بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 606

وقراءة ابن كثير وأبي عمرو يدفع لقراءتهما: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} والباقون جمعوا بينهما فقرءوا: "يدافع": {وَلَوْلا دَفْعُ} إشعارا بتقاربهما في المعنى فإن المراد من يدافع يدفع فهو من باب طارقت النعل وعاقبت اللص وعافاه الله ثم تمم الكلام في أذن فقال:
899-
"نَـ"ـعَمْ "حَـ"ـفِظُوا وَالفَتْحُ فِي تَا يُقَاتِلُو ... نَ "عَمَّ عُـ"ـلاهُ هُدِّمَتْ خَفَّ "إِ"ذْ "دُ"لا
أي: ضم: {أَذِنَ لِلَّذِينَ} نافع وعاصم وأبو عمر وعلى ما لم يسم فاعله وفتح الباقون على تقدير: "أذن الله لهم"، يقاتَلون بفتح التاء على بناء الفعل للمفعول أيضا، وبكسرها على بنائه للفاعل والتخفيف والتشديد في هذين ظاهران وسبق معنى دلا.
900-
وَبَصْرِيٌّ أَهْلَكْنَا بِتَاءٍ وَضَمِّهَا ... يَعُدُّونَ فِيهِ الغَيْبُ "شَـ"ـايَعَ "دُ"خْلُلا
يريد فكأين من قرية أهلكناها بنون العظمة، قرأه أبو عمرو بتاء مضمومة "أهلكتها"، والغيب في: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} ؛ لقوله قبله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} ، وهذا هو الدخلل الذي شايعه؛ أي: المداخل؛ أي: المناسب، والخطاب ظاهر:
901-
وَفِي سَبَإِ حَرْفَانِ مَعْهَا مُعَاجِزِي ... نَ "حَـ"ـقٌّ بِلا مَدٍّ وَفِي الْجِيمِ ثُقِّلا
يريد: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} ، {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} ، هذان في سبأ[1]،[2]وقوله: معها أي: مع حرف هذه السورة، وهو: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ، فمعنى معجزين ينسبون من تبع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العجز، وقيل: مثبطين الناس عنه وقيل: معناه يطلبون تعجيزنا، وفي المد معنى أنهم يسابق بعضهم بعضا في التعجيز، واختار أبو عبيد قراءة المد ورواها عن ابن عباس، وقال: معناها مشاقين، وقال أبو علي: معاجزين ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، فيكون ثواب وعقاب، وقال الشيخ: سعوا معجزين ومعاجزين؛ أي: بالطعن فينا وقولهم سحر وشعر وغم ذلك من البهتان.
902-
وَالَاوَّلُ مَعْ لُقْمانَ يَدْعُونَ غَلَّبُوا ... سِوى شُعْبَةٍ وَاليَاءُ بَيْتِيَ جَمَّلا
[1]آية: 5.
[2]آية: 38.


صفحه 607

يريد بالأول: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} ومثله في لقمان، واحترز بقوله: الأول من الذي بعده، وهو: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} ، وأراد يدعون الأول، فلما قدم الصفة أتبعها الموصوف بيانا فهو من باب قول النابغة: والمؤمن العائدات الطير أي: قرأ يدعون في الموضعين بالغيبة أبو عمرو وصحاب، والباقون بالخطاب ووجههما ظاهر، وفي هذه السورة ياء واحدة للإضافة: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} فتحها نافع وهشام وحفص، وفيها زائدتان: و"الباد" أثبتها في الحالين ابن كثير وفي الوصل ورش وأبو عمرو، "نكير" أثبتها في الوصل ورش وحده، وقلت في ذلك:
زوائدها ياءان والباد بعده ... نكير وما شيء إلى النمل أنزلا
أي: وما شيء من الزوائد فيما بعد الحج من السور إلى سورة النمل والله أعلم.


