: فذوا استفهام الكل أولا سوى نافع فبذلك فسره الشيخ ونظم هذا المعنى في بيتين نذكرهما وإذا كان المعنى كذلك لزم أن يكون قد بين الخلاف في موضع واحد وليس هو في السورة التي النظم فيها ثم رام بيانه في جملة المواضع وعكس هذا أولى، فغير الشاطبي هذا البيت بما دل على أن مراده: فذو استفهام الكل في جميع المواضع فقال:
سوى الشام غير النازعات وواقعه ... له نافع في النمل أخبر فاعتلا
أي: نافع وحده قرأ في النمل بالإخبار، ودل على أنه منفرد بذلك أنه لم يُعِدْ ذكر ابن عامر معه، وذلك لازم كما بيناه قوله: رمى صحبة، وفي غير ذلك قال الشيخ -رحمه الله: ومعنى البيتين يعود إلى شيء واحد والأول أحسن وعليه أعول.
قلتُ: في البيت الثاني تنكير لفظ "واقعة" وإسكانها وذلك وإن كان جائز للضرورة فاجتنابه مهما أمكن أولى، وقوله: "له" زيادة لا حاجة إليها، قال: ولو قال الناظم -رحمه الله: فالاستفهام في النمل أولا:
"خـ"ـصوص وبالإخبار شام بغيرها ... سوى النازعات مع إذا وقعت ولا
لارتفع الإشكال وظهر المراد والخاء في خصوص رمز.
791-
وَ"دُ"ونَ "عِـ"ـنَادٍ "عَمَّ" فِي الْعَنْكَبُوتِ مُخْـ ... ـبِرًا وَهْوَ في الثَّانِي "أَ"تَى "رَ"اشِدًا وَلا
أي: تابع ابن كثير وحفص ونافع وابن عامر في الإخبار في أول الذي في العنكبوت فقرءوا "إنكم" بهمزة إن المكسورة، وهذا أحد المواضع التي رمز فيها بعد الواو الفاصلة في كلمة واحدة ومخبرا حال من الضمير في عم وهو عائد على الأول من الاستفهامين جعله مخبرا؛ لأن الإخبار فيه كما يجعل ما فيه الخطاب مخاطبا في نحو: وخاطب عما تعلمون.
ثم قال: وهو "يعني الإخبار" في الثاني؛ أي: في الاستفهام الثاني في كل المواضع الأحد عشر المذكورة إلا ما يأتي استثناؤه وكل ما تقدم ذكره كان مختصا بالاختلاف في الأول.
وقوله: "أتى راشدا" رمز لنافع والكسائي فهما المخبران في الثاني، فقرأ "إنا" بهمزة واحدة مكسورة، وراشدا حال أو مفعول به؛ أي: أتى الإخبار قارئا راشدا، ووَلا بفتح الواو في موضع نصب على التمييز أي
راشدًا ولاؤه، وهو وما قبله المكسور الواو ممدودان وإنما قصرا للوقف عن ما ذكرناه مرارا.
792-
سِوَى العَنْكَبُوتِ وَهْوَ فِي النَّمْلِ "كُـ"ـنْ "رِ"ضَا ... وَزَادَاهُ نُونًا إِنَّنَا عَنْهُمَا اعْتَلا
أي: لم يقرأ أحد في ثاني العنكبوت بالإخبار وهو؛ يعني: الإخبار في ثاني النمل لابن عامر والكسائي، أما نافع فاستفهم كالباقين؛ لأنه قرأ الأول بالخبر كما سبق وكذا فعل في العنكبوت لما أخبر في الأول استفهم في الثاني وابن عامر لما كان مستفهما في أول النمل على خلاف أصله أخبر في الثاني هنا على خلاف أصله أيضا ثم قال: وزاده نونا؛ أي: زاد ابن عامر والكسائي الثاني في النمل نونا فقراءة: "إئنا لمخرجون"، والباقون بنون واحدة والاستفهام "أئنا" ثم قال:
793-
وَ"عَمَّ" "رِ"ضًا فِي النَّازِعَاتِ وَهُمْ عَلَى ... أُصُولِهِمُ وَامْدُدْ "لِـ"ـوَى "حَـ"ـافِظٍ "بَـ"ـلا
رضى في موضع نصب على التمييز؛ أي: عم رضا الإخبار في ثاني النازعات فقرئ: "إذا كنا" بهمزة واحدة فوافق ابن عامر نافعا والكسائي في أصلهما الذي هو الإخبار في الثاني؛ لأنه يقرأ الأول بالاستفهام فهو كما قرأ في النمل، وكان القياس أن يفعل في الواقعة كذلك لكنه استفهم في الموضعين كما أن الكسائي استفهم في موضعي العنكبوت فخالفا أصلهما فيهما، والباقون على الاستفهام مطلقا وهم على أصولهم في ذلك؛ لأنه اجتمع في قراءتهم بالاستفهام همزتان في الأول وهمزتان في الثاني.
