838-
وَفِي ثُمُر ضَمَّيْهِ يَفْتَحُ عَاصِمٌ ... بِحَرْفَيْهِ وَالإِسْكَانُ فِي الْمِيمِ حُصِّلا
معنى الكلام في "ثُمُر" بضم الثاء والميم وفتحهما في سورة الأنعام، وزاد هنا إسكان الميم تخفيفا وكل ذلك لغات، وقوله: بحرفيه بمعنى موضعيه في هذه السورة: "وكان له ثمر"، "وأحيط بثمره"، وقد تقدم ذكر الذي في يس في سورة الأنعام، فثمر بضمتين جمع ثمار، وثمار جمع ثمرة، وثمر بفتحتين جمع ثمرة كبقر في جمع بقرة، وثمر بسكون الميم جمع ثمرة أيضا كبدنة وبدن، ويجوز أن يكون مخففا من مضموم الميم الذي هو جمع ثمار، ويجوز أن يكون المضموم الميم مفردا كعنق وطنب، وقيل: الثمرة بالضم المال وبالفتح المأكول وقيل: يقال في المفرد ثمرة بضم الميم كسمرة والله أعلم.
839-
وَدَعْ مِيمَ خَيْرًا مِنْهُمَا "حُـ"ـكْمُ "ثَـ"ـابِتٍ ... وَفِي الوَصْلِ لكِنَّا فَمُدَّ "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا
يريد خيرًا منهما منقلبا؛ أي: من الجنتين ومنها على إسقاط الميم رد على قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} والميم ساقطة في الرسم من مصاحف العراق دون غيرها وعلى ذلك قراءة الفريقين، وحكم ثابت بالضم على تقدير هو حكم ثابت، ويجوز نصبه على أنه مصدر مؤكد نحو: {صِبْغَةَ اللَّهِ} و {صُنْعَ اللَّهِ} ، أما: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ} فأجمعوا على إثبات ألفه في الوقف واختلفوا في الوصل فأثبتها ابن عامر؛ إجراء للوصل مجرى الوقف وحذفها الباقون؛ لأن هذه الألف هي ألف أنا، وقد تقدم في سورة البقرة أنها تحذف في الوصل دون الوقف، ونافع أثبتها وصلا، وقيل: الهمزة خاصة قالوا: وأصل هذه الكلمة لكن أنا بإسكان النون من لكن وبعدها ضمير المتكلم منفصلا مرفوعا وهو أنا، فألقيت حركة همزة أنا على نون لكن فانفتحت وحذفت الهمزة فاتصلت النونان فأدغمت الأولى في الثانية وحذفت ألف أنا في الوصل على ما عرف من اللغة وثبت في الوقف، وخرجوا على هذا التقدير: قول الشاعر:
وتقلينني لكنّ إياكِ لا أقلي
أي: لكن أنا، قال الزجاج: إثبات ألف أنا في الوصل شاذ، ولكن من أثبت فعلى الوقف كما يثبت الهاء في قوله: "ماهيه" و"كتابيه".
وأجاز أبو علي أن يكون الضمير المتصل بـ "لكن" مثل المنفصل الذي هو نحن نحو: لم يعننا فأدغمت نون لكن فيها فالألف ثابتة وقفا ووصلا؛ لأن ألف فعلنا لا تحذف، قال: وعاد الضمير على الضمير الذي دخلت عليه لكن على المعنى، ولو عاد على اللفظ لكان لكنا هو الله ربنا، قال الزجاج: فأما {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} فهو الجيد بإثبات الألف؛ لأن الهمزة قد حذفت من أنا وصار إثبات الألف عوضا من الهمزة، قال: وقرئ "لكن" بإسكان النون ولكنن بنونين بلا إدغام؛ لأن النونين من كلمتين، ولكننا بنونين وألف، قال: والجيد البالغ ما في مصحف أبي: "لكن أنا هو الله ربي"، فهذا هو الأصل، وجميع ما قرئ به جيد بالغ ولا أنكر القراءة بهذا، والأجود اتباع القراءة ولزوم الرواية؛ فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف، وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية، ولم يقرأ به قارئ فلا نقر أن به فإن القراءة به بدعة وكل
ما قلت به الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ فلا ينبغي أن يقرأ به، قال أبو عبيد: وكتبت "لكنا"؛ يعني: بألف قال هكذا: ورأيتها في المصحف الذي يقال إنه الإمام مصحف عثمان، والفاء في قوله: فمد زائدة، وملا جمع ملاءة أشار إلى حججه وعلله، وقد سبق تفسيره.
