والفتح على تقدير: ولأن: {اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} ، أو عطف على: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ} ، وبأن: {اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} ، وقوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} إلى قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} كلام معترض، وقوله: ذاك من ذكا الطيب يذكو إذا فاحت ريحه؛ أي: وجه الكسر بيِّن ظاهر، وأخبروا؛ يعني: الرواة باختلاف بينهم عن ابن ذكوان وموفين جمع موفٍ، ووصلا جمع واصل هما حالان من فاعل أخبروا يريد قوله تعالى: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ} .
قراءة الجماعة بالاستفهام الذي يقال على وجه الإنكار، وهم على أصولهم في ذلك فيما يتعلق بتحقيق لهمزة الثانية، وتسهليها وإدخال الألف بين الهمزتين. وروي عن ابن ذكوان حذف همزة الإنكار، وهي مرادفة في المعنى وله نظائر، ومثل هذا يعبر عنه بالإخبار؛ لأنه على لفظ الخبر المحض، ويجوز أن يكون حكاية منه للفظ الذي قيل: له بعينه كما قال: لسوف، وليس بموضع تأكيد بالنسبة إلى حال هذا المنكر، وإنما كأنه قيل له: "لسوف تخرج حيا إذا ما مت"، فحكى هذا اللفظ منكرا له، وقد تقدم تقدير أن ضد الأخبار عند الناظم الاستفهام في سورة الأعراف والرعد والله أعلم.
866-
وَنُنْجِي خَفِيفًا "رُ"ضْ مَقَامًا بِضَمِّهِ ... "دَ"نَا رءيًا ابْدِلْ مُدْغِمًا "بَـ"ـاسِطًا "مُـ"ـلا
ذكر في هذا البيت ثلاثة أحرف "ننجي"، "مقاما"، "رئيا"، وننجي مفعول رض وخفيفا حال منه، ومقاما: مبتدأ، ورئيا: مفعول أبدل وفتح التنوين من رئيا بإلقاء حركة همزة أبدل عليه، ومدغما باسطا حالان من فاعل أبدل، وملا مفعول باسطا، وسبق تفسير ملا، والتخفيف والتشديد في: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} لغتان، وقد سبق ذكر ذلك في مواضع، والمقام بالضم الإقامة وموضعها وبالفتح القيام أو موضعه، والخلاف في هذه السورة في قوله تعالى: {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} ، وسيأتي الخلاف في الذي بالأحزاب والدخان، ولا خلاف في ضم الذي في آخر الفرقان، أما رئيا في قوله: {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} ، فأبدل قالون وابن ذكوان همزه ياء؛ لسكونه وكسر ما قبله كما يفعل حمزة في الوقف، فالتقى ياءان
فأدغم الأولى في الثانية وهو أحد الوجهين لحمزة وقد سبق توجيههما في باب وقف حمزة، وضعف مكي وجه الإدغام نظرا إلى أن أصل الباء الهمزة، وكما أن حمزة لا يدغم "رئيا" إذا خفف همزها في الوقف، وواجب في غير ذلك إدغام الواو الساكنة قبل الياء، ويمكن الفرق بأن التقاء المثلين أثقل من التقاء واو وياء على أنه قد قيل في قراءة من لم يهمز وأدغم: إنها من الري، وهو يستعار لمن ظهر عليه أثر النعمة فلا يكون في الكلمة إبدال، ولذلك امتنع السوسي من إبدال همزها، وقد تقدم والله أعلم.
867-
وَوُلْدَا بِها وَالزُّخْرُفِ اضْمُمْ وَسَكِّنَنْ ... "شِـ"ـفاءً وَفِي نُوحٍ "شَـ"ـفا حَقُّهُ وَلا
هنا أربعة مواضع: {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} ، {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} ، {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} ، {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} ، وفي الزخرف: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ}[1].
أي: ضم الواو وسكن اللام لحمزة والكسائي، والباقون بفتحهما وهما لغتان نحو: العرب والعرب والعجم والعجم، وقيل: ولدا بالضم جمع ولد بالفتح كأسد وأسد، ووافق ابن كثير وأبو عمرو لحمزة والكسائي على ضم الذي في نوح وهو: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ}[2].
وقوله: وسكنا أدخل نون التأكيد الخفيفة في فعل الأمر، ويجوز كتابتها بالألف اعتبارا بحالة الوقف عليها؛ فإنها بالألف، وشفا حال؛ أي: ذا شفاء، وولا في آخر البيت بالفتح وهو تمييز أو حال؛ أي: ذا ولاء، أو هو مفعول شفا، كما تقول: شفى الله فلانا؛ أي: شفى الحق ولاء، وذكر الشيخ أن ولا ههنا بالفتح والكسر.
