سورة النور:
912-
وَ"حَقٌّ" وَفَرَّضْنا ثَقِيلًا وَرَأْفَةٌ ... يُحَرِّكُهُ الْمَكي وَأَرْبَعُ أَوَّلا
يريد: "وَفَرَّضْنَاهَا"؛ أي: فرضنا أحكامها وفي التثقيل: إشعار بكثرة ما فيها من الأحكام المختصة بها لا توجد في غيرها من السور كالزنا والقذف واللعان والاستئذان وغض الطرف والكتابة وغير ذلك، فسَّرها أبو عمرو: فصّلنا، ومعناها بالتخفيف: أوجبنا حدودها جعلناها فرضا، وقول الناظم: "وحق" هو خبر مقدم، وثقيلا حال من المنوي فيه؛ أي: وفرضنا حق ثقيلا، أما: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} بإسكان الهمزة ففتحها ابن كثير وكلاهما لغة، ولا خلاف في إسكان التي في الحديد، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} قال ابن مجاهد: قال لي قنبل: كان ابن أبي بزة قد أوهم وقرأهما جميعا بالتحريك، فلما أخبرته إنما هي هذه وحدها رجع، قلت: وهذا مما جمع فيه بين اللغتين واختير الإسكان في التي في الحديد؛ لتجانس لفظ رحمة التي بعدها، ونظير هاتين القراءتين: "دأبا"، و"دآبا" والمعز وظعنكم من باب الإسكان لأجل حرف الحلق مثل شعرة وشعرة، ثم قال: "وأربع أولا"؛ أي: الواقع أولا يريد، فشهادة أحدهم أربع شهادات اختلف في رفعه ونصبه، وخبر قوله: وأربع في أول البيت الآتي وهو صحاب؛ أي: وأربع بالرفع قراءة صحاب، ودلنا على الرفع إطلاقه، ووجه الرفع أنه خبر: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} ، ونصبه على المصدر كما تقول: شهدت أربع شهادات والخبر محذوف؛ أي: فواجب شهادة أحدهم أو المحذوف المبتدأ وهو: فالواجب شهادة أحدهم نحو: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، والجملة خبر "والذين" ولا خلاف في نصب الثاني وهو أن تشهد أربع شهادات؛ لأنه مصدر لا غير للتصريح بالفعل قبله وهو قوله: أن تشهد.
913-
صِحَابٌ وَغَيْرُ الْحَفْصِ خَامِسَةُ الأَخِيـ ... ـرُ أَنْ غَضِبَ التَّخْفِيفُ وَالكَسْرُ أُدْخِلا
أي: وكل القراء غير حفص رفعوا: "والخامسةُ أن غضب الله" وهو الأخير ولا خلاف في رفع الأول: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ} فالرفع فيها على الابتداء وما بعده خبره؛ أي: والشهادة الخامسة هي لفظ كذا: ونصب الثاني على وتشهد الخامسة؛ لأن قبله: {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} ، ثم أبدل: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ} منه، قال أبو علي: ويجوز في القياس النصب في الخامسة الأولى رفع أربع شهادات أو نصب، وقول الناظم الأخير هو نعت خامسة ولا نظر إلى التأنيث فيها؛ لأن المراد هذا اللفظ الأخير، وأسقط الألف واللام من الخامسة ضرورة وزن النظم، وأدخلها في حفص كذلك أيضا فكأنه عوض ما حذف وهما زائدتان في الحفص كقول الشاعر:
والزيد زيد المعارك
وقد وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ أبو القاسم: حفص هو ابن عمر بن سعد القرظ، ولغرابة هذه العبارة بَهِمَ كثير فيها، ويسبق لسان القارئ لها إلى لفظ الخفض بالخاء والضاد المعجمتين الذي هو أخو الكسر
لشهرة هذه اللفظة وكثرة دورها في القصيدة، كقوله: "وَالْأَرْحَامِ" بالخفض جملا، والنون بالخفض شكلا. فإن قيل: لو أنه قال: صحاب وحفص نصب خامسة الأخير لحصل الغرض ولم يبق لفظ موهم.
قلت: لكن تخيل عليه قراءة الباقين؛ فإنها بالرفع وليس ضد النصب إلا الخفض فاقتحم حزونة هذه العبارة؛ لكونها وافية بغرضه والألف في قوله: أدخلا ضمير تثنية يرجع إلى التخفيف والكسر؛ أي: أدخلا في لفظ أن غضب فالتخفيف في أن والكسر في ضاد غضب؛ أي: قرأ نافع وحده ذلك، فيكون أن مخففة من الثقيلة، وغضب فعل ماض فاعله اسم الله فيجب رفعه فهو معنى قوله: في البيت الآتي، ويرفع بعد الجر؛ أي: بعد أن غضب يجعل الرفع موضع الجر في الكلمة المتصلة به، وقراءة الجماعة واضحة يكون الغضب اسما مضافا إلى الله تعالى، وهو اسم "أن" المشددة مثل: {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ} والنحويون يقولون: إن ضمير الشأن مقدر؛ أي: أنه لعنة الله وأن غضب الله ولو أن قراءة نافع بفتح ضاد "غضب"، كقراءة الجماعة فكانت على وزن "لعنة الله"، فيكون قد خفف أن فيها فقط لكانت أوجه عندهم؛ لأنهم يستقبحون أن يلي الفعل أن المخففة حتى يفصل بينهما بأحد الحروف الأربعة بحرف النفي إن كان الكلام نفيا نحو: {لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} ، وإن كان إيجابا فبحرف قد في الماضي وبالسين أو سوف في المضارع نحو: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} ، وكان القياس عندهم أن يقال أن قد غضب الله، قال أبو علي: فإن قيل: فقد جاء: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ، {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ} فليس يجري مجرى "ما" ونحوها مما ليس بفعل، وقوله: بورك على الدعاء قلت فكذا هنا يحمل "غضب الله" على الدعاء فلا يحتاج إلى حرف قد.
914-
وَيَرْفَعُ بَعْدَ الْجَرِّ يَشْهَدُ "شَـ"ـائِعٌ ... وَغَيْرُ أُولِي بِالنَّصْبِ "صَـ"ـاحِبُهُ "كَـ"ـلا
قد سبق شرح قوله: ويرفع بعد الجر فالجر منصوب؛ لأنه مفعول يرفع وليس مضافا إلى بعد؛ لأن بعد مبني على الضم بحذف ما أضيف إليه؛ أي: بعد قوله: "أن غضب"، أما: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} ، فيقرأ يشهد بالتذكير حمزة والكسائي، والباقون بالتأنيث،؛ لأن تأنيث الألسنة غير حقيقي، فجاز فيه الوجهان، قال أبو علي: كلاهما حسن، وقد مر نحوه، أما: "غَيْرَ أُولِي الإِرْبَةِ" فنصبه على الحال أو على الاستثناء، وخفضه على أنه صفة للتابعين؛ أي: الذين لا إربة لهم في النساء والإربة الحاجة، ومعنى صاحبه كلا؛ أي: حفظ ذلك ونقله أو حرسه.
915-
وَدُرِّيٌّ اكْسِرْ ضَمَّهُ "حُـ"ـجَّةً "رِ"ضى ... وَفِي مَدِّهِ وَالْهَمْزِ "صُحْبَتُـ"ـهُ "حَـ"ـلا
أي: ضم الدال وحجة حال من فاعل اكسر أو مفعوله؛ أي: اقرأه ذا حجة مرضية، وأخبر عن صحبته بلفظ: حلا كما سبق في صحبة كلا والهمز مجرور عطفا على: وفي مده ولو رفع لكان له وجه حسن،؛ أي: وجلا درى في مده والهمز مصاحب له ولا يمنع كون صحبته رمزا من تقدير هذا المعنى كما لم يمنع في قوله: كما حقه ضماه؛ أي: حق أن يضم صاد "الصدفين" وداله على ما سبق شرحه، فحصل من مجموع ما في البيت أن أبا عمرو والكسائي قرءا درى على وزن شريب وسكيت بكسر الدال والمد والهمز وحمزة وأبا بكر بضم الدال والمد، والهمز على وزن مريق، قال الجرمي: زعم أبو الخطاب أنهم يقولون مريق للعصفر وقرأ الباقون وهم
حفص وابن عامر والحرميان بضم الدال وتشديد الياء فلا مد ولا همز، وهذه أجود القراءات عندهم جعلوها نسبة إلى الدر في الصفا والإضاءة، وإنما نسب الكوكب مع عظم ضوئه إلى الدر باعتبار أن فضل ضوء ذلك الكوكب على غيره من الكواكب كفضل الدر على غيره من الحب، قال أبو عبيد: القراءة التي نختارها "دري وهو في التفسير المنسوب إلى الدر في إضاءته وحسنه، وفي الحديث المرفوع: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما تراءون الكوكب الدري في أفق السماء" هكذا نقلته العلماء إلينا بهذا اللفظ، قال أبو علي: ويجوز أن يكون فعيلا من الدرء فخفف الهمز فانقلبت ياء كما تنقلب من النسي والنبي إذا خففت ياء، قلت؛ يعني: أنها تكون مخففة من القراءة الأخرى المنسوبة إلى حمزة وأبي بكر، قال أبو علي: هو فعيل من الدرء الذي هو الدفع، قال ومما يمكن أن يكون من هذا البناء قولهم: العلية ألا تراه من علا، فهو فعيل وقال الزجاج: النحويون أجمعون لا يعرفون الوجه فيه؛ لأنه ليس في الكلام شيء على فعيل، قال أبو علي: هذا غلط، قال سيبويه: ويكون على فعيل وهو قليل في الكلام المرتق، حدثنا أبو الخطاب عن العرب، وقالوا: "كوكب دري" وهو صفة هكذا قرأنه على أبي بكر بالهمز في درئ، قال أبو عبيد: كان بعض أهل العربية يراه لحنا لا يجوز والأصل فيها عندنا فعول، مثل شيوخ، ثم تستثقل الضمات المجتمعة فيه لو قال: دروء، فترد بعض تلك الضمات إلى الكسرة فيقال: درى، قال وقد وجدنا العرب تفعل هذا في فقول وهو أخف من الأول، وذلك كقولهم "عتوا وعتيا"، وكلتا اللغتين في التنزيل، أما قراءة أبي عمرو والكسائي بكسر الدال والهمزة، فقال الزجاج: الكسر جيد بالهمز يكون على وزن فعيل ويكون من النجوم الدراري التي تدرأ؛ أي: تنحط وتسير متدافعة، يقال درأ الكوكب يدرأ إذا تدافع منقضا فتضاعف ضوءه يقال: تدارأ الرجلان إذا تدافعا، قال الفراء: الدري من الكواكب الناصعة وهو من درأ الكوكب إذا انحط كأنه رجم به الشيطان، قالوا: والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماؤها الدراري، قال ومن العرب من يقول كوكب دري ينسبه إلى الدر فيكسر أوله ولا يهمز كما يقال: "سُخري وسِخري"، "وبحر لُجي ولِجي" قال النحاس: ومن قرأ دري بالفتح وتشديد الياء أبدل من الضمة فتحة؛ لأن النسب باب تغيير.
قلت: وهي قراءة شاذة حكيت عن قتادة وغيره، قال: وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي؛ لأنه تأولها من درأت؛ أي: وقعت؛ أي: كوكب يجري من الأفق، وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب، قال: وروي عن محمد بن يزيد أن المعنى كوكب يندفع بالنور كما يقال اندرأ الحريق،؛ أي: اندفع، وحكى سعيد بن مسعدة درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوؤه وعلا قيل: هو من قولهم درأ علينا فلان إذا طلع مفاجأة وكذلك طلوع الكوكب حكاه الجوهري، وقال: قال أبو عمرو بن العلاء: سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرف وكان من أفصح الناس: ما تسمون الكوكب الضخم فقال الدري، وحكى أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس قال: أخبرني أبو عثمان عن الأصمعي عن أبي عمرو قال: قد خرجت من الخندق لم أسمع أعرابيا يقول إلا كأنه كوكب دري بكسر الدال، قال الأصمعي: فقلت: أفيهمزون؟، قال إذا كسروا فبحسبك، قال: أمحذوة من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت، وهذا فعيل منه؟ قال أبو علي: يعني: أنهم إذا كسروا أوله دل الكسر على إرادتهم الهمز وتخفيفهم، قال صاحب المحكم: درأه دفعه ودرأ عليهم خرج فجأة وادرأ الحريق انتشر وكوكب
دري مندفع في مضيه من المشرق إلى ذلك والجمع درائي على وزن دراعيع، قلت وكونه من درأ إذا دفع أحسن؛ لأنه يدفع الظلام بنوره والله أعلم.
916-
يُسَبِّحُ فَتْحُ البَا "كَـ"ـذَا "صِـ"ـفْ وَيوقَدُ الْـ ... ـمُؤَنَّثُ "صِـ"ـفْ "شَـ"ـرْعًا وَ"حَقٌّ" تَفَعَّلا
يعني: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} بفتح الباء على ما لم يسم فاعله وكسرها على تسمية الفاعل وهو رجال، وعلى قراءة الفتح يكون رجال فاعل فعل مضمر؛ أي: يسبحه رجال أو مبتدأ خبره مقدم عليه وهو في بيوت، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي توقد بالتأنيث؛ أي: توقد الزجاجة أو المشكاة كما تقول: أوقدت البيت وقرأ نافع وابن عامر وحفص يوقد بالتذكير؛ أي: يوقد المصباح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "تَوَقَّدَ" بفتح التاء والواو وتشديد القاف وفتح الدال على أنه فعل ماضٍ؛ أي: توقد المصباح وهو معنى قوله: "وحق تفعلا"؛ أي: قرءا على وزن تفعل مثل تكرم وتبصر والألف للإطلاق لا ضمير تثنية وأعرابه أن يقال حق خبر مقدم وتفعل مبتدأ مؤخر أراد، والقراءة على وزن تفل حق، وحكى ابن مجاهد رواية عن عاصم وأهل الكوفة توقد على وزن قراءة أبي عمرو إلا أن الدال مرفوعة فيكون مضارع قراءة أبي عمرو والأصل تتوقد، فحذفت التاء الثانية نحو "لا تكلم نفس"، وحكى أبو عبيد هذه القراءة عن ابن محيصن والضمير فيها للزجاجة كما سبق في القراءة الأولى، فهذه أربع قراءات الأولى والأخيرة راجعة إلى الزجاجة والثانية والثالثة إلى المصباح، قال أبو علي: توقد على أن فاعل توقد المصباح هو الين؛ لأن المصباح هو الذي يتوقد قال:
سموت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشبه لقفال
أي: ويوقد مثله؛ يعني: بالتذكير والله أعلم.
917-
وَمَا نَوَّنَ البَزِّي سَحابٌ وَرَفْعُهُمْ ... لَدى ظُلُمَاتٍ جَرَّ "دَ"ارٍ وَأَوْصَلا
يريد: {سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، فقرأه البزي على إضافة سحاب إلى ظلمات؛ أي: سحاب ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض وهي ما تقدم تفصيله في قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} قال أبو علي: أضاف السحاب إلى الظلمات لاستقلال السحاب وارتفاعه في وقت هذه الظلمات كما تقول سحاب رحمة وسحاب مطر إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه المطر، ومن نون سحاب ورفع ظلمات وهي قراءة غير ابن كثير كان ظلمات خبر مبتدأ محذوف؛ أي: تلك ظلمات مجتمعة وقرأ قنبل بالتنوين وجر ظلمات على أنها وردت تكريرا وبدلا من ظلمات الأولى وقوله: ورفعهم لدى ظلمات؛ أي: ورفع القراء في ظلمات جره من دري ذلك فقوله: جر فعل ماضٍ ودار فاعله وأوصل عطف على جر؛ أي: قرأ ذلك، وأوصله إلينا، ويجوز في قوله: ورفعهم بالنصب؛ لأنه مفعول جر والرفع على الابتداء نحو: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ} والنصب أقوى عند أهل العربية والله أعلم.
918-
كَمَا اسْتُخْلِفَ اضْمُمْهُ مَعَ الكَسْرِ "صَـ"ـادِقًا ... وَفِي يُبْدِلَنَّ الْخِفُّ "صَـ"ـاحِبُهُ "دَ"لا
أي: اضمم التاء مع أنك تكسر اللام فيصير فعل ما لم يسم فاعله، وقراءة الباقين على إسناد الفعل للفاعل وهو الله تعالى فهو موافق لقراءة "ليستخلفنهم"، والخلاف في "وليبدلنهم" بالتخفيف والتشديد سبق في الكهف أنهما لغتان وسبق معنى دلا.
919-
وَثَانِيَ ثَلاثَ ارْفَعْ سِوى "صُحْبَةٍ" وَقَفْ ... وَلا وَقِفَ قَبْلَ النَّصْبِ إِنْ قُلْتَ أُبْدِلا
يعني: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} فهذا الثاني والأول لا خلاف في نصبه وهو ثلاث مرات؛ لأنه ظرف، فرفع الثاني على معنى هذه الأوقات أوقات ثلاث عورات، فيجوز لك أن تقف على ما قبلها وهو صلاة العشاء، ثم تبتدئ ثلاث عورات، أما قراءة النصب فتحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون بدلا من ثلاث مرات فلا وقف على هذا التقدير؛ لأن الكلام لم يتم وليس برأس آية فيغتفر ذلك لأجله نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[1]، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[2]، {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}[3].
فهذا قوله: ولا وقف قبل النصب إن قلت أبدلا؛ أي: إن قلت هو بدل من الأول، وإن قدرت ثلاث عورات منصوبا بفعل مضمر جاز الوقف مثل قراءة الرفع، والتقدير: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} ؛ أي: احفظوها وراعوها والله أعلم.
[1]سورة الفاتحة، آية: 6.
[2]سورة الشورى، آية: 52.
[3]سورة اقرأ، آية: 15.
سورة الفرقان:
920-
وَيَأْكُل مِنْهَا النونُ "شَـ"ـاعَ وَجَزْمُنَا ... وَيَجْعَلْ بِرَفْعٍ "دَ"لَّ "صَـ"ـافِيهِ "كُـ"ـمَّلا
يريد: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} الياء في يأكل والنون ظاهران، أما: "ونجعل لك قصورا" فرفعه على الاستئناف، وجزمه على العطف على موضع جواب الشرط الذي هو جعل "لك" على لغة من يجزم جواب الشرط إذا كان فعل الشرط ماضيا، وهو اللغة الفصيحة، ويجوز أن تكون هذه القراءة بالرفع، وإنما أدغم اللام من يجعل في لام لك كما يفعل أبو عمرو في غير هذا الموضع، فيتحد تقدير القراءتين، وكملا جمع كامل وهو مفعول دل؛ أي: دل حسن هذا اللفظ وصفاؤه رجالا كاملين عقلا ومعرفة، فقرءوا به وإن كانت القراءة الأخرى كذلك والله أعلم.
921-
وَنَحْشُرُ يَا "دَ"ارٍ "عَـ"ـلا فَيَقُولُ نُو ... نُ شَامٍ وَخَاطِبْ تَسْتَطِيعُونَ "عُـ"ـمَّلا
يريد: "ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله"؛ الياء فيه والنون أيضا ظاهران، وأراد ذو يا قارئ دار؛ أي: عارف وعملا صفة دار أو صفة يا، والخلاف أيضا في: "فيقول" بالياء والنون ظاهر، فابن عامر قرأ بالنون فيهما وابن كثير وحفص بالياء فيهما، والباقون بالنون في نحشرهم والياء في: "فيقول"؛ لقوله بعد: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي} ، وكل ذلك من تلوين الخطاب كما في أول سورة الإسراء والياء في يستطيعون للآلهة والخطاب لعبادها، وتستطيعون في البيت مفعول خاطب جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه ومثله ف النمل: وتخفون خاطب، وتقدم في الأنعام: وخاطب شام، ويجوز أن يكون في كل هذه المواضع على حذف حرف الجر؛ أي: خاطب بهذا اللفظ، وعملا جمع عامل وهو حال من فاعل خاطب، وهو وإن كان لفظه أمر المفرد فالمراد به الجمع كأنه قال: وخاطب أيها الرهط والقوم أو الفريق القراءة، وقال الشيخ: يستطيعون بدل من قوله: وخاطب أو عطف بيان وعملا مفعول خاطب.
قلت: لا يبين لي وجه ما ذكر في "تستطيعون"، أما جعل عملا مفعول خاطب فيجوز على أن يكون يستطيعون مفعولا بعامل مقدر؛ أي: قارئا يستطيعون، وأراد بالعمل المخاطبين يستطيعون؛ لأنهم كما قال الله تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}[1]، وإن كان مراد الشيخ بما ذكره أن المأمور بالخطاب هو لفظ تستطيعون جعله مخاطبا لهم لما كان الخطاب فيه كقولك: قم زيد، فهذا على حذف النداء؛ أي: قم يا زيد، فكذا التقدير: وخاطب يا يستطيعون؛