صفحه 608

سورة المؤمنون:
903-
أَمَانَاتِهِمْ وَحِّدْ وَفِي سَالَ "دَ"ارِيًا ... صَلاتِهِمُ "شَـ"ـافٍ وَعَظْمًا "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
يريد: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} هنا وفي سورة سأل، وحَّدهما ابن كثير وحده. "وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" وحده هنا حمزة والكسائي، ولا خلاف في إفراد الذي في سورة سأل ولا في الأول هنا وهو قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ، وعلم أن موضع الخلاف هو الثاني؛ لذكره إياه بعد أماناتهم، فالتوحيد يدل على الجنس والجمع لاختلاف الأنواع، وقد اتفق على الجمع في: {أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ} وعلى الأفراد في: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}[1]، وعلى جمع: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[2]، وعلى الإفراد في: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} . قوله: وعظْما؛ أي: ووحد عظْما؛ يعني: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} ، وقد ذكره في البيت الآتي في قوله: مع العظم، وحدهما ابن عامر وأبو بكر، كما قال الراجز: في خلقكم عظم وقد شجيناه أي: في حلوقكم عظام والعظام بالجمع، وموضع "كذي صلا" نصب على الحال من فاعل وحد وقد سبق تفسيره.
904-
مَعَ العَظْمِ وَاضْمُمْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "حَقُّـ"ـهُ ... بِتَنْبُتُ وَالمَفْتُوحُ سِيناءِ "ذُ"لِّلا
يريد: "تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ" اضمم التاء واكسر الباء فيصير من أنبت وهو بمعنى نبت فيتحد معنى القراءتين؛ أي: تنبت ومعها الدهن، وقيل: المفعول محذوف؛ أي: ينبت زيتونها وبالدهن في موضع الحال من الشجرة على الوجه الأول؛ أي: ملتبسة بالدهن، وعلى الوجه الثاني يكون حالا إما من الشجرة أو من المفعول المحذوف وقيل: الياء زائدة والمعنى تنبت الدهن كقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} ، ومن قرأه من نبت فالباء للتعدية أو مع مجرورها للحال وقوله: "حقه"؛ أي: هو حقه: "تَنْبُتُ" متعلق باضمم أو باكسر أو بالضم، وقوله: والمفتوح "سيناء"؛ أي: وسيناء المفتوح فقدم الصفة ضرورة وأتى بما بعدها بيانا كـ: العائدات الطير ومعنى ذلك قرب وسهل أراد بفتح السين والباقون بكسرها وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب مفتوحا ومكسورا، وقالوا أيضا "سنين" والمانع له من الصرف مع العلمية العجمة وقيل: "طور سينا" مركب كحضرموت على لغة الإضافة.
[1]سورة الأحزاب، آية: 72.
[2]سورة البقرة، آية: 228.


صفحه 609

905-
وَضَمٌّ وَفَتْحٌ مَنْزِلًا غَيْرَ شُعْبَةٍ ... وَنَوَّنَ تَتْرًا "حَقُّـ"ـهُ وَاكْسِرِ الوِلا
التقدير: غير شعبة "ذو ضم وفتح" لفظ "منزلا" فمنزلا مفعول بأحد المصدرين قبله يريد: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا} فضم الميم وفتح الزاي يجعله مصدرا أو اسم مكان من أنزل، وقرأه شعبة بفتح الميم وكسر الزاي على أنه كذلك من نزل، ونظير القراءتين ما تقدم في "مدخلا"، و"تترى" مصدر من المواترة فمن نونه جعل وزنه فعلا كضربا ومن لم ينون جعله فعلى كدعوى من المصادر التي لحقتها ألف التأنيث المقصورة وقد سبق ما يتعلق بإمالتها في باب الإمالة، ثم قال "واكسر الولا"؛ أي: ذا الولا؛ يعني: الموالي لتترى؛ أي: الذي هو قريب منه بعده ثم بينه فقال:
906-
وَأَنَّ "ثَـ"ـوى وَالنُّونَ خَفِّفْ "كَـ"ـفَى وَتَهْـ ... ـجُرُونَ بِضَمٍّ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "أَ"جْمَلا
يريد: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} الكسر على الاستئناف، والفتح على تقدير: ولأن هذه على ما تقدم في الأنعام في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}[1].
وخفف ابن عامر النون في الموضعين كما قال سبحانه: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[2]، وقرأ نافع وحده: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} بضم التاء وكسر الجيم من أهجر في منطقه إذا أفحش فيه، وقرأ غيره بفتح التاء وضم الجيم من هجر إذا هذى، وقال أبو علي: تهجرون آياتي مما يتلى عليكم من كتابي فلا تنقادون له وتهجرون تأتون بالهجر وهو الهذيان وما لا خير فيه من الكلام، وفي الحديث في زيارة القبور ولا تقولوا هجرا، وقال أبو عبيد: القراءة الأولى أحب إلينا ليكون من الصدود والهجران كقوله: {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ}[3].
هذا يشبه الهجران ومن قرأها تهجرون أراد الإفحاش في المنطق، وقد فسرها بعضهم على الشرك، وقول الناظم: "أجملا" هو حال من فاعل اكسر أو مفعول أو نعت مصدر محذوف؛ أي: كسرا جميلا.
907-
وَفِي لامِ لِلهِ الأَخِيرَيْنِ حَذْفُها ... وَفِي الْهَاءِ رَفْعُ الْجَرِّ عَنْ وَلَدِ العَلا
في هذه السورة: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} في ثلاثة مواضع؛ الأول: لا خلاف فيه أنه لله بإثبات لام الجر، وهو جواب قوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} ، والخلاف في الثاني والثالث وهما جواب قوله: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ} ، {قُلْ مَنْ
[1]آية: 153.
[2]سورة يونس، آية: 10.
[3]سورة المؤمنون، آية: 66.


صفحه 610

بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، فقرأهما أبو عمرو بحذف حرف الجر، فارتفع الاسم الجليل على أنه خبر مبتدأ؛ أي: هو الله فهو جواب مطابق للفظ السؤال، وكذلك كتب في مصاحف البصرة، وقرأهما غيره كالأول بإثبات لام الجر، وكذلك كتب في مصاحفهم، وهو جواب من حيث المعنى؛ لأن قولك: من مالك هذه الدار؟ ولمن هذه الدار؟ معناهما واحد، قال أبو عبيدة: كان الكسائي يحكي عن العرب أنه يقال للرجل: من رب هذه الدار؟ فيقول: لفلان بمعنى هي لفلان، وقول الناظم الأخيرين هو مضاف إليه؛ أي: وفي لام هذا اللفظ الذي في الموضعين الأخيرين كما تقدم في قوله: "وأخرتني" الإسراء وحذفها مبتدأ فهو كقولك: في صدر سيد الرجلين علم والله أعلم.
908-
وَعَالِمُ خَفْضُ الرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "نَفَرٍ" وَفَتْـ ... ـحُ شِقْوَتُنَا وَامْدُدْ وَحَرِّكُهُ "شُـ"ـلْشُلا
يريد: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ} فبالخفض هو نعت لاسم الله تعالى، وبالرفع على تقدير هو عالم، والشقاوة على لفظ السعادة والشقوة كالردة والفطنة لغتان؛ أي: افتح الشين وحرك القاف بالفتح ومدها وقدم ذكر المد على التحريك؛ لضرورة الوزن ولتعين القاف لذلك فليس في حرف شقوتنا ما يقبل التحريك غير القاف؛ لأنها ساكنة والبواقي متحرك، وقوله: "عن نفر"؛ أي: منقول عن نفر وفتح شقوتنا كذلك من حيث المعنى؛ أي: عن جماعة قرءوا به والله أعلم.
909-
وَكَسْرُكَ سُخْرِيًّا بِها وَبِصَادِها ... عَلَى ضَمِّهِ "أَ"عْطَى "شِـ"ـفَاءً وَأَكْمَلا
يريد: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} ، وفي ص: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا} من سخرت إذا ضحكت منه، وقيل: الكسر في سين ذلك وضمها لغتان، وقيل: الضم من السخرة والعبودية والكسر من الهزؤ واللعب، وأجمعوا على ضم الذي في الزخرف: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}[1]؛ لأن المراد المعنى الأول؛ لينتظم قوام العالم والهاء في قوله: وبصادها تعود على سور القرآن؛ للعلم بذلك كما أنه إذا قال: حفصهم يعلم أنه أراد حفص القراء والهاء في على ضمه للكسر، وقوله: بها معمول وكسرك وعلى ضمه خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون بها خبر قوله: وكسرك؛ أي: اختص ذلك بهذه السورة: وبسورة ص ثم استأنف فقال: على ضمه أعطى سخريا شفاء، وفاعل أعطى ضمير عائد على سخريا لا على كسرك ولو عاد على كسرك لكان هو خبر المبتدأ ولزم أن يكون الرمز للكسر وليس للرمز إلا للضم، وأشار بقوله: وأكملا إلى إكمال الضم في مواضع سخريا الثلاثة والله أعلم، قال أبو عبيد: وكذلك هي عندنا؛ لأنهن إنما يرجعن إلى معنى واحد، وهما لغتان: "سخرى وسخرى"، وقد رأيناهم أجمعوا على ضم التي في الزخرف فكذلك الأخريان:
[1]الآية: 32.