فمَن مذهبه تحقيق الهمزتين وهم الكوفيون وابن عامر: حقق.
ومَن مذهبه تسهيل الثانية سهل وهم الحرميان وأبو عمرو على ما تمهد في باب الهمزتين من كلمة.
ومَن مذهبه المد بين الهمزتين سواء كانت الثانية محققة أو مسهلة مدَّ هنا، وهم أبو عمرو وقالون وهشام، وقد رمزهم هنا بقوله: وامدد لوى حافظ بلا وإنما اعتنى ببيان ذلك، ولم يكتفِ بما تقدم في باب الهمزتين من كلمة إعلاما بأن هشاما يمد هنا بغير خلاف عنه بخلاف ما تقدم في الباب المذكور وقد ذكر لهشام فيه سبعة مواضع لا خلف عنه في مدها فهذا الباب كذلك، وقوله: "وامدد لوى" أراد "لوا" الممدود فقصره ضرورة وهو مفعول امدد، وإذا مد اللواء ظهر واشتهر أمره؛ لأن مده نشره بعد طيه، فكأنه يقول: انشر علم الحفظة القراء وأشهر قراءاتهم، ومعنى ابتلا اختبر وهو صفة لحافظ، وأشار الشيخ إلى أن لوى في موضع نصب على الحال؛ أي: في علو لواء الحافظ وشهرته واعلم أن القراءة بالاستفهام في هذه المواضع في الأصل وهو استفهام الإنكار والتعجب، ومن قرأ بالخبر في الأول أو الثاني استغنى بأحد الاستفهامين عن الآخر وهو مراد فيه، ومن جمع بينهما فهو أقوى تأكيدا، والعامل في إذا من قوله: "إذا كنا" في أول المواضع التسع،
وثاني النازعات فعل مضمر يدل عليه ما بعده في الأول وما قبله في الثاني، تقديره أنبعث إذا كنا ترابا أنرد إذا كنا عظاما نخرة، ومن قرأ بالإخبار في ثاني النازعات جاز أن يتعلق إذا بما قبله وهو: {لَمَرْدُودُونَ} ، أما الإخبار في باقي المواضع فلفظه إنا فلا يعمل ما بعد إن فيما قبلها كما لا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله نص عليه أبو علي، أما الموضع الحادي عشر وهو الذي في العنكبوت فليس فيه لفظ إذا فالأمر فيه ظاهر.
794-
وَهَادٍ وَوَالٍ قِفْ وَوَاقٍ بِيَائِهِ ... وَبَاقٍ "دَ"نَا هَلْ يَسْتَوِي "صُحْبَةٌ" تَلا
يعني حيث وقعت هذه الكلم في هذه السورة أو غيرها نحو: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}[1]، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}[2]، {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}[3]، {وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ}[4]، {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}[5].
ابن كثير يقف بالياء على الأصل وأنما حذفت في الوصل؛ لاجتماعها مع سكون التنوين فإذا زال التنوين بالوقف رجعت الياء، والباقون يحذفونها بعا لحالة الوصل، وهما لغتان والحذف أكثر وفيه متابعة الرسم، أما ما يستوي المختلف فيه فهو قوله تعالى: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} لما كان تأنيث الظلمات غير حقيقي جاز أن يأتي الفعل المسند إليها بالتذكير والتأنيث، فقراءة صحبة بالتذكير وإطلاق الناظم له دالٌّ على أنه ذلك، وقبل هذا: {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} لا خلاف في تذكيره؛ إذ لا يتجه فيه التأنيث مع تذكير الفاعل فلم يحتج إلى أن يقيد موضع الخلاف بأن يقول: الثاني أو نحو ذلك، وقد سبق في الأصول أن هذا الموضع لا إدغام فيه لأحد من القراء؛ لأن من مذهبه إدغام لام هل عند التاء، وهما حمزة والكسائي قرآ هنا بالياء وهشام استثنى هذا الموضع من أصله، وفي تلا ضمير يعود على صحبه؛ لأن لفظه مفرد والله أعلم.
795-
وَبَعْدُ "صِحَابٌ" يُوْقِدُونَ وَضَمُّهُمْ ... وَصُدُّوا "ثَـ"ـوَى مَعْ صُدَّ فِي الطَّوْلِ وَانْجَلا
أي: وبعد يستوي قراءة صحاب يوقدون بالغيبة ردا إلى قوله تعالى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ} ، وقراءة الباقين بالخطاب ظاهرة، وصدوا ثوى مع صدأى أقام الضم في: {وَصُدُّوا} مع الضم في: {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} في غافر للكوفيين والباقون بفتح الصاد، وتوجيه القراءتين ظاهر؛ لأن الله تعالى لما صدهم عن سبيله صدوهم لا رادَّ لحكمه والضمير في وضمهم للقراء أهل الأداء وهو يوهم أنه ضمير صحاب ولا يمكن ذلك لأجل أبي بكر ولأن ثوى حينئذ لا يبقى رمزا مع التصريح.
[1]سورة الرعد، آية: 7.
[2]سورة الرعد، آية: 33.
[3]سورة الرعد، آية: 11.
[4]سورة الرعد، آية: 34.
[5]سورة النحل، الآية: 96.
796-
وَيُثْبِتُ فِي تَخْفِيفِهِ "حَقُّ نَـ"ـاصِرٍ ... وَفِي الكَافِرِ الكُفَّارُ بِالجَمْعِ "ذُ"لِّلا
يريد "يمحو الله ما يشاء ويثبت".
التخفيف والتشديد لغتان من أثبت وثبت مثل أنزل ونزل والكافر في قوله: تعالى: "سيعلم الكافر" أريد به الجنس ووجه الجمع ظاهر، ولهذا قال ذللا؛ أي: سهل معناه حين جمع والله أعلم، وفيها زائدة واحدة: "الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي" أثبتها في الحالين ابن كثير وحده، وقلت في ذلك:
ولا ياء فيها للإضافة وارد ... وفي المتعالي زائد قد تحصلا
سورة إبراهيم:
797-
وَفِي الخَفْضِ فِي اللهِ الَّذِي الرَّفْعُ "عَمَّ" خَا ... لِقُ امْدُدْهُ وَاكْسِرْ وَارْفَعِ القَافَ "شُـ"ـلْشُلا
يريد اسم الله تعالى الذي في قوله: "إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهُ الَّذِي لَهُ"، فرفعه على الابتداء، والخفض على البدل من: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أو هو عطف بيان، أما: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} فقرأه حمزة والكسائي "خالق" على أنه اسم فاعل، فمدَّا بعد الخاء وكسرا اللام ورفعا القاف؛ لأنه خبر "أن"، وقراءة الباقين خلق على أنه فعل ماضٍ ثم قال:
798-
وَفِي النُّورِ وَاخْفِضْ كُلَّ فِيهَا وَالَارْضَ هَا ... هُنَا مُصْرِخِيَّ اكْسِرْ لِحَمْزَةَ مُجْمِلا
أي: وافعل مثل ذلك في سورة النور في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ}[1].
واخفض لفظ "كل" فيها بإضافة "خالق" إليه، والباقون نصبوا "كل"؛ لأنه مفعول خلق وقوله: "وَالْأَرْضِ" ههنا؛ أي: واخفض لفظ الأرض في سورة إبراهيم على قراءة حمزة والكسائي؛ لأنه معطوف على السموات والسموات في قراءتهما مخفوضة لإضافة خالق إليها والسموات في قراءة غيرهما مفعولة بقوله: خلق فهي منصوبة وإنما علامة نصبها الكسرة فلما اتحد لفظ النصب والجر لم يحتج إلى ذكر السموات، وذكر ما عطف عليها وهو الأرض؛ لأن فيها يبين النصب من الجر، فمن كانت السموات في قراءته منصوبة نصب الأرض بالعطف عليها، وقرأ حمزة: "وما أنتم بمصرخي" بكسر الياء المشددة وقرأ الباقون بفتحها وهو الوجه؛ لأن حركة ياء الإضافة الفتح مطلقا سكن ما قبلها أو تحرك وقوله: مجملا؛ يعني: في تعليل قراءة حمزة، وهو من قولهم: أحسن وأجمل في قوله أو فعله؛ أي: اكسر غير طاعن على هذه القراءة كما فعل من أنكرها من النحاة ثم ذكر وجهها فقال:
799-
كَهَا وَصْلٍ اوْ لِلسَّاكِنَينِ وَقُطْرُبٌ ... حَكَاهَا مَعَ الفَرَّاءِ مَعْ وَلَدِ العُلا
ذكر لها وجهين من القياس العربي مع كونها لغة محكية، وإنما تكلف ذلك؛ لأن جماعة من النحاة أنكروا هذه القراءة، ونسبوها إلى الوهم واللحن. قال الفراء: في كتاب المعاني: وقد خفض الياء من مصرخي: الأعمش
[1]سورة النور، الآية: 45.
ويحيى بن وثاب جميعا. حدثني بذلك القاسم بن معن عن الأعمش عن يحيى بن وثاب، ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى؛ فإنه قل من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أن الياء في "مصرخي" حافظة للفظ كله والياء للمتكلم خارجة من ذلك قال: ومما نرى أنهم أوهموا فيه: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ} بالجزم ظنوا أن الجزم في الهاء، ثم ذكر غير ذلك مما لم يثبت قراءة، وقد تقدم وجه الإسكان في "نوله" ونحوه، وسنقرر كسر ياء "بمصرخي"، وقال أبو عبيد: أما الخفض فإنا نراه غلطا؛ لأنهم ظنوا أن الياء التي في قوله: "بمصرخي" تكسر كل ما بعدها قال: وقد كان في القراء من يجعله لحنا، ولا أحب أن أبلغ به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، ولا وجه لها إلا وجيه ضعيف ذكر وبعض النحويين يعني: القراءة، فذكر ما سنذكره في الحركة لالتقاء الساكنين.
وقال ابن النحاس: قال الأخفش سعيد: ما سمعت هذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين، قال أبو جعفر: قد صار هذا بإجماع لا يجوز، ولا ينبغي أن يحمل كتاب الله تعالى على الشذوذ، قال أبو نصر بن القشيري في تفسيره: ما ثبت بالتواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يجوز أن يقال هو خطأ أو قبيح أو ردي بل في القرآن فصيح وفيه ما هو أفصح فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ حمزة أفصح.
قلت: يستفاد من كلام أهل اللغة في هذا ضعف هذه القراءة، وشذوذها على ما قررنا في ضبط القراءة القوية والشاذة، أما عدم الجواز فلا فقد نقل جماعة من أهل اللغة أن هذه لغة وإن شذت وقل استعمالها، قال أبو علي: قال الفراء في كتابه في التصريف: زعم القاسم بن معن أنه صواب قال: وكان ثقة بصيرا، وزعم قطرب أنه لغة في بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء وأنشد:
ماضٍ إذا ما هم بالمضيِّ ... قال لها هل لك يا تا فيِّ
قال: وقد أنشد الفراء ذلك أيضا.
قلت: فهذا معنى قول الناظم: وقطرب حكاها مع الفراء، فالهاء في حكاها: ضمير هذه اللغة ولم يتقدم ذكرها ولكنها مفهومة من سياق الخفض في تقرير هذه القراءة فهو مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} ؛ أي: عالي مدائن قوم لوط ولم يتقدم لها ذكر ولكن علم ذلك من سياق القصة، وقال الفراء في كتاب المعاني: وقد سمعت بعض العرب ينشد:
قال لها هل لك يا تا فيِّ ... قالت له ما أنت بالمرضيِّ
فخفض الياء من "في" فإن يكن ذلك صحيحا فهو مما يلتقي من الساكنين، وتمام كلام سننقله فيما بعد فانظر إلى الفراء كيف يتوقف في صحة ما أنشده ومعناه: يا هذه هل لك فيّ؟ قال الزجاج: هذا الشعر مما لا يلتفت إليه وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا الشعر من العرب ولا هو مما يحتج به في كتاب الله تعالى اسمه، وقال الزمخشري: هي قراءة ضعيفة واستشهدوا لها ببيت مجهول فذكره.
1 سورة هود، آية: 82.