قلت: الكسر بعيد؛ فإنه سيأتي بعد بيت واحد "حلا صفوه"، ولا بالكسر فلا حاجة إلى تكرار القافية على قرب من غير ضرورة.
868-
وَفِيها وَفِي الشُّورى يَكَادُ "أَ"تَى "رِ"ضا ... وَطَا يَتَفَطَّرْنَ اكْسِرُوا غَيْرَ أَثْقَلا
التذكير والتأنيث في: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ} في السورتين أمرهما ظاهر سبقت أمثاله، ورضا حال؛ أي: أتى التذكير ذا رضى؛ أي: مرضيا،؛ لأن تأنيث السموات غير حقيقي وطا يتفطرن مفعول اكسروا، وقصره ضرورة، وقوله: غير أثقلا حال من الطاء؛ أي: غير مشدد أثقل بمعنى ثقيلا، ثم ذكر تمام تقييد القراءة فقال:
[1]آية: 81.
[2]سورة نوح، آية: 21.
869-
وَفي التَّاءِ نُون سَاكِنٌ "حَـ"ـجَّ "فِـ"ـي صَفـ"ـا" ... "كَـ"ـمَالٍ وَفِي الشُّورى "حَـ"ـلا "صَـ"ـفْوُهُ وَلا
أي: وفي موضع التاء نون ساكن، فيصير ينفطرن مضارع انفطر، والقراءة الأخرى مضارع تفطر وانفطر وتفطر مطاوعا فطرته فطّرته وكلاهما بمعنى شققته، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير والمبالغة، وأكثر ما جاء في القرآن مخففا نحو: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}[1]، {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}[2]، {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[3]، ولكن هنا المقصود تعظيم أمر قولهم وتهويله، فناسب التشديد، والأكثر على التشديد في الشورى، لم يخفف غير أبي بكر وأبي عمرو، وولا في آخر البيت بالكسر ومعناه المتابعة وهو تمييز أو حال كما سبق في قوله: شفا حقه ولا، لكن لا يستقيم هنا أن يكون مفعولا به؛ لأن حلا فعل لازم بخلاف شفا في ذلك البيت، وصفا في قوله: صفا كمال ممدود وقصره الناظم ضرورة والله أعلم.
870-
وَرَاءِيَ وَاجْعَلْ لِي وَإِنِّي كِلاهُما ... وَرَبِّي وَآتَانِي مُضَافَاتُهَا الوُلا
فيها ست ياءات إضافة:
"مِنْ وَرَائيَ وَكَانَتِ"
فتحها ابن كثير وحده.
"اجْعَلْ لِيَ آيَةً" فتحها نافع وأبو عمرو.
"إِنِّيَ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ"، "إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ"
فتحهما الحرميان وأبو عمر.
"سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إِنَّهُ" فتحها نافع، وأبو عمرو.
"آتَانِيَ الْكِتَابَ" سكنها حمزة وحده.
وقوله: مضافاتها خبر قوله: "وراءي" وما بعده، والولاء جمع الولياء والولياء تأنيث الأولى؛ أي: الولا بالضبط والحفظ، ومعرفة الخلف فيها والله أعلم.
[1]سورة الانفطار، آية: 1.
[2]سورة المزمل، آية: 18.
[3]سورة الشورى، آية: 11.
سورة طه:
871-
لِحَمْزَةَ فَاضْمُمْ كَسْرَها أَهْلِهِ امْكُثُوا ... مَعًا وَافْتَحُوا إِنِّي أَنَا "دَ"ائِمًا "حُـ"ـلا
قصر لفظ "ها" ضرورة، وقوله: معا؛ أي: هنا وفي القصص، وقد تقدم أن الضم هو الأصل في هاء الكناية، وإنما الكسر لأجل كسر ما قبلها، أما فتح: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} .
فعلى تقدير: "نودي موسى" بكذا والكسر هنا أولى: وعليه الأكثر لقوله: يا موسى فصرح بلفظ النداء فكان الكسر بعده واضحا نحو: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ}[1]، {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ}[2]، وليس مثل الذي في آل عمران: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} ، {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} ، فليس ثَم لفظ النداء، فأمكن تقدير فنادته بكذا، قال أبو علي: من كسر فلان الكلام حكاية كأنه نودي فقيل: "يا موسى إني أنا ربك"، فالكسر أشبه بما بعده مما هو حكاية، وذلك قوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} ، وقوله: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} ، فهذه كلها حكاية فالأشبه أن يكون قوله: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} كذلك أيضا، وقول الناظم: دائما حال من مفعول افتحوا، وحلا تمييز؛ أي: دائما حلاه أو حال من فاعل دائما؛ أي: دائما ذا حلا، ويجوز أن يكون دائما نعت مصدر؛ أي: فتحا دائما والله أعلم.
[1]سورة مريم، آية: 7.
[2]سورة آل عمران، آية: 42.
872-
وَنُوِّنْ بِها وَالنَّازِعَاتِ طُوًى "ذَ"كَا ... وَفِي اخْتَرْتُكَ اخْتَرْناكَ "فَـ"ـازَ وَثَقَّلا
طوى مفعول نون، ووجه تنوينه ظاهر؛ لأنه اسم وادٍ وهو مذكر مصروف، ومن لم ينونه لم يصرفه جعله اسما لبقعة أو لأرض أو هو معدول عن طاو تقديرا كعمر عن عامر. واختار أبو عبيد صرفه وقال: عجبت ممن أجرى سبا وترك إجراء طوى وذلك أثقل من هذا، وقرأ حمزة وحده: "وأنا اخترناك" بضمير الجمع في الكلمتين للتعظيم، والباقون: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} بضمير المتكلم المفرد، ومفعول قوله: وثقلا أول البيت الآتي؛ أي: شدد لفظ: "وأنا".
873-
وَأَنَا وَشَامٍ قَطْعُ أَشْدُدْ وَضُمَّ فِي ابْـ ... ـتِدَا غَيْرِهِ واضْمُمْ وَأَشْرِكْهُ "كَـ"ـلْكَلا
أي: وقراءة ابن عامر قطع همزة: "أشدد به أزري" قرأه بهمزة مفتوحة جعله فعلا مضارعا مجزوما على جواب الدعاء في قوله: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي} .
أي: أَشدُدُ أنا، ولزم فتح الهمزة؛ لأنها همزة متكلم من فعل ثلاثي كقولك: أضرب أنا وأخرج وأذهب، وقراءة الباقين على الدعاء، وهمزته همزة وصل مضمومة إذا ابتدئ بالكلمة ضمت وإذا وصلت الكلمة بما قبلها سقطت؛ لأنه أمر من فعل ثلاثي كما تقول: يا زيد اخرج وادخل، فهذا معنى قوله: وضم في ابتداء غيره؛ أي: ضم الهمزة وابن عامر يفتحها وصلا ووقفا؛ لأنها همزة قطع، أما: "وأشركه في أمري" فالقراءة فيه كما مضى من حيث المعنى بالعطف عليه فالهمزة في قراءة ابن عامر للمتكلم إلا أن فعلها رباعي فلزم ضم الهمزة كما لزم وأحسن؛ أي: أَشدُد أنا به أزري وأُشرِكه أنا أيضا في أمري، وقراءة الجماعة على أنه دعاء معطوف على "اشدد" طلب من الله سبحانه أن يشد به أزره وأن يشركه في أمره، ولفظ الأمر من الرباعي بفتح الهمزة وقطعها نحو: أكرم زيدا وأحسن إليه، قال أبو علي: الوجه الدعاء دون الإخبار؛ لأن لك معطوف على ما تقدمه من قوله: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} ، فكما أن ذلك كله دعاء فكذلك ما عطف عليه، فأما الإشراك فيبعد فيه الحمل على غير الدعاء؛ لأن الإشراك في النبوة لا يكون إلا من الله تعالى اللهم إلا أن يجعل أمره شأنه الذي هو غير النبوة، وإنما ينبغي أن تكون النبوة؛ لقوله: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي}[1].
وقوله: {كَيْ نُسَبِّحَكَ}
[1]سورة القصص، آية: 34.
كالجواب بعد هذه الأشياء التي سألها فأما أشدد به أزري فحمله على الإخبار أسهل، وقول الناظم كلكلا بدل من قوله: وأشركه بدل البعض من الكل والكلكل الصدر؛ أي: اضمم صدره وهو الهمزة.
874-
معَ الزُّخْرُفِ اقْصُرْ بَعْدَ فَتْحٍ وَسَاكِنٍ ... مِهَادًا "ثَـ"ـوى واضْمُمْ سِوىً "فِـ"ـي "نَـ"ـدٍ "كَـ"ـلا
أي: اقصر مهادا بعد فتح ميمه وإسكان هائه، فيصير مهدا هنا وفي سورة الزخرف:
"الذي جعل لكم الأرض مهادا"[1]. ولا خلاف في التي في عم يتساءلون: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}[2]؛ لتشاكل الفواصل. والمهد والمهاد: الشيء الممهد سموا المفعول بالمصدر كقوله في الدرهم: ضرب الأمير؛ أي: مضروبه، ومنه تسمية المكتوب كتابا، وفَعْل وفِعَال كلاهما مصدر ومنه مهد الصبي والفراش والبساط، قال أبو علي: المهد مصدر كالفرش والمهاد كالفراش في قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}[3]، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا}[4]، وهما اسم ما يفرش ويبسط قال: ويجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء: فجمع كما يجمع فعل على فعال، ويجوز أن يكون المعنى ذا مهد فيكون في المعنى كقول من قال مبادا، ثم قال الناظم: واضمم سوى؛ يعني: "مكانا سوى"؛ أي: عدلا لا يكون أحد الفريقين فيه أرجح حالا من الآخر، قال أبو عبيد: يضم أوله ويكسر مثل طُوى وطِوى، قال أبو علي: سوى فعل من التسوية فكأن المعنى مكانا تستوي مسافته على الفريقين، وهذا بناء يقل في الصفات ومثله قوم عِدى، فأما فعل فهو في الصفات أكثر، وقوله: في ند كلا؛ أي: في قراءة جواد حفظه وحرسه من الطعن أو في مكان ند ذي كلاء؛ أي: كائنا في خصب يشير إلى ما قاله أبو علي: إن الضم أكثر في مثل هذا الوزن في الصفات من الكسر، واختار أبو عبيد قراءة الكسر قال: لأنها أفشى اللغتين، ثم بين قراءة الباقين؛ لأن الكسر ليس ضدا للضم، فقال:
875-
وَيَكْسِرُ بَاقِيهِمْ وَفِيهِ وَفِي سُدىً ... مُمَالُ وُقُوفٍ فِي الأَصُولِ تَأَصَّلا
ممال بمعنى إمالة، في هذين اللفظين: "سوى وسدى" إمالة في الوقف؛ لزوال التنوين المانع من إمالتهما وصلا، ثم قال: في الأصول تأصل؛ أي: تأصل ذلك وتبين في باب الإمالة من أبواب الأصول المقدمة قبل السور في قوله: "سوى وسدى" في الوقف عنهم؛ أي: عن صحبة أمالوهما إمالة محضة، وأبو عمرو وورش يقرآنهما بين اللفظين
[1]آية: 10.
[2]آية: 6.
[3]سورة البقرة، آية: 22.
[4]سورة نوح، آية: 19.
كغيرهما من رءوس الآي، وإنما ذكر ذلك هنا تجديدا للعهد بما تقدم وزيادة بيان، وتأكيدا لذلك؛ لئلا يظن أن ضم السين مانع من الإمالة لحمزة وأبي بكر فقال أمر الإمالة على ما سبق سواء في ذلك من كسر السين وهو الكسائي ومن ضمها وهو حمزة وأبو بكر والله أعلم.
876-
فَيُسْحِتَكمْ ضَمٌّ وَكَسْرٌ "صِحَابُـ"ـهُمْ ... وَتَخْفِيفُ قَالوا إِنَّ "عَـ"ـالِمُهُ "دَ"لا
أي: ذو ضم في الياء وكسر في الحاء وصحابهم فاعل المصدر كأنه قال ضمه وكسره صحابهم: فقراءتهم من أسحت وفتح غيرهم الياء والحاء فقراءتهم من سحت وهما لغتان يقال سحته وأسحته إذا استأصله وخفف حفص وابن كثير إن من قوله سبحانه: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} ، وهذه قراءة واضحة جيدة غير محوجة إلى تكلف في تأويل رفع هذان بعدها؛ لأن إن إذا خففت جاز أن لا تعمل النصب في الاسم نحو: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ}[1]، {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا}[2]، ويرتفع ما بعدها على الابتداء والخبر، واللام في الخبر هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة وبين النافية؛ هذه عبارة البصريين في كل ما جاء من هذا القبيل نحو: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ}[3]، {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[4]. والكوفيون يقولون: إن نافية واللام بمعنى إلا؛ أي: ما هذان إلا ساحران، وكذلك البواقي فعالم هذه القراءة دلا؛ أي: أخرج دلوه ملأى، فاستراح خاطره لحصول غرضه وتمام أمره، قال الزجاج: روي عن الخليل: "إن هذان لساحران" بالتخفيف، قال: والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} بالتخفيف قال: والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل.
877-
وَهذَيْنِ فِي هذَانِ "حَـ"ـجَّ وَثِقْلُهُ ... "دَ"نا فَاجْمَعُوا صِلْ وَافْتَحِ الْميمَ "حُـ"ـوَّلا
أي: وقرأ أبو عمرو "إن هذين" بنصب "هذين"؛ لأنه اسم "إن" فهذه قراءة جلية أيضا فلهذا قال: حج؛ أي: غلب في حجته لذلك ثم قال: وثقله دنا أي: أن ابن كثير شدد النون من هذان، وهذا قد تقدم ذكره في النساء، وإنما أعاد ذكره؛ تجديدا للعهد به وتذكيرا بما لعله نسي كما قلنا في "سوى وسدى"، أما قراءة
[1]سورة يس، آية: 32.
[2]سورة الطارق، آية: 4.
[3]سورة الأعراف، آية: 66.
[4]سورة يوسف، آية: 3.
غير أبي عمرو وابن كثير وحفص فبتشديد إن وهذان بألف، قال أبو عبيد: ورأيتها أنا في الذي يقال إنه الإمام مصحف عثمان بن عفان بهذا الخط "هذان" ليس فيها ألف، وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع ذلك المصحف بإسقاط الألف، فإذا كتبوا النصب والخفض كتبوهما بالياء ولا يسقطونها.
قلت: فلهذا قرئت بالألف؛ إتباعا للرسم، واختارها أبو عبيد وقال: لا يجوز لأحد مفارقة الكتاب وما اجتمعت عليه الأمة، وقال الزجاج: أما قراءة أبي عمرو فلا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، وكلما وجدت إلى موافقة المصحف سبيلا لم أجز مخالفته؛ لأن اتباعه سنة وما عليه أكثر القراء، ولكني أستحسن إن هذان بتخفيف إن وفيه إمامان: عاصم والخليل، وموافقة أُبَيٍّ في المعنى، وإن خالفه اللفظ، يروى عنه أنه قرأ: "ما هذان إلا ساحران"، وفي رواية: "إن ذان إلا ساحران" قال ويستحسن أيضا: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} ؛ لأنه مذهب أكثر القراء وبه يقرأ، قال: وهذا حرف مشكل على أهل اللغة، وقد كثر اختلافهم في تفسيره.
قلتُ: مدار الأقوال المنقولة عنهم في ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن يكون هذان اسما؛ لأن، والآخر: أن يكون مبتدأ فإن كان اسما لـ "أن" فلا يتوجه إلا على أنه لغة لبعض العرب يقولون هذان في الرفع والنصب والجر كما يلفظون لسائر الأسماء المقصورة، كعصى وموسى، وكذا ما معناه التثنية نحو كلا إذا أضيف إلى الظاهر اتفاقا من الفصحاء وإلى الضمير في بعض اللغات، قال الزجاج: حكى أبو عبيد عن أبي الخطاب -وهو رأس من رؤساء الرواة- أنها لغة كانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: آتاني الزيدانُ ورأيت الزيدانَ ومررت بالزيدانِ، ويقولون: ضربته من أذناه، ومن يشتري مني الحقان، قال: وكذلك روى أهل الكوفة أنها لغة بني الحارث بن كعب، وقال أبو عبيد: كان الكسائي يحكي هذه اللغة عن بني الحارث بن كعب وخيثم وزبيد وأهل تلك الناحية، وقال الفراء: أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث:
فأطرق إطراق الشجاع ولو ترى ... مساغًا لناباه الشجاع لصمما
قال: وحكي عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه. قال أبو جعفر النحاس: هذا الوجه من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة قد حكاها من يُرتضى علمه وصدقه وأمانته منهم: أبو زيد الأنصاري وهو الذي يقال إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما يعنيه، وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء أهل اللغة روى عنه سيبويه وغيره، وقال غيره هي لغة بني العنبر وبني الهجيم، ومراد وعذرة، وبعضهم يفر من الياء مطلقا في التثنية والأسماء الستة وعلى وإلى، قال الراجز:
أي قلوص راكب تراها ... طاروا على هن فَطِرْ علاها
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
قال هوبز الحارثي أنشده الكسائي:
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم