بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 608

سورة المؤمنون:
903-
أَمَانَاتِهِمْ وَحِّدْ وَفِي سَالَ "دَ"ارِيًا ... صَلاتِهِمُ "شَـ"ـافٍ وَعَظْمًا "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
يريد: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} هنا وفي سورة سأل، وحَّدهما ابن كثير وحده. "وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" وحده هنا حمزة والكسائي، ولا خلاف في إفراد الذي في سورة سأل ولا في الأول هنا وهو قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ، وعلم أن موضع الخلاف هو الثاني؛ لذكره إياه بعد أماناتهم، فالتوحيد يدل على الجنس والجمع لاختلاف الأنواع، وقد اتفق على الجمع في: {أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ} وعلى الأفراد في: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}[1]، وعلى جمع: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}[2]، وعلى الإفراد في: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} . قوله: وعظْما؛ أي: ووحد عظْما؛ يعني: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} ، وقد ذكره في البيت الآتي في قوله: مع العظم، وحدهما ابن عامر وأبو بكر، كما قال الراجز: في خلقكم عظم وقد شجيناه أي: في حلوقكم عظام والعظام بالجمع، وموضع "كذي صلا" نصب على الحال من فاعل وحد وقد سبق تفسيره.
904-
مَعَ العَظْمِ وَاضْمُمْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "حَقُّـ"ـهُ ... بِتَنْبُتُ وَالمَفْتُوحُ سِيناءِ "ذُ"لِّلا
يريد: "تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ" اضمم التاء واكسر الباء فيصير من أنبت وهو بمعنى نبت فيتحد معنى القراءتين؛ أي: تنبت ومعها الدهن، وقيل: المفعول محذوف؛ أي: ينبت زيتونها وبالدهن في موضع الحال من الشجرة على الوجه الأول؛ أي: ملتبسة بالدهن، وعلى الوجه الثاني يكون حالا إما من الشجرة أو من المفعول المحذوف وقيل: الياء زائدة والمعنى تنبت الدهن كقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} ، ومن قرأه من نبت فالباء للتعدية أو مع مجرورها للحال وقوله: "حقه"؛ أي: هو حقه: "تَنْبُتُ" متعلق باضمم أو باكسر أو بالضم، وقوله: والمفتوح "سيناء"؛ أي: وسيناء المفتوح فقدم الصفة ضرورة وأتى بما بعدها بيانا كـ: العائدات الطير ومعنى ذلك قرب وسهل أراد بفتح السين والباقون بكسرها وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب مفتوحا ومكسورا، وقالوا أيضا "سنين" والمانع له من الصرف مع العلمية العجمة وقيل: "طور سينا" مركب كحضرموت على لغة الإضافة.
[1]سورة الأحزاب، آية: 72.
[2]سورة البقرة، آية: 228.


صفحه 609

905-
وَضَمٌّ وَفَتْحٌ مَنْزِلًا غَيْرَ شُعْبَةٍ ... وَنَوَّنَ تَتْرًا "حَقُّـ"ـهُ وَاكْسِرِ الوِلا
التقدير: غير شعبة "ذو ضم وفتح" لفظ "منزلا" فمنزلا مفعول بأحد المصدرين قبله يريد: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا} فضم الميم وفتح الزاي يجعله مصدرا أو اسم مكان من أنزل، وقرأه شعبة بفتح الميم وكسر الزاي على أنه كذلك من نزل، ونظير القراءتين ما تقدم في "مدخلا"، و"تترى" مصدر من المواترة فمن نونه جعل وزنه فعلا كضربا ومن لم ينون جعله فعلى كدعوى من المصادر التي لحقتها ألف التأنيث المقصورة وقد سبق ما يتعلق بإمالتها في باب الإمالة، ثم قال "واكسر الولا"؛ أي: ذا الولا؛ يعني: الموالي لتترى؛ أي: الذي هو قريب منه بعده ثم بينه فقال:
906-
وَأَنَّ "ثَـ"ـوى وَالنُّونَ خَفِّفْ "كَـ"ـفَى وَتَهْـ ... ـجُرُونَ بِضَمٍّ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "أَ"جْمَلا
يريد: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} الكسر على الاستئناف، والفتح على تقدير: ولأن هذه على ما تقدم في الأنعام في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}[1].
وخفف ابن عامر النون في الموضعين كما قال سبحانه: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[2]، وقرأ نافع وحده: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} بضم التاء وكسر الجيم من أهجر في منطقه إذا أفحش فيه، وقرأ غيره بفتح التاء وضم الجيم من هجر إذا هذى، وقال أبو علي: تهجرون آياتي مما يتلى عليكم من كتابي فلا تنقادون له وتهجرون تأتون بالهجر وهو الهذيان وما لا خير فيه من الكلام، وفي الحديث في زيارة القبور ولا تقولوا هجرا، وقال أبو عبيد: القراءة الأولى أحب إلينا ليكون من الصدود والهجران كقوله: {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ}[3].
هذا يشبه الهجران ومن قرأها تهجرون أراد الإفحاش في المنطق، وقد فسرها بعضهم على الشرك، وقول الناظم: "أجملا" هو حال من فاعل اكسر أو مفعول أو نعت مصدر محذوف؛ أي: كسرا جميلا.
907-
وَفِي لامِ لِلهِ الأَخِيرَيْنِ حَذْفُها ... وَفِي الْهَاءِ رَفْعُ الْجَرِّ عَنْ وَلَدِ العَلا
في هذه السورة: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} في ثلاثة مواضع؛ الأول: لا خلاف فيه أنه لله بإثبات لام الجر، وهو جواب قوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} ، والخلاف في الثاني والثالث وهما جواب قوله: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ} ، {قُلْ مَنْ
[1]آية: 153.
[2]سورة يونس، آية: 10.
[3]سورة المؤمنون، آية: 66.


صفحه 610

بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، فقرأهما أبو عمرو بحذف حرف الجر، فارتفع الاسم الجليل على أنه خبر مبتدأ؛ أي: هو الله فهو جواب مطابق للفظ السؤال، وكذلك كتب في مصاحف البصرة، وقرأهما غيره كالأول بإثبات لام الجر، وكذلك كتب في مصاحفهم، وهو جواب من حيث المعنى؛ لأن قولك: من مالك هذه الدار؟ ولمن هذه الدار؟ معناهما واحد، قال أبو عبيدة: كان الكسائي يحكي عن العرب أنه يقال للرجل: من رب هذه الدار؟ فيقول: لفلان بمعنى هي لفلان، وقول الناظم الأخيرين هو مضاف إليه؛ أي: وفي لام هذا اللفظ الذي في الموضعين الأخيرين كما تقدم في قوله: "وأخرتني" الإسراء وحذفها مبتدأ فهو كقولك: في صدر سيد الرجلين علم والله أعلم.
908-
وَعَالِمُ خَفْضُ الرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "نَفَرٍ" وَفَتْـ ... ـحُ شِقْوَتُنَا وَامْدُدْ وَحَرِّكُهُ "شُـ"ـلْشُلا
يريد: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ} فبالخفض هو نعت لاسم الله تعالى، وبالرفع على تقدير هو عالم، والشقاوة على لفظ السعادة والشقوة كالردة والفطنة لغتان؛ أي: افتح الشين وحرك القاف بالفتح ومدها وقدم ذكر المد على التحريك؛ لضرورة الوزن ولتعين القاف لذلك فليس في حرف شقوتنا ما يقبل التحريك غير القاف؛ لأنها ساكنة والبواقي متحرك، وقوله: "عن نفر"؛ أي: منقول عن نفر وفتح شقوتنا كذلك من حيث المعنى؛ أي: عن جماعة قرءوا به والله أعلم.
909-
وَكَسْرُكَ سُخْرِيًّا بِها وَبِصَادِها ... عَلَى ضَمِّهِ "أَ"عْطَى "شِـ"ـفَاءً وَأَكْمَلا
يريد: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} ، وفي ص: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا} من سخرت إذا ضحكت منه، وقيل: الكسر في سين ذلك وضمها لغتان، وقيل: الضم من السخرة والعبودية والكسر من الهزؤ واللعب، وأجمعوا على ضم الذي في الزخرف: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}[1]؛ لأن المراد المعنى الأول؛ لينتظم قوام العالم والهاء في قوله: وبصادها تعود على سور القرآن؛ للعلم بذلك كما أنه إذا قال: حفصهم يعلم أنه أراد حفص القراء والهاء في على ضمه للكسر، وقوله: بها معمول وكسرك وعلى ضمه خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون بها خبر قوله: وكسرك؛ أي: اختص ذلك بهذه السورة: وبسورة ص ثم استأنف فقال: على ضمه أعطى سخريا شفاء، وفاعل أعطى ضمير عائد على سخريا لا على كسرك ولو عاد على كسرك لكان هو خبر المبتدأ ولزم أن يكون الرمز للكسر وليس للرمز إلا للضم، وأشار بقوله: وأكملا إلى إكمال الضم في مواضع سخريا الثلاثة والله أعلم، قال أبو عبيد: وكذلك هي عندنا؛ لأنهن إنما يرجعن إلى معنى واحد، وهما لغتان: "سخرى وسخرى"، وقد رأيناهم أجمعوا على ضم التي في الزخرف فكذلك الأخريان:
[1]الآية: 32.


صفحه 611

910-
وَفِي أَنَّهُمْ كَسْرٌ "شَـ"ـرِيفٌ وَتُرْجَعُو ... نَ في الضَّمِّ فَتْحٌ وَاكْسِرِ الْجيمَ وَاكْمُلا
يريد: {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} الكسر على الاستئناف والفتح على تقدير؛ لأنهم أو بأنهم أو هو مفعول جزيتهم؛ أي: جزيتهم الفوز، فحمزة والكسائي قرءا بالكسر وهما قرءا: "وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تَرْجِعُونَ" بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الجيم، ووجه القراءتين ظاهر: وقد سبق له نظائر، ويأتي الخلاف في حرف القصص في موضعه وحمزة والكسائي قرءا ذلك الموضع أيضا كهذا على إسناد الفعل إلى الفاعل، ولعله أشار بقوله: واكملا إلى هذا؛ أي: كملت قراءتهما في الموضعين فلم تختلف؛ أي: وأكمل أيها المخاطب في قراءتك لهما لما كان الكمال في قراءته جعله فيه مجازا وأراد وأكملن فأبدل من النون ألفا:
911-
وَفي قَالَ كَمْ قُلْ دُونَ "شَـ"ـكٍّ وَبَعْدَهُ ... "شَـ"ـفَا وَبِها يَاءٌ لَعَلِّيَ عُلِّلا
يريد: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} قرأها ابن كثير وحمزة والكسائي: "قل" على الأمر والذي بعد هذا قال: {إِنْ لَبِثْتُمْ} لم يقرأه على الأمر إلا حمزة والكسائي فجريا على الأمر في الموضعين، وهو أمر لمن عينه الله سبحانه للسؤال، وقرأ الباقون بالخبر في الموضعين؛ أي: قال الله، أو الملك، وقرأ ابن كثير الأولى بالأمر والثانية بالخبر فكأنه مردود على المأمور أولا؛ أي: قل ذلك المأمور قال أبو علي: وزعموا أن في مصحف الكوفة قل في الوضعين، قال أبو عبيد: والقراءة عندنا على الخبر كلاهما؛ لأن عليها مصاحف أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الشام، ولا أعلم مصاحف مكة أيضا إلا عليها وإنما انفردت مصاحف أهل الكوفة بالأخرى، قال أبو عمرو الداني: وينبغي أن يكون الحرف الأول بغير ألف في مصاحف أهل مكة، والثاني بالألف؛ لأن قراءتهم كذلك ولا خبر عندنا في ذلك عن مصاحفهم إلا ما رويناه عن أبي عبيد، ثم قال: وبها ياء؛ أي: ياء إضافة واحدة ثم بينها بقوله: لعلى أراد: "لعليَ أعمل صالحا" فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن عامر، وقوله: "عللا"؛ أي: علل قائل هذا الكلام نفسه عند الموت بذلك، فقال: علله بالشيء؛ أي: ألهاه به والله أعلم.


صفحه 612

سورة النور:
912-
وَ"حَقٌّ" وَفَرَّضْنا ثَقِيلًا وَرَأْفَةٌ ... يُحَرِّكُهُ الْمَكي وَأَرْبَعُ أَوَّلا
يريد: "وَفَرَّضْنَاهَا"؛ أي: فرضنا أحكامها وفي التثقيل: إشعار بكثرة ما فيها من الأحكام المختصة بها لا توجد في غيرها من السور كالزنا والقذف واللعان والاستئذان وغض الطرف والكتابة وغير ذلك، فسَّرها أبو عمرو: فصّلنا، ومعناها بالتخفيف: أوجبنا حدودها جعلناها فرضا، وقول الناظم: "وحق" هو خبر مقدم، وثقيلا حال من المنوي فيه؛ أي: وفرضنا حق ثقيلا، أما: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} بإسكان الهمزة ففتحها ابن كثير وكلاهما لغة، ولا خلاف في إسكان التي في الحديد، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} قال ابن مجاهد: قال لي قنبل: كان ابن أبي بزة قد أوهم وقرأهما جميعا بالتحريك، فلما أخبرته إنما هي هذه وحدها رجع، قلت: وهذا مما جمع فيه بين اللغتين واختير الإسكان في التي في الحديد؛ لتجانس لفظ رحمة التي بعدها، ونظير هاتين القراءتين: "دأبا"، و"دآبا" والمعز وظعنكم من باب الإسكان لأجل حرف الحلق مثل شعرة وشعرة، ثم قال: "وأربع أولا"؛ أي: الواقع أولا يريد، فشهادة أحدهم أربع شهادات اختلف في رفعه ونصبه، وخبر قوله: وأربع في أول البيت الآتي وهو صحاب؛ أي: وأربع بالرفع قراءة صحاب، ودلنا على الرفع إطلاقه، ووجه الرفع أنه خبر: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} ، ونصبه على المصدر كما تقول: شهدت أربع شهادات والخبر محذوف؛ أي: فواجب شهادة أحدهم أو المحذوف المبتدأ وهو: فالواجب شهادة أحدهم نحو: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، والجملة خبر "والذين" ولا خلاف في نصب الثاني وهو أن تشهد أربع شهادات؛ لأنه مصدر لا غير للتصريح بالفعل قبله وهو قوله: أن تشهد.
913-
صِحَابٌ وَغَيْرُ الْحَفْصِ خَامِسَةُ الأَخِيـ ... ـرُ أَنْ غَضِبَ التَّخْفِيفُ وَالكَسْرُ أُدْخِلا
أي: وكل القراء غير حفص رفعوا: "والخامسةُ أن غضب الله" وهو الأخير ولا خلاف في رفع الأول: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ} فالرفع فيها على الابتداء وما بعده خبره؛ أي: والشهادة الخامسة هي لفظ كذا: ونصب الثاني على وتشهد الخامسة؛ لأن قبله: {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} ، ثم أبدل: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ} منه، قال أبو علي: ويجوز في القياس النصب في الخامسة الأولى رفع أربع شهادات أو نصب، وقول الناظم الأخير هو نعت خامسة ولا نظر إلى التأنيث فيها؛ لأن المراد هذا اللفظ الأخير، وأسقط الألف واللام من الخامسة ضرورة وزن النظم، وأدخلها في حفص كذلك أيضا فكأنه عوض ما حذف وهما زائدتان في الحفص كقول الشاعر:
والزيد زيد المعارك
وقد وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ أبو القاسم: حفص هو ابن عمر بن سعد القرظ، ولغرابة هذه العبارة بَهِمَ كثير فيها، ويسبق لسان القارئ لها إلى لفظ الخفض بالخاء والضاد المعجمتين الذي هو أخو الكسر


صفحه 613

لشهرة هذه اللفظة وكثرة دورها في القصيدة، كقوله: "وَالْأَرْحَامِ" بالخفض جملا، والنون بالخفض شكلا. فإن قيل: لو أنه قال: صحاب وحفص نصب خامسة الأخير لحصل الغرض ولم يبق لفظ موهم.
قلت: لكن تخيل عليه قراءة الباقين؛ فإنها بالرفع وليس ضد النصب إلا الخفض فاقتحم حزونة هذه العبارة؛ لكونها وافية بغرضه والألف في قوله: أدخلا ضمير تثنية يرجع إلى التخفيف والكسر؛ أي: أدخلا في لفظ أن غضب فالتخفيف في أن والكسر في ضاد غضب؛ أي: قرأ نافع وحده ذلك، فيكون أن مخففة من الثقيلة، وغضب فعل ماض فاعله اسم الله فيجب رفعه فهو معنى قوله: في البيت الآتي، ويرفع بعد الجر؛ أي: بعد أن غضب يجعل الرفع موضع الجر في الكلمة المتصلة به، وقراءة الجماعة واضحة يكون الغضب اسما مضافا إلى الله تعالى، وهو اسم "أن" المشددة مثل: {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ} والنحويون يقولون: إن ضمير الشأن مقدر؛ أي: أنه لعنة الله وأن غضب الله ولو أن قراءة نافع بفتح ضاد "غضب"، كقراءة الجماعة فكانت على وزن "لعنة الله"، فيكون قد خفف أن فيها فقط لكانت أوجه عندهم؛ لأنهم يستقبحون أن يلي الفعل أن المخففة حتى يفصل بينهما بأحد الحروف الأربعة بحرف النفي إن كان الكلام نفيا نحو: {لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} ، وإن كان إيجابا فبحرف قد في الماضي وبالسين أو سوف في المضارع نحو: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} ، وكان القياس عندهم أن يقال أن قد غضب الله، قال أبو علي: فإن قيل: فقد جاء: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ، {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ} فليس يجري مجرى "ما" ونحوها مما ليس بفعل، وقوله: بورك على الدعاء قلت فكذا هنا يحمل "غضب الله" على الدعاء فلا يحتاج إلى حرف قد.
914-
وَيَرْفَعُ بَعْدَ الْجَرِّ يَشْهَدُ "شَـ"ـائِعٌ ... وَغَيْرُ أُولِي بِالنَّصْبِ "صَـ"ـاحِبُهُ "كَـ"ـلا
قد سبق شرح قوله: ويرفع بعد الجر فالجر منصوب؛ لأنه مفعول يرفع وليس مضافا إلى بعد؛ لأن بعد مبني على الضم بحذف ما أضيف إليه؛ أي: بعد قوله: "أن غضب"، أما: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} ، فيقرأ يشهد بالتذكير حمزة والكسائي، والباقون بالتأنيث،؛ لأن تأنيث الألسنة غير حقيقي، فجاز فيه الوجهان، قال أبو علي: كلاهما حسن، وقد مر نحوه، أما: "غَيْرَ أُولِي الإِرْبَةِ" فنصبه على الحال أو على الاستثناء، وخفضه على أنه صفة للتابعين؛ أي: الذين لا إربة لهم في النساء والإربة الحاجة، ومعنى صاحبه كلا؛ أي: حفظ ذلك ونقله أو حرسه.
915-
وَدُرِّيٌّ اكْسِرْ ضَمَّهُ "حُـ"ـجَّةً "رِ"ضى ... وَفِي مَدِّهِ وَالْهَمْزِ "صُحْبَتُـ"ـهُ "حَـ"ـلا
أي: ضم الدال وحجة حال من فاعل اكسر أو مفعوله؛ أي: اقرأه ذا حجة مرضية، وأخبر عن صحبته بلفظ: حلا كما سبق في صحبة كلا والهمز مجرور عطفا على: وفي مده ولو رفع لكان له وجه حسن،؛ أي: وجلا درى في مده والهمز مصاحب له ولا يمنع كون صحبته رمزا من تقدير هذا المعنى كما لم يمنع في قوله: كما حقه ضماه؛ أي: حق أن يضم صاد "الصدفين" وداله على ما سبق شرحه، فحصل من مجموع ما في البيت أن أبا عمرو والكسائي قرءا درى على وزن شريب وسكيت بكسر الدال والمد والهمز وحمزة وأبا بكر بضم الدال والمد، والهمز على وزن مريق، قال الجرمي: زعم أبو الخطاب أنهم يقولون مريق للعصفر وقرأ الباقون وهم


صفحه 614

حفص وابن عامر والحرميان بضم الدال وتشديد الياء فلا مد ولا همز، وهذه أجود القراءات عندهم جعلوها نسبة إلى الدر في الصفا والإضاءة، وإنما نسب الكوكب مع عظم ضوئه إلى الدر باعتبار أن فضل ضوء ذلك الكوكب على غيره من الكواكب كفضل الدر على غيره من الحب، قال أبو عبيد: القراءة التي نختارها "دري وهو في التفسير المنسوب إلى الدر في إضاءته وحسنه، وفي الحديث المرفوع: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما تراءون الكوكب الدري في أفق السماء" هكذا نقلته العلماء إلينا بهذا اللفظ، قال أبو علي: ويجوز أن يكون فعيلا من الدرء فخفف الهمز فانقلبت ياء كما تنقلب من النسي والنبي إذا خففت ياء، قلت؛ يعني: أنها تكون مخففة من القراءة الأخرى المنسوبة إلى حمزة وأبي بكر، قال أبو علي: هو فعيل من الدرء الذي هو الدفع، قال ومما يمكن أن يكون من هذا البناء قولهم: العلية ألا تراه من علا، فهو فعيل وقال الزجاج: النحويون أجمعون لا يعرفون الوجه فيه؛ لأنه ليس في الكلام شيء على فعيل، قال أبو علي: هذا غلط، قال سيبويه: ويكون على فعيل وهو قليل في الكلام المرتق، حدثنا أبو الخطاب عن العرب، وقالوا: "كوكب دري" وهو صفة هكذا قرأنه على أبي بكر بالهمز في درئ، قال أبو عبيد: كان بعض أهل العربية يراه لحنا لا يجوز والأصل فيها عندنا فعول، مثل شيوخ، ثم تستثقل الضمات المجتمعة فيه لو قال: دروء، فترد بعض تلك الضمات إلى الكسرة فيقال: درى، قال وقد وجدنا العرب تفعل هذا في فقول وهو أخف من الأول، وذلك كقولهم "عتوا وعتيا"، وكلتا اللغتين في التنزيل، أما قراءة أبي عمرو والكسائي بكسر الدال والهمزة، فقال الزجاج: الكسر جيد بالهمز يكون على وزن فعيل ويكون من النجوم الدراري التي تدرأ؛ أي: تنحط وتسير متدافعة، يقال درأ الكوكب يدرأ إذا تدافع منقضا فتضاعف ضوءه يقال: تدارأ الرجلان إذا تدافعا، قال الفراء: الدري من الكواكب الناصعة وهو من درأ الكوكب إذا انحط كأنه رجم به الشيطان، قالوا: والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماؤها الدراري، قال ومن العرب من يقول كوكب دري ينسبه إلى الدر فيكسر أوله ولا يهمز كما يقال: "سُخري وسِخري"، "وبحر لُجي ولِجي" قال النحاس: ومن قرأ دري بالفتح وتشديد الياء أبدل من الضمة فتحة؛ لأن النسب باب تغيير.
قلت: وهي قراءة شاذة حكيت عن قتادة وغيره، قال: وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي؛ لأنه تأولها من درأت؛ أي: وقعت؛ أي: كوكب يجري من الأفق، وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب، قال: وروي عن محمد بن يزيد أن المعنى كوكب يندفع بالنور كما يقال اندرأ الحريق،؛ أي: اندفع، وحكى سعيد بن مسعدة درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوؤه وعلا قيل: هو من قولهم درأ علينا فلان إذا طلع مفاجأة وكذلك طلوع الكوكب حكاه الجوهري، وقال: قال أبو عمرو بن العلاء: سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرف وكان من أفصح الناس: ما تسمون الكوكب الضخم فقال الدري، وحكى أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس قال: أخبرني أبو عثمان عن الأصمعي عن أبي عمرو قال: قد خرجت من الخندق لم أسمع أعرابيا يقول إلا كأنه كوكب دري بكسر الدال، قال الأصمعي: فقلت: أفيهمزون؟، قال إذا كسروا فبحسبك، قال: أمحذوة من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت، وهذا فعيل منه؟ قال أبو علي: يعني: أنهم إذا كسروا أوله دل الكسر على إرادتهم الهمز وتخفيفهم، قال صاحب المحكم: درأه دفعه ودرأ عليهم خرج فجأة وادرأ الحريق انتشر وكوكب


صفحه 615

دري مندفع في مضيه من المشرق إلى ذلك والجمع درائي على وزن دراعيع، قلت وكونه من درأ إذا دفع أحسن؛ لأنه يدفع الظلام بنوره والله أعلم.
916-
يُسَبِّحُ فَتْحُ البَا "كَـ"ـذَا "صِـ"ـفْ وَيوقَدُ الْـ ... ـمُؤَنَّثُ "صِـ"ـفْ "شَـ"ـرْعًا وَ"حَقٌّ" تَفَعَّلا
يعني: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} بفتح الباء على ما لم يسم فاعله وكسرها على تسمية الفاعل وهو رجال، وعلى قراءة الفتح يكون رجال فاعل فعل مضمر؛ أي: يسبحه رجال أو مبتدأ خبره مقدم عليه وهو في بيوت، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي توقد بالتأنيث؛ أي: توقد الزجاجة أو المشكاة كما تقول: أوقدت البيت وقرأ نافع وابن عامر وحفص يوقد بالتذكير؛ أي: يوقد المصباح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "تَوَقَّدَ" بفتح التاء والواو وتشديد القاف وفتح الدال على أنه فعل ماضٍ؛ أي: توقد المصباح وهو معنى قوله: "وحق تفعلا"؛ أي: قرءا على وزن تفعل مثل تكرم وتبصر والألف للإطلاق لا ضمير تثنية وأعرابه أن يقال حق خبر مقدم وتفعل مبتدأ مؤخر أراد، والقراءة على وزن تفل حق، وحكى ابن مجاهد رواية عن عاصم وأهل الكوفة توقد على وزن قراءة أبي عمرو إلا أن الدال مرفوعة فيكون مضارع قراءة أبي عمرو والأصل تتوقد، فحذفت التاء الثانية نحو "لا تكلم نفس"، وحكى أبو عبيد هذه القراءة عن ابن محيصن والضمير فيها للزجاجة كما سبق في القراءة الأولى، فهذه أربع قراءات الأولى والأخيرة راجعة إلى الزجاجة والثانية والثالثة إلى المصباح، قال أبو علي: توقد على أن فاعل توقد المصباح هو الين؛ لأن المصباح هو الذي يتوقد قال:
سموت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبه لقفال
أي: ويوقد مثله؛ يعني: بالتذكير والله أعلم.
917-
وَمَا نَوَّنَ البَزِّي سَحابٌ وَرَفْعُهُمْ ... لَدى ظُلُمَاتٍ جَرَّ "دَ"ارٍ وَأَوْصَلا
يريد: {سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، فقرأه البزي على إضافة سحاب إلى ظلمات؛ أي: سحاب ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض وهي ما تقدم تفصيله في قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} قال أبو علي: أضاف السحاب إلى الظلمات لاستقلال السحاب وارتفاعه في وقت هذه الظلمات كما تقول سحاب رحمة وسحاب مطر إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه المطر، ومن نون سحاب ورفع ظلمات وهي قراءة غير ابن كثير كان ظلمات خبر مبتدأ محذوف؛ أي: تلك ظلمات مجتمعة وقرأ قنبل بالتنوين وجر ظلمات على أنها وردت تكريرا وبدلا من ظلمات الأولى وقوله: ورفعهم لدى ظلمات؛ أي: ورفع القراء في ظلمات جره من دري ذلك فقوله: جر فعل ماضٍ ودار فاعله وأوصل عطف على جر؛ أي: قرأ ذلك، وأوصله إلينا، ويجوز في قوله: ورفعهم بالنصب؛ لأنه مفعول جر والرفع على الابتداء نحو: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ} والنصب أقوى عند أهل العربية والله أعلم.
918-
كَمَا اسْتُخْلِفَ اضْمُمْهُ مَعَ الكَسْرِ "صَـ"ـادِقًا ... وَفِي يُبْدِلَنَّ الْخِفُّ "صَـ"ـاحِبُهُ "دَ"لا