{وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا}[1].
ويقول النابغة: "ردت عليه أقاضيه وليده" قال: وقد قرأ أبو جعفر ليجزي قوما؛ أي: ليجزي الجزاء قوما، قلت: وكل هذا استدلال بقراءات ضعيفة شاذة وبضرورات شعر وكل ذلك مما يشهد بضعف هذه القراءة وعجبت ممن يذكرها ويترك غيرها مما هو شائع لغة نقلا وموافق خطا، نحو: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} ذكر ابن مجاهد رواية عن أبي عمرو بياء مضمومة، ورواية عن ابن عامر بتاء مفتوحة مع كسر الجيم وأجود ما وقفت عليه في توجيه هذه القراءة ما نقله أبو جعفر النحاس قال لم أسمع في هذا بأحسن من شيء سمعته من علي ابن سليمان قال الأصل ننجي فحذف إحدى النونين؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله تعالى: {لا تَفَرَّقُوا} الأصل تتفرقوا، قال: والدليل على صحة ما قال: أن عاصما يقرأ نجى بإسكان الياء، ولو كان على ما تأوله من ذكرنا لكان مفتوحًا، وقال أبو الفتح ابن جني في كتاب الخصائص في باب امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس: أجاز أبو الحسن ضرب الضرب الشديد زيدا وقتل يوم أخاك، قال: هو جائز في القياس وإن لم يرد به الاستعمال، ثم أنشد ابن جني: لسب بذلك الجرو الكلابا قال: هذا من أقبح الضرورة ومثله لا يعتد به أصلا بل لا يثبت إلا محتقرا شاذا، قال: أما قراءة من قرأ: "وكذلك نجى المؤمنين" فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل؛ لأنه عندنا على حذف إحدى نوني ننجي كما حذف ما بعد حرف المضارعة في قوله تعالى: "تَذَكَّرُونَ"؛ أي: تتذكرون، ويشهد لذلك أيضا سكون لام نجى ولو كان ماضيا؛ لانفتحت اللام إلا في الضرورة، وقال في كتاب المحتسب: روى عن ابن كثير وأهل مكة: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا} ؛ يعني: في سورة الفرقان قال: وكذلك روى خارجة عن أبي عمرو قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محمولا على أنه أراد: {نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ} إلا أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فعل؛ لالتقاء النونين استخفافا، وشبهها بما حذف من أحد المثلين الزائدين في نحو قولك: أنتم تفكرون وتظهرون وأنت تريد: تتفكرون وتتظهرون، قال: ونحوه قراءة من قرأ: "وكذلك نجى المؤمنين" ألا تراه يريد ننجي فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا؛ لما ذكرنا، قلت: ونقل هذه القراءة وتعليلها المذكور الزمخشري في تفسيره، وذكره المهدوي في قراءة: "ننجي المؤمنين" وهو وجه سديد غريب لا تعسف فيه، ويشهد له أيضا حذف إحدى النونين من أتحاجوني وتبشروني وتأمروني وتأمروني أعبد وعجبت من شيخنا أبي الحسن -رحمه الله- كيف لم ينقل هذا التعليل في شرحه مع كونه في إعراب النحاس وهو كثير الأخذ منه وقراءة الجماعة ننجي بنونين الثانية ساكنة وبتخفيف الجيم من الإنجاء وقبله ونجيناه من الغم بالتشديد جمعا بين اللغتين كما جمع بينهما في كثير من القرآن نحو: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}[2]، {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ}[3].
[1]سورة البقرة، آية: 228.
[2]سور الطارق، آية: 17.
[3]سورة محمد -صلى الله عليه وسلم، آية: 20.
وقول الناظم: كذى صلا إشارة إلى النظر والفكرة في وجه هذه القراءة؛ أي: كن في الذكاء والبحث كذى صلا وقد سبق تفسيره ويقال بكسر الصاد وفتحها والله أعلم.
892-
وَلِلْكُتُبِ اجْمَعْ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذًا وَمُضَافُهَا ... مَعِي مَسَّنِي إِنِّي عِبَادِيَ مُجْتَلا
أي: عن ذي شذا يريد: "كطي السجل للكتاب"، فالقراءة دائرة بين الجمع والإفراد قد سبق لهما نظائر، فالكتب جمع كتاب والكتاب في الأصل مصدر كتب كتابا مثل بنى بناء ثم قيل للمكتوب: كتاب، وقد اختلف في معنى السجل فقيل: هو ملك يطوى صحائف بني آدم وقيل: كاتب كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- فالمعنى على هذين القولين ظاهر؛ أي: كما يطوى السجل الكتاب أو الكتب، فالمفرد اسم جنس يغني عن الجمع فهو واحد يراد به الكثرة واللام في الكتب أو للكتاب زائدة وحسنها اتصالها بمعمول المصدر تقوية لتعديته نحو عرفت ضرب زيد لعمرو والأصل ضرب زيد عمرا فكهذا هنا كطي السجل للكتاب فإضافة طي إلى السجل من باب إضافة المصدر إلى فاعله، وقيل: إن السجل هو اسم الصحيفة فيكون المصدر مضافا إلى مفعوله نحو: {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}[1].
والمعنى كطي الصحيفة للكتابة فيها أو لأجل المكتوب فيها قال قتادة: كطي الصحيفة فيها الكتب، قال أبو علي: كطي الصحيفة مدرجا فيه الكتب؛ أي: لدرج الكتب فيها فإن كان الجمع للمكتوب فظاهر، وإن كان للمصدر فلأجل اختلاف أنواعه وقول الناظم: مجتلا خبر قوله: ومضافها ومع وما بعده عطف بيان لمضافها أو صفة له على تقدير: الذي هو كذا وكذا، وأراد: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} فتحها حفص وحده. "إِنِّيَ إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ" فتحها نافع وأبو عمرو. "مَسَّنِي الضُّرُّ"، "عبادي الصالحون" سكنهما حمزة والله أعلم.
[1]سورة ص، آية: 24.
سورة الحج:
893-
سُكَارى مَعا سَكْرى "شَـ"ـفا وَمُحَرِّكٌ ... لِيَقْطَعْ بِكَسْرِ الَّلامِ "كَـ"ـمْ "جِـ"ـيدُهُ "حَـ"ـلا
يريد: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}[1].
قرأهما حمزة والكسائي "سكرى" كلاهما جمع سكران، وأجمعوا على: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ، ونظير القراءتين: "أسارى"، و"أسرى" كما سبق في الأنفال والبقرة، وجمع سكران على سكارى بضم السين، وبالألف بعد الكاف هو القياس كعجلان وعجالى وكسلان وكسالى، وإنما جمع على سكرى بفتح السين والقصر حملا له على فعيل بمعنى مفعول إذا كان ذا آفة وبلية فحمل سكران عليه؛ لملاقاته إياه في المعنى كجرحى وقتلى، ونظيره قولهم: روبان وروبى، وهو الذي سكر من شرب اللبن الرائب والمختلط من كثرة السير والتعب قال الشاعر:
فأما تميم تميم بن مر ... فألقاهم القوم روبى نياما
قال سيبويه: قالوا: رجل سكران وقوم سكرى؛ وذلك لأنهم جعلوه كالمرضى. قال: وقالوا رجال روبى جعلوه بمنزلة سكرى، والروبى الذين قد استثقلوا نوما فشبهوه بالسكران، قال أبو علي: ويجوز أن يجمع سكران على سكرى من وجه آخر، وهو أن سيبويه حكى رجل سكر، وقد جمعوا هذا البناء على فعالى، فقالوا هرم وهرمى وزمن وزمنى وضمن وضمنى؛ لأنه من باب الأدواء والأمراض التي يصاب بها، أما كسر اللام في ثم ليقطع فهو الأصل؛ لأنها لا أمر، فهي مكسورة بدليل أنها إذا لم يدخل عليها أحد الحروف الثلاثة الفاء والواو، وثم لا تكون إلا مكسورة، وهذه الحروف إذ اتصلت بها فمنه من سكنها تخفيفا لتوسطها باتصال حرف العطف بها، واتصال الفاء والواو بها أشد من اتصال ثم؛ لأن ثم كلمة مستقلة بخلافهما، فإنهما يصيران إذا اتصلا بكلمة كأنهما بعض حروفها، فلهذا يسكن مع الفاء والواو من لا يسكن مع ثم، وذلك نظير ما سبق في أول البقرة في إسكان "فهو، وهو" ثم هو والفاء أشد اتصالا من الواو؛ لأنها متصلة لفظا وخطا، والواو منفصلة خطًّا؛ فلهذا اتفق القراء على إسكان اللام مع الفاء نحو "فليمدد، فلينظر" واختلفوا مع الواو، وثم كما يأتي فإسكانها مع الفاء أحسن، ومع ثم أبعد ومع الواو متوسط، فإن قلت فلم اختلف القراء في ترك الإسكان مع الفاء في فهو وفهي، وأجمعوا على إسكان اللام مع الفاء قلت لخفة الكلمتين لقلة حروفهما بخلاف ما دخل عليه لام الأمر، فإنها أكثر حروفا، فناسبت التخفيف ولهذا كان الأكثر على الإسكان هنا مع الواو، ومع ثم وفي وهو وفهو الأكثر على التحريك، وتقدير البيت؛ وليقطع محرك بكسر اللام وميزكم محذوف؛ أي: كم مرة "حلا جيده" والجيد العنق.
[1]سورة النساء، آية: 43.
894-
لِيُوفُوا ابْنُ ذَكْوَانٍ لِيَطَّوَّفُوا لَهُ ... لِيَقْضُوا سِوى بَزِّيِّهِمْ "نَفَرٌ جَـ"ـلا
أراد {لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا} لم يكسرهما سوى ابن ذكوان، وأجمعوا على إسكان: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}[1]في البقرة وفي النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ}[2].
وأما {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُم} فهو بعد ثم فكسر اللام أبو عمرو وابن عامر وقنبل وورش؛ لأنه استثنى البزي من نفر، ومدلول نفر ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ورمز مع نفر لورش بقوله: "جلا" فكسر قنبل "ليقضوا" ولم يكسر "ليقطع" جمعا بين اللغتين إعلاما بجوازهما.
895-
وَمَعْ فَاطِرَ انْصِبْ لُؤْلُؤًا "نَـ"ـظْمُ "إِ"لْفَةٍ ... وَرَفْعَ سَوَاءَ غَيْرُ حَفْصٍ تَنَخَّلا
أي: انصب لؤلؤا هنا مع حرف فاطر يريد: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا}[3]، فوجه الخفض العطف على: {أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} ووجه النصب العطف على موضع من "أساور" أو على تقدير "ويحلون لؤلؤا" ورسم بالألف في الحج خاصة دون فاطر والقراءة نقل فما وافق منها ظاهر الخط كان أقوى، وليس اتباع الخط بمجرده واجبا ما لم يعضده نقل، فإن وافق فبها ونعمت ذلك نور على نور، قال الشيخ: وهذا الموضع أدل دليل على اتباع النقل في القراءة؛ لأنهم لو اتبعوا الخط وكانت القراءة إنما هي مستندة إليه لقرءوا هنا بألف، وفي الملائكة بالخفض، قال أبو عبيد: ولولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحب إلي فيكون هذا بالنصب، والآخر بالخفض وقول الناظم نظم إلفة مصدر وقع وصفا للؤلؤ، وحسن ذكر النظم مع ذكر اللؤلؤ، وهو إشارة إلى الائتلاف الواقع للمؤمنين في الجنة كقوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا}[4]... الآية جعلنا الله تعالى بكرمه منهم، وقوله: ورفع سواء مفعول قوله: "تنخلا"؛ أي: غير حفص تنخل؛ أي: اختار رفع "سواءٌ العاكفُ فيه" وحفص وحده نصبه، فوجه رفعه أنه خبر، والعاكف مبتدأ والجملة ثاني مفعولي جعلناه، ونصبه على أن يكون هو المفعول الثاني، فالعاكف فاعل؛ لأنه مصدر؛ أي: مستويا فيه العاكف والبادي ويجوز أن يكون حالا من الهاء في جعلناه، وللناس هو المفعول الثاني؛ أي: جعلناه لهم في حال استواء العاكف فيه، والبادي فيه، وعند هذا يجوز أن يكون حالا من الذكر في المستقر.
[1]الآية: 186.
[2]آية: 31.
[3]آية: 33.
[4]سورة الأعراف، آية: 43.
896-
وَغَيْرُ "صِحَابٍ" فِي الشَّرِيَعةِ ثُمَّ وَلْـ ... ـيُوَفُّوا فَحَرِّكْهُ لِشُعْبَةَ أَثْقَلا
أي: وغير صحاب اختاروا رفع الذي في الشريعة؛ يعني: في سورة الجاثية وهو: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} فنصبه مع حفص حمزة والكسائي على الحال، و"محياهم" فاعله ورفع الباقون على أنه خبر مقدم، والجملة بدل من الكاف في {كَالَّذِينَ آمَنُوا} فهي في موضع نصب على المفعولية، وقرأ شعبة: "وَلْيُوَفُّوا نُذُورَهُمْ" بفتح الواو وتشديد الفاء من "وفَّى" والباقون من: "أوفى" وهما لغتان، وهذا كالخلاف في: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} في البقرة[1]، فقرأ شعبة هنا كما قرأ ثَمَّ، ونبه الناظم هنا على فتح ما قبل المشدد، ولم ينبه ثمَّ على ما سبق ذكره "وأثقلا" حال من الهاء في فحركه؛ أي: ثقيلا، وقوله: ثم لإقامة الوزن وأجمعوا على: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} بالألف، {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} بالتشديد و {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بالألف.