صفحه 611

910-
وَفِي أَنَّهُمْ كَسْرٌ "شَـ"ـرِيفٌ وَتُرْجَعُو ... نَ في الضَّمِّ فَتْحٌ وَاكْسِرِ الْجيمَ وَاكْمُلا
يريد: {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} الكسر على الاستئناف والفتح على تقدير؛ لأنهم أو بأنهم أو هو مفعول جزيتهم؛ أي: جزيتهم الفوز، فحمزة والكسائي قرءا بالكسر وهما قرءا: "وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تَرْجِعُونَ" بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم، ووجه القراءتين ظاهر: وقد سبق له نظائر، ويأتي الخلاف في حرف القصص في موضعه وحمزة والكسائي قرءا ذلك الموضع أيضا كهذا على إسناد الفعل إلى الفاعل، ولعله أشار بقوله: واكملا إلى هذا؛ أي: كملت قراءتهما في الموضعين فلم تختلف؛ أي: وأكمل أيها المخاطب في قراءتك لهما لما كان الكمال في قراءته جعله فيه مجازا وأراد وأكملن فأبدل من النون ألفا:
911-
وَفي قَالَ كَمْ قُلْ دُونَ "شَـ"ـكٍّ وَبَعْدَهُ ... "شَـ"ـفَا وَبِها يَاءٌ لَعَلِّيَ عُلِّلا
يريد: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} قرأها ابن كثير وحمزة والكسائي: "قل" على الأمر والذي بعد هذا قال: {إِنْ لَبِثْتُمْ} لم يقرأه على الأمر إلا حمزة والكسائي فجريا على الأمر في الموضعين، وهو أمر لمن عينه الله سبحانه للسؤال، وقرأ الباقون بالخبر في الموضعين؛ أي: قال الله، أو الملك، وقرأ ابن كثير الأولى بالأمر والثانية بالخبر فكأنه مردود على المأمور أولا؛ أي: قل ذلك المأمور قال أبو علي: وزعموا أن في مصحف الكوفة قل في الوضعين، قال أبو عبيد: والقراءة عندنا على الخبر كلاهما؛ لأن عليها مصاحف أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الشام، ولا أعلم مصاحف مكة أيضا إلا عليها وإنما انفردت مصاحف أهل الكوفة بالأخرى، قال أبو عمرو الداني: وينبغي أن يكون الحرف الأول بغير ألف في مصاحف أهل مكة، والثاني بالألف؛ لأن قراءتهم كذلك ولا خبر عندنا في ذلك عن مصاحفهم إلا ما رويناه عن أبي عبيد، ثم قال: وبها ياء؛ أي: ياء إضافة واحدة ثم بينها بقوله: لعلى أراد: "لعليَ أعمل صالحا" فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن عامر، وقوله: "عللا"؛ أي: علل قائل هذا الكلام نفسه عند الموت بذلك، فقال: علله بالشيء؛ أي: ألهاه به والله أعلم.


صفحه 612

سورة النور:
912-
وَ"حَقٌّ" وَفَرَّضْنا ثَقِيلًا وَرَأْفَةٌ ... يُحَرِّكُهُ الْمَكي وَأَرْبَعُ أَوَّلا
يريد: "وَفَرَّضْنَاهَا"؛ أي: فرضنا أحكامها وفي التثقيل: إشعار بكثرة ما فيها من الأحكام المختصة بها لا توجد في غيرها من السور كالزنا والقذف واللعان والاستئذان وغض الطرف والكتابة وغير ذلك، فسَّرها أبو عمرو: فصّلنا، ومعناها بالتخفيف: أوجبنا حدودها جعلناها فرضا، وقول الناظم: "وحق" هو خبر مقدم، وثقيلا حال من المنوي فيه؛ أي: وفرضنا حق ثقيلا، أما: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} بإسكان الهمزة ففتحها ابن كثير وكلاهما لغة، ولا خلاف في إسكان التي في الحديد، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} قال ابن مجاهد: قال لي قنبل: كان ابن أبي بزة قد أوهم وقرأهما جميعا بالتحريك، فلما أخبرته إنما هي هذه وحدها رجع، قلت: وهذا مما جمع فيه بين اللغتين واختير الإسكان في التي في الحديد؛ لتجانس لفظ رحمة التي بعدها، ونظير هاتين القراءتين: "دأبا"، و"دآبا" والمعز وظعنكم من باب الإسكان لأجل حرف الحلق مثل شعرة وشعرة، ثم قال: "وأربع أولا"؛ أي: الواقع أولا يريد، فشهادة أحدهم أربع شهادات اختلف في رفعه ونصبه، وخبر قوله: وأربع في أول البيت الآتي وهو صحاب؛ أي: وأربع بالرفع قراءة صحاب، ودلنا على الرفع إطلاقه، ووجه الرفع أنه خبر: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} ، ونصبه على المصدر كما تقول: شهدت أربع شهادات والخبر محذوف؛ أي: فواجب شهادة أحدهم أو المحذوف المبتدأ وهو: فالواجب شهادة أحدهم نحو: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، والجملة خبر "والذين" ولا خلاف في نصب الثاني وهو أن تشهد أربع شهادات؛ لأنه مصدر لا غير للتصريح بالفعل قبله وهو قوله: أن تشهد.
913-
صِحَابٌ وَغَيْرُ الْحَفْصِ خَامِسَةُ الأَخِيـ ... ـرُ أَنْ غَضِبَ التَّخْفِيفُ وَالكَسْرُ أُدْخِلا
أي: وكل القراء غير حفص رفعوا: "والخامسةُ أن غضب الله" وهو الأخير ولا خلاف في رفع الأول: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ} فالرفع فيها على الابتداء وما بعده خبره؛ أي: والشهادة الخامسة هي لفظ كذا: ونصب الثاني على وتشهد الخامسة؛ لأن قبله: {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} ، ثم أبدل: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ} منه، قال أبو علي: ويجوز في القياس النصب في الخامسة الأولى رفع أربع شهادات أو نصب، وقول الناظم الأخير هو نعت خامسة ولا نظر إلى التأنيث فيها؛ لأن المراد هذا اللفظ الأخير، وأسقط الألف واللام من الخامسة ضرورة وزن النظم، وأدخلها في حفص كذلك أيضا فكأنه عوض ما حذف وهما زائدتان في الحفص كقول الشاعر:
والزيد زيد المعارك
وقد وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ أبو القاسم: حفص هو ابن عمر بن سعد القرظ، ولغرابة هذه العبارة بَهِمَ كثير فيها، ويسبق لسان القارئ لها إلى لفظ الخفض بالخاء والضاد المعجمتين الذي هو أخو الكسر


صفحه 613

لشهرة هذه اللفظة وكثرة دورها في القصيدة، كقوله: "وَالْأَرْحَامِ" بالخفض جملا، والنون بالخفض شكلا. فإن قيل: لو أنه قال: صحاب وحفص نصب خامسة الأخير لحصل الغرض ولم يبق لفظ موهم.
قلت: لكن تخيل عليه قراءة الباقين؛ فإنها بالرفع وليس ضد النصب إلا الخفض فاقتحم حزونة هذه العبارة؛ لكونها وافية بغرضه والألف في قوله: أدخلا ضمير تثنية يرجع إلى التخفيف والكسر؛ أي: أدخلا في لفظ أن غضب فالتخفيف في أن والكسر في ضاد غضب؛ أي: قرأ نافع وحده ذلك، فيكون أن مخففة من الثقيلة، وغضب فعل ماض فاعله اسم الله فيجب رفعه فهو معنى قوله: في البيت الآتي، ويرفع بعد الجر؛ أي: بعد أن غضب يجعل الرفع موضع الجر في الكلمة المتصلة به، وقراءة الجماعة واضحة يكون الغضب اسما مضافا إلى الله تعالى، وهو اسم "أن" المشددة مثل: {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ} والنحويون يقولون: إن ضمير الشأن مقدر؛ أي: أنه لعنة الله وأن غضب الله ولو أن قراءة نافع بفتح ضاد "غضب"، كقراءة الجماعة فكانت على وزن "لعنة الله"، فيكون قد خفف أن فيها فقط لكانت أوجه عندهم؛ لأنهم يستقبحون أن يلي الفعل أن المخففة حتى يفصل بينهما بأحد الحروف الأربعة بحرف النفي إن كان الكلام نفيا نحو: {لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} ، وإن كان إيجابا فبحرف قد في الماضي وبالسين أو سوف في المضارع نحو: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} ، وكان القياس عندهم أن يقال أن قد غضب الله، قال أبو علي: فإن قيل: فقد جاء: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ، {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ} فليس يجري مجرى "ما" ونحوها مما ليس بفعل، وقوله: بورك على الدعاء قلت فكذا هنا يحمل "غضب الله" على الدعاء فلا يحتاج إلى حرف قد.
914-
وَيَرْفَعُ بَعْدَ الْجَرِّ يَشْهَدُ "شَـ"ـائِعٌ ... وَغَيْرُ أُولِي بِالنَّصْبِ "صَـ"ـاحِبُهُ "كَـ"ـلا
قد سبق شرح قوله: ويرفع بعد الجر فالجر منصوب؛ لأنه مفعول يرفع وليس مضافا إلى بعد؛ لأن بعد مبني على الضم بحذف ما أضيف إليه؛ أي: بعد قوله: "أن غضب"، أما: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} ، فيقرأ يشهد بالتذكير حمزة والكسائي، والباقون بالتأنيث،؛ لأن تأنيث الألسنة غير حقيقي، فجاز فيه الوجهان، قال أبو علي: كلاهما حسن، وقد مر نحوه، أما: "غَيْرَ أُولِي الإِرْبَةِ" فنصبه على الحال أو على الاستثناء، وخفضه على أنه صفة للتابعين؛ أي: الذين لا إربة لهم في النساء والإربة الحاجة، ومعنى صاحبه كلا؛ أي: حفظ ذلك ونقله أو حرسه.
915-
وَدُرِّيٌّ اكْسِرْ ضَمَّهُ "حُـ"ـجَّةً "رِ"ضى ... وَفِي مَدِّهِ وَالْهَمْزِ "صُحْبَتُـ"ـهُ "حَـ"ـلا
أي: ضم الدال وحجة حال من فاعل اكسر أو مفعوله؛ أي: اقرأه ذا حجة مرضية، وأخبر عن صحبته بلفظ: حلا كما سبق في صحبة كلا والهمز مجرور عطفا على: وفي مده ولو رفع لكان له وجه حسن،؛ أي: وجلا درى في مده والهمز مصاحب له ولا يمنع كون صحبته رمزا من تقدير هذا المعنى كما لم يمنع في قوله: كما حقه ضماه؛ أي: حق أن يضم صاد "الصدفين" وداله على ما سبق شرحه، فحصل من مجموع ما في البيت أن أبا عمرو والكسائي قرءا درى على وزن شريب وسكيت بكسر الدال والمد والهمز وحمزة وأبا بكر بضم الدال والمد، والهمز على وزن مريق، قال الجرمي: زعم أبو الخطاب أنهم يقولون مريق للعصفر وقرأ الباقون وهم