840-
وذكر تَكُنْ "شَـ"ـافٍ وَفِي الْحَقِّ جَرُّهُ ... عَلَى رَفْعِهِ "حَـ"ـبْرٌ "سَـ"ـعِيد "تَـ"ـأَوَّلا
يريد: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ} تذكير الفعل وتأنيثه ظاهران، أما: {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} فجر الحق على أنه صفة لله، ورفعه على أنه صفة للولاية، والحق مصدر فالوصف به على تقدير: ذي الحق وذات الحق، ويشهد لقراءة الجر قراءة ابن مسعود -رضي الله عنه: "هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ وهُو الْحَق" وقوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} ويشهد لقراءة الرفع قراءة أُبَي: "هنالك الولاية لحق لله"، وقوله سبحانه: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} قال الفراء: والولاية المُلْك ولو نصب الحق على معنى حقا كان صوابًا. قال أبو علي: ومعنى وصف الولاية بالحق أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما في سائر الآيات من غير الحق، وقول الناظم: وفي الحق جره مبتدأ وخبره ثم استأنف على رفعه حبر؛ أي: عالم سعيد نعت حبر تأول للرفع ما ذكرناه والله أعلم.
841-
وَعُقْبًا سُكُونُ الضَّمِّ "نَـ"ـصُّ "فَـ"ـتىً وَيَا ... نُسَيِّرُ وَالَى فَتْحَهَا "نَفٌَ" مَلا
يريد: {وَخَيْرٌ عُقْبًا} ضم القاف وإسكانها لغتان وهي العاقبة والعقبى والعقبة، ومعناها الآخرة، أما: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} فقرأه على البناء للمفعول نفر ملا، وهو جمع ملى وهو الثقة، ثم ذكر تمام تقييد القراءة فقال:
842-
وَفِي النُّونِ أَنِّثْ وَالْجِبَالَ بِرَفْعِهِمْ ... وَيَوْمُ يقُولُ النُّونُ حَمْزَةُ فَضَّلا
أنث؛ أي: اجعل دلالة التأنيث موضع النون وهي التاء، وإنما نص على النون؛ لتعلم قراءة الباقين، ولو لم يذكر ذلك لأخذ التذكير ضدا للتأنيث ورفع الجبال؛ لأنه مفعول فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون بالنون وكسر الياء ونصب الجبال؛ لأنه مفعول فعل مسند للفاعل وقد صرح بمعنى القراءة الأولى في: {سُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}[1]، {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}[2]، قد نسب السير إلى الجبال في: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} ، ويقوي النون في "نسير" قوله تعالى بعده: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ} والضمير في برفعهم عائد على نفر: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ} الياء فيه لله تعالى والنون للعظمة وفضلها حمزة فقرأ بها:
[1]سورة النبأ، آية: 20.
[2]سورة التكوير، آية: 3.