897-
فَتَخْطَفُهُ عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ وَقُلْ ... معًا مُنْسَكًا بالكَسْرِ فِي السِّينِ "شُـ"ـلْشُلا
أي: وليوفوا في تحريك الخاء بالفتح، وتشديد الطاء والأصل "فتتخطفه الطير" حذفت إحدى التاءين قال الجوهري: اختطفه وتخطفه بمعنى، وقراءة الباقين من خطف يخطف وتعسف بعضهم في توجيه قراءة نافع وجها ذكره الشيخ في شرحه لا حاجة إليه والنسك بالفتح يقال في المصدر واسم الزمان والمكان، وهو جار على القياس والكسر لغة فيه، وتقدير البيت: وقل مسرعا منسكا مستقر بالكسر في السين معا؛ يعني: في موضعين: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} ، {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} .
898-
وَيُدْفَعُ "حَـ"ـقٌّ بَيْنَ فَتْحَيْهِ سَاكِنٌ ... يُدَافِعُ وَالْمَضْمُومُ فِي أَذِنَ "ا"عْتَلا
يريد: "إن الله يدفع" فقوله: ويدفع حق جملة من مبتدأ وخبر؛ أي: قراءة "يدفع حق"، ثم قيد هذه القراءة بقوله: بين فتحيه ساكن؛ يعني: سكون الدال بين فتح الياء والفاء؛ لأن القراءة الأخرى لا تعلم من ضد هذا القيد، فاحتاج إلى بيانها بقوله: يدافع فحذف المضاف للعلم به ولم تكن له حاجة إلى تقييد قراءة يدفع؛ لأنه قد لفظ بالقراءتين وكان له أن يقول:
ويدفع حق في يدافع وارد ... وفي إذن اضمم ناصرا أنه حلا
ومن بعد هذا الفتح في نا يقاتلون فيتصل رمز أذن في بيت واحد، وقد مضى الكلام في سورة البقرة في مصدر هذين الفعلين: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} ، و"دفاع لله"، ومثله هنا أيضا فقراءة نافع يدافع موافقة لقراءة دفاع،
[1]الآية: 185.
2 سورة المائدة، آية: 3.
وقراءة ابن كثير وأبي عمرو يدفع لقراءتهما: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} والباقون جمعوا بينهما فقرءوا: "يدافع": {وَلَوْلا دَفْعُ} إشعارا بتقاربهما في المعنى فإن المراد من يدافع يدفع فهو من باب طارقت النعل وعاقبت اللص وعافاه الله ثم تمم الكلام في أذن فقال:
899-
"نَـ"ـعَمْ "حَـ"ـفِظُوا وَالفَتْحُ فِي تَا يُقَاتِلُو ... نَ "عَمَّ عُـ"ـلاهُ هُدِّمَتْ خَفَّ "إِ"ذْ "دُ"لا
أي: ضم: {أَذِنَ لِلَّذِينَ} نافع وعاصم وأبو عمر وعلى ما لم يسم فاعله وفتح الباقون على تقدير: "أذن الله لهم"، يقاتَلون بفتح التاء على بناء الفعل للمفعول أيضا، وبكسرها على بنائه للفاعل والتخفيف والتشديد في هذين ظاهران وسبق معنى دلا.
900-
وَبَصْرِيٌّ أَهْلَكْنَا بِتَاءٍ وَضَمِّهَا ... يَعُدُّونَ فِيهِ الغَيْبُ "شَـ"ـايَعَ "دُ"خْلُلا
يريد فكأين من قرية أهلكناها بنون العظمة، قرأه أبو عمرو بتاء مضمومة "أهلكتها"، والغيب في: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} ؛ لقوله قبله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} ، وهذا هو الدخلل الذي شايعه؛ أي: المداخل؛ أي: المناسب، والخطاب ظاهر:
901-
وَفِي سَبَإِ حَرْفَانِ مَعْهَا مُعَاجِزِي ... نَ "حَـ"ـقٌّ بِلا مَدٍّ وَفِي الْجِيمِ ثُقِّلا
يريد: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} ، {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} ، هذان في سبأ[1]،[2]وقوله: معها أي: مع حرف هذه السورة، وهو: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ، فمعنى معجزين ينسبون من تبع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العجز، وقيل: مثبطين الناس عنه وقيل: معناه يطلبون تعجيزنا، وفي المد معنى أنهم يسابق بعضهم بعضا في التعجيز، واختار أبو عبيد قراءة المد ورواها عن ابن عباس، وقال: معناها مشاقين، وقال أبو علي: معاجزين ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، فيكون ثواب وعقاب، وقال الشيخ: سعوا معجزين ومعاجزين؛ أي: بالطعن فينا وقولهم سحر وشعر وغم ذلك من البهتان.