843-
لِمَهْلَكِهِمْ ضَمُّوا وَمَهْلِكَ أَهْلِهِ ... سِوى عَاصِمٍ وَالكَسْرُ فِي اللامِ "عُـ"ـوِّلا
يريد ضم الميم في وجعلنا لمهلكهم موعدا: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}[1]في سورة النمل وكلهم سوى عاصم ضموا الميم وفتحوا اللام؛ لأنه؛ يعني: الإهلاك وفعله أهلك نحو: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ}[2]وعاصم فتح الميم فيكون من الهلاك وفعله هلك، والمصدر مضاف إلى الفاعل وعلى قراءة الضم إلى المفعول، ويجوز أن يكون المفتوح الميم بمعنى المضموم، فقد قيل: إن هلك استعمل لازما ومتعديا نحو رجع ورجعته، وفتح اللام مع فتح الميم قراءة أبي بكر عن عاصم وهي أشيع اللغتين وكسر اللام رواية حفص عن عاصم، ونظيره مرجع ومحيض، والفتح هو الباب والقياس، ومعنى عول جوز؛ أي: عول عليه.
844-
وَهَا كَسْرِ أَنْسَانِيهِ ضُمَّ لِحَفْصِهِمْ ... وَمَعْهُ عَلَيْهِ اللهَ فِي الْفَتْحِ وَصَّلا
أضاف ها إلى الكسر لما كان الكسر فيها وقصرها ضرورة ويجوز أن يكون من باب القلب لأمن الإلباس أراد وكسر هاء: "أَنْسَانِيهُ" ضم والضم هو الأصل في هاء الضمير على ما سبق تقريره في باب هاء الكناية وهذا حكم من أحكام ذلك الباب، ومثله ما يأتي في أول طه: {لِأَهْلِهِ امْكُثُوا}[3]، ووجه الكسر فيهما مجاورة الهاء للياء الساكنة والكسرة: نحو "فيه"، و"به"، وقوله: في آخر البيت وصلا ذكره الشيخ بفتح الواو والصاد؛ أي: وصله حفص بما قبله وبضم الواو وكسر الصاد؛ أي: وصل ذلك ونقل له:
845-
لِتُغْرِق فَتْحُ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ َيْبَةً ... وَقُلْ أَهْلَهَا بِالرَّفْعِ "رَ"اوِيهِ "فَـ"ـصَّلا
يعني فتح ضم الياء وكسر الراء، وغيبة: حال؛ أي: ذا غيبة وفتح خبر: "لِتُغْرِقَ"؛ أي: هو مفتوح الضم والكسر في حال غيبته؛ أي: بالياء مكان التاء أسند الفعل إلى الأهل فارتفع الأهل بالفاعلية؛ أي: ليغرقوا، وفي القراءة الأخرى أسند الفعل إلى المخاطب فانتصب أهلها على أنه مفعول به واللام في "ليغرق" لام العاقبة على القراءتين ومعنى فصل بين والله أعلم.
846-
وَمُدَّ وَخَفِّفْ يَاءَ زَاكِيَةً "سَـ"ـمَا ... وَنُونَ لَدُنِّي خَفَّ "صَـ"ـاحِبُهُ إِلَى
[1]الآية: 49.
[2]سورة يونس، آية: 13.
[3]سورة الآية: 10.
أراد "نفسا زاكية"، وكلتا القراءتين ظاهرة، الزاكي والزكي واحد، ومثل هاتين القراءتين ما سبق في المائدة؛ "قاسية"، "وقسية"، وقوله: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} تشديد نونه من جهة أن نون "لدن" ساكنة ألحق بها نون الوقاية؛ لتقي نونها من الكسر الواجب قبل ياء المتكلم في الحروف الصحيحة كما فعل ذلك في "مِنْ" و"عَنْ"؛ محافظة على سكونها فاجتمع نونان، فأدغمت نون "لدن" في نون الوقاية، ونافع لم يلحق نون الوقاية، فانكسرت نون "لدن"، وإذا كان قد حذفها من: "أَتُحَاجُّونِي"، "وتبشرون" مع كونها قد اتصلت بنون رفع الفعل فحذفها من هذا أولى، وإلى في آخر البيت واحد الآلاء وهي النعم، قال الجوهري: واحدها ألى بالفتح وقد تكسر وتكتب بالياء مثاله معي وأمعاء، وإعراب صاحبه مبتدأ وإلى خبره؛ أي: ذو إلى؛ أي: ذو نعمة، ويجوز أن يكون صاحب فاعل خف وإلى حال؛ أي: ذا نعمة، ثم بين قراء أبي بكر فقال:
847-
وَسَكِّنْ وَأَشْمِمْ ضَمَّةَ الدَّالِ "صَـ"ـادِقًا ... تَخِذْتَ فَخَفِّفْ وَاكْسِرِ الْخَاءَ "دُ"مْ "حُـ"ـلا
أي: سكن الدال تخفيفا كما تسكن عضد وسبع، وأهل هذه اللغة يكسرون نون لدن؛ لالتقاء الساكنين فلم يحتج شعبة إلى إلحاق نون الوقاية؛ لأن نون لدن مكسورة فلهذا جاءت قراءته بتخفيف النون، أما إشمامه ضمة الدال فللدلالة على أن أصلها الضم، وفي حقيقة هذا الإشمام من الخلاف ما سبق في "من لدنه" في أول السورة، وصرح ابن مجاهد هنا بما صرح به صاحب التيسير ثَم فقال: يشم الدال شيئا من الضم، وقال هناك: بإشمام الدال الضمة، وفسره أبو علي بأنه تهيئة العضو لإخراج الضمة، وصاحب التيسير قال هنا: أبو بكر بإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون، وقال هناك: وإشمامها شيئا في الضم، ونقل الشيخ في شرحه عنه أنه قال: يجوز أن يكون هنا الإشارة بالضمة إلى الدال، فيكون إخفاء لا سكونا، ويدرك ذلك بحاسة السمع، وقال الشيخ: يشمها الضم على ما تقدم في: {مِنْ لَدُنْهُ} من الإشارة بالعضو.
قلت: وجه اختلاس الضمة هنا أظهر منه هناك من جهة أن كسر النون هناك إنما كان؛ لالتقاء الساكنين فلو لم تكن الدال ساكنة سكونًا محضًا لم يحتج إلى كسر النون وبقيت على سكونها وهنا كسر النون؛ لأجل إيصالها بياء المتكلم كما أن نافعا يكسرها مع إشباعه لضمة الدال غير أن الظاهر أن قراءته في الموضعين واحدة، وقد بان أن الصواب ثم الإشارة بالعضو فكذا هنا والله أعلم.
وأما: "لتخذت عليه أجرا" فخفف التاء وكسر الخاء ابن كثير وأبو عمرو، فيكون الفعل تخذ مثل علم، قال أبو عبيد: هي مكتوبة هكذا وهي لغة هذيل، وقرأ الباقون بتشديد التاء وفتح الخاء، فيكون الفعل اتخذ نحو: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ، {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} ، وذلك كثير في القرآن ماضيه ومضارعه نحو: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ} ، وتلك اللغة لم يأتِ مضارعها في القرآن ولا ماضيها في غير هذا الموضع، وإعراب قوله: دم حلا كإعراب دم يدا؛ أي: ذا حلا أو يكون تمييزا نحو: طب نفسًا، والله أعلم.
848-
وَمِنْ بَعْدُ بِالتَّخْفِيفِ يُبْدِلَ هَهُنَا ... وَفَوْقَ وَتَحْتَ الْمُلْكِ "كَـ"ـافِيهِ "ظَـ"ـلَّلا
أي: من بعد "لتخذت": {أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} ، وفوق الملك وتحتها؛ يعني: سورتي التحريم، ونون: {أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا} .
{عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا}[1].