902-
وَالَاوَّلُ مَعْ لُقْمانَ يَدْعُونَ غَلَّبُوا ... سِوى شُعْبَةٍ وَاليَاءُ بَيْتِيَ جَمَّلا
[1]آية: 5.
[2]آية: 38.
يريد بالأول: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} ومثله في لقمان، واحترز بقوله: الأول من الذي بعده، وهو: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} ، وأراد يدعون الأول، فلما قدم الصفة أتبعها الموصوف بيانا فهو من باب قول النابغة: والمؤمن العائدات الطير أي: قرأ يدعون في الموضعين بالغيبة أبو عمرو وصحاب، والباقون بالخطاب ووجههما ظاهر، وفي هذه السورة ياء واحدة للإضافة: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} فتحها نافع وهشام وحفص، وفيها زائدتان: و"الباد" أثبتها في الحالين ابن كثير وفي الوصل ورش وأبو عمرو، "نكير" أثبتها في الوصل ورش وحده، وقلت في ذلك:
زوائدها ياءان والباد بعده ... نكير وما شيء إلى النمل أنزلا
أي: وما شيء من الزوائد فيما بعد الحج من السور إلى سورة النمل والله أعلم.
سورة المؤمنون:
903-
أَمَانَاتِهِمْ وَحِّدْ وَفِي سَالَ "دَ"ارِيًا ... صَلاتِهِمُ "شَـ"ـافٍ وَعَظْمًا "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
يريد: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} هنا وفي سورة سأل، وحَّدهما ابن كثير وحده. "وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" وحده هنا حمزة والكسائي، ولا خلاف في إفراد الذي في سورة سأل ولا في الأول هنا وهو قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ، وعلم أن موضع الخلاف هو الثاني؛ لذكره إياه بعد أماناتهم، فالتوحيد يدل على الجنس والجمع لاختلاف الأنواع، وقد اتفق على الجمع في: {أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ} وعلى الأفراد في: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}[1]، وعلى جمع: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[2]، وعلى الإفراد في: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} . قوله: وعظْما؛ أي: ووحد عظْما؛ يعني: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} ، وقد ذكره في البيت الآتي في قوله: مع العظم، وحدهما ابن عامر وأبو بكر، كما قال الراجز: في خلقكم عظم وقد شجيناه أي: في حلوقكم عظام والعظام بالجمع، وموضع "كذي صلا" نصب على الحال من فاعل وحد وقد سبق تفسيره.
904-
مَعَ العَظْمِ وَاضْمُمْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "حَقُّـ"ـهُ ... بِتَنْبُتُ وَالمَفْتُوحُ سِيناءِ "ذُ"لِّلا
يريد: "تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ" اضمم التاء واكسر الباء فيصير من أنبت وهو بمعنى نبت فيتحد معنى القراءتين؛ أي: تنبت ومعها الدهن، وقيل: المفعول محذوف؛ أي: ينبت زيتونها وبالدهن في موضع الحال من الشجرة على الوجه الأول؛ أي: ملتبسة بالدهن، وعلى الوجه الثاني يكون حالا إما من الشجرة أو من المفعول المحذوف وقيل: الياء زائدة والمعنى تنبت الدهن كقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} ، ومن قرأه من نبت فالباء للتعدية أو مع مجرورها للحال وقوله: "حقه"؛ أي: هو حقه: "تَنْبُتُ" متعلق باضمم أو باكسر أو بالضم، وقوله: والمفتوح "سيناء"؛ أي: وسيناء المفتوح فقدم الصفة ضرورة وأتى بما بعدها بيانا كـ: العائدات الطير ومعنى ذلك قرب وسهل أراد بفتح السين والباقون بكسرها وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب مفتوحا ومكسورا، وقالوا أيضا "سنين" والمانع له من الصرف مع العلمية العجمة وقيل: "طور سينا" مركب كحضرموت على لغة الإضافة.
[1]سورة الأحزاب، آية: 72.
[2]سورة البقرة، آية: 228.