فحذف الناظم المضاف إليه بعد فوق اكتفاء بذكره له بعد "تحت"، ومثله: بين ذراعي وجبهة الأسد، قال أبو علي: بدل وأبدل يتقاربان في المعنى كما أن نزّل وأنزل كذلك إلا أن بدل ينبغي أن يكون أرجح لما جاء في التنزيل من قوله: {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}[2]، ولم يجيء فيه الإبدال، وقال: وإذا بدلنا آية مكان آية: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا}[3]، {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ}[4].
وسيأتي ذكر الخلاف في الذي في سورة النور: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[5].
قال الشيخ والهاء في كافيه عائدة على يبدل بالتخفيف في المواضع الثلاثة وإنما ظلل؛ لأنه بإجماع من أهل العربية لا مطعن فيه؛ لأنه في المواضع الثلاثة تبديل الجوهرة بأخرى، وإنما تكلم النحاة في قراءة التشديد؛ لأنهم زعموا أن التشديد إنما يستعمل في تغير الصفة دون الجوهر.
قلت: هذا قول بعضهم وليس بمطرد، وقد رده أبو علي، وقال المبرد: يستعمل كل واحد منهما في مكان الآخر والله أعلم.
849-
فَأَتْبَعَ خَفِّفْ فِي الثَّلاثَةِ "ذَ"اكِرًا ... وَحَامِيَةً بِالْمَدِّ "صُحْبَتُـ"ـهُ "كَـ"ـلا
أي: خفف الباء من: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} ، {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} ، {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} فهذا معنى قوله: في الثلاثة، والأولى أن يقرأ أول بيت الشاطبي: وأتبع خفف بالواو وتكون الواو للعطف أنث للفصل، ويقع في كثير من النسخ فأتبع بالفاء وليس جيدا؛ إذ ليس الجميع بلفظ فأتبع بالفاء إنما الأول وحده بالفاء والآخران خاليان منهما، ولم ينبه على قطع الهمزة ولا بد منه، فليته قال: وأتبع كل اقطع هنا خفف ذاكر؛ أي: كله وذهب التنوين؛ لالتقاء الساكنين والتخفيف والتشديد لغتان وهما بمعنى تبع كعلم قال الله تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}[6].
في البقرة وقال في طه:
[1]سورة القلم، آية: 32.
[2]سورة يونس، آية: 64.
[3]سورة البقرة، آية: 59.
[4]سورة سبأ، آية: 16.
[5]سورة النور، آية: 55.
[6]سورة البقرة، آية: 38.
{فَمَنِ اتَّبَعَ} وقال: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}[1]، {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ}[2]، وهذه المواضع مجمع عليها، واختلف هنا وفي الذي في آخر الأعراف والشعراء، وقيل: "أتبَعَ" يتعدى إلى لمفعولين بدليل: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً}[3].
فالتقدير: أتبع أمره سببا وقيل: اتبع الحق واتبع بمعنى، واختار أبو عبيد قراءة التشديد، قال: لأنها من المسير إنما هي افتعل من قولك: تبعت القوم، أما الإتباع بهمز الألف فإنما معناه اللحاق كقولك: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} ، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ} ، ونحوه، واختار الفراء قراءة التخفيف فقال: "أتبع" أحسن من "اتبع"؛ لأن اتبعت الرجل إذا كان يسير وأنت تسير وراءه فإذا قلت: أتبعته فكأنك قفوته، قال أبو جعفر النحاس: وغيره الحق أنهما لغتان بمعنى السير، فيجوز أن يكون معه اللحاق وأن لا يكون.
قلت: ومعنى الآية: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} ؛ أي: من أسباب كل شيء أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه سببا طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة، وآلة: فأراد بلوغ المغرب، {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} يوصله إليه: "حتى بلغ"، وكذلك أراد بلوغ المشرق، {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} ، وأراد بلوغ السدين {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} .
هذه عبارة الزمخشري في ذلك، وقال أبو علي: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} بالخلق إليه حاجة سببا؛ أي: علما ومعونة له على ما مكناه فيه فاتجه في كل وجه وجهناه له، وأمرناه به للسبب الذي ينال به صلاح ما مكن منه وقوله:
[1]سورة الصافات، آية: 10.
[2]سورة الشعراء، آية: 60.
[3]سورة القصص، آية: 42.
"في عين حامية"، هذه القراءة بزيادة ألف بعد الحاء وبياء صريحة بعد الميم؛ أي: حارة من حميت تحمى فهي حامية، قال أبو علي: ويجوز أن تكون فاعلة من الحمأ، فخففت الهمزة بقلبها ياء محضة قلت: لأنها مفتوحة بعد مكسورة فإبدالها ياء وهو قياس تخفيفها على ما سبق في باب وقف حمزة، وفي هذا الوجه جمع بين معنى القراءتين كما يأتي ثم تمم الكلام في بيان هذه القراءة في البيت الآتي، وأخبر عن لفظ صحبة بقوله: كلا؛ أي: حفظ كما أخبر عنها فيما تقدم بقوله: تلا، وفي موضع آخر ولا؛ لأنه مفرد.
850-
وَفِي الْهَمْزِ يَاءٌ عَنْهُمُ وَ"صِحَابُـ"ـهُمْ ... جَزَاءُ فَنَوِّنْ وَانْصِبِ الرَّفْعَ وَأَقْبَلا
فالقراءة الأخرى بالقصر والهمز حمئة؛ أي: فيها الحمأة وهو الطين الأسود. وروي أن معاوية سأل كعبا: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: في "ماء وطين"، وفي رواية: في "حمأة وطين"، وفي أخرى: في طينة سوداء، أخرجهن أبو عبيد في كتابه وروي في شعر تبع في ذي القرنين:
فرأى مغيب الشمس عند مآبها ... في غير ذي خلب دثاط حرمد
أي: في عين ماء ذي طين، وحمأ أسود، قال الزجاج: يقال حميت البئر فهي حمئة إذا صار فيها الحمأة، ومن قرأ حامية بغير همز أراد حارة، قال: وقد تكون حارة ذات حمأة؛ يعني: جمعا بين القراءتين، وقرأ مدلول صحاب: {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} أي: فله الحسنى جزاء فجزاء مصدر منصوب في موضع الحال. المعنى: فله الحسنى مجزية أو مجزيا بها. والمراد بالحسنى على هذه القراءة الجنة، وقرأ الباقون بإضافة جزاء إلى الحسنى، قال الفراء: الحسنى حسناته فله جزاؤها، وتكون الحسنى الجنة، ويضيف الجزاء إليها وهي هو، كما قال: {دِينُ الْقَيِّمَةِ} ، و {وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ} ، وقال أبو علي: له جزاء الخصال الحسنة التي أتاها وعملها، واختار أبو عبيد قراءة النصب، وقال أبو علي: قال أبو الحسن: هذا لا تكاد العرب تتكلم مقدما إلا في الشعر وقول الناظم: وأقبلا أراد وأقبلن، فأبدل من نون التأكيد الخفيفة ألفا.
851-
"عَلَى حَـ"ـقٍّ السُّدَّيْنِ سُدًّا "صِحَابُ حَقٍْ" ... الضَّمُّ مَفْتُوحٌ وَيس "شِـ"ـدْ "عُـ"ـلا
رمز في المواضع الثلاثة لمن فتح السين فيها والفتح والضم لغتان فموضعان منها هنا: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ، {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} والذي في يس موضعان: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا}[1].
أي: الضم مفتوح فيهما وفي يس، ولولا أن الخلاف في السين واقع بين الضم والفتح دون الرفع والنصب لكان قوله: على حق السدين وهما أنه بالضم لإطلاقه ويكون قوله: الضم مفتوح مختصا بـ "سدّا"، ولكن ما ذكره في الخطبة من قوله: وفي الرفع والتذكير والغيب مختص بالرفع والرفع غير الضم
[1]سورة يس، آية: 9.
على ما سبق بيانه هنالك وشد علا من شاد البناء إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجص: وعلا: جمع عليا أو مفرد.
852-
وَيَأْجُوجَ مَأْجُوجَ اهْمِزِ الكُلَّ "نَـ"ـاصِرًا ... وَفِي يَفْقَهُونَ الضَّمُّ وَالكَسْرُ "شـ"ـكِّلا
يعني بالكل: هنا وفي الأنبياء، وهما اسمان أعجميان لطائفتين عظيمتين قيل: لا يموت الواحد منهم حتى يخلف من صلبه ألفا، ومصداق هذا من الحديث الصحيح لما ذكر نعت النار قال: "إن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا"، وقيل: يأجوج اسم لذكرانهم ومأجوج اسم لإناثهم، وهما على أوزان كثير من أعلام العجمة، كطالوت وجالوت وداود وهاروت وماروت فالألف فيهما كالألف في هذه الأسماء، أما همز هذه الألف فلا وجه له عندي إلا اللغة المحكية عن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم، وقد حاول جماعة من أئمة العربية لهما اشتقاقًا كما يفعلون ذلك في نحو: آدم ومريم وعيسى على وجه الرياضة في علم التصريف وإلا فلا خفاء أنها كلها أعجمية، وهذه طريقة الزمخشري وغيره من المحققين، وأقرب ما قيل في اشتقاقها أن يأجوج من الأج وهو الاختلاط وسرع العدو أو من أجيج النار فوزن يأجوج يفعول ومأجوج مفعول فيكون الهمز فيهما هو الأصل وتركه من باب تخفيف الهمز، وقيل: مأجوج من ماج يموج إذا اضطرب، ويشهد لهذه المعاني ما وصفهم الله تعالى به فإفسادهم في الأرض على وجه القهر والغلبة يشبه تأجج النار والتهابها عاصية على موقدها وكونهم: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} يناسب سرعة العدو، وكون: "بعضهم يموج في بعض" هو الاختلاط فالمانع لهما من الصرف هو العجمة مع العلمية، وإن قيل: هما عربيان فالتأنيث عوض العجمة؛ لأنهما اسمان لقبيلتين ويفقهون بفتح الياء والقاف؛ أي: لا يفقهون؛ لجهلهم بلسان من يخاطبهم وبضم الياء وكسر القاف لا يفهمون غيرهم قولا لعجمة ألسنتهم فالمفعول الأول محذوف نحو: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} أو الألف في شكلا للضم والكسر أي: جعلا شكلا في يفقهون:
853-
وَحَرِّكْ بِها وَالمُؤْمِنينَ وَمُدَّهُ ... خَرَاجًا "شَـ"ـفَا وَاعْكِسْ فَخَرْجُ "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا
خراجًا مفعول حرك؛ أي: بهذه السورة وبسورة المؤمنين أراد فتح الراء ومد ذلك الفتح فيصير ألفا والقراءة الأخرى بإسكان الراء؛ لأنه ضد التحريك، وإذا بطلت الحركة بطل مدها، والخرج والخراج واحد كالنول والنوال؛ أي: جعلا يخرج من الأموال فالذي هنا: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} ، والذي في المؤمنين: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا}[1]، وقوله: واعكس فخرج؛ يعني: الثاني في سورة المؤمنين: {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} 2؛ أي: اقرأه لابن عامر وحده بالإسكان والقصر،؛ أي: ما يعطيه الله سبحانه خير مما يعطيه هؤلاء، فقد صار في حرفي المؤمنين ثلاث قراءات مدهما لحمزة والكسائي وقصرهما لابن عامر ومد الأول وقصر الثاني للباقين، أما مد الأول وقصر الثاني فلا والله أعلم وقد مضى معنى ملا وأنه جمع ملاءة وهي الملحفة ويمكن به الحجة؛ لأنها جبة وسترة:
[1]و2 سورة المؤمنون، آية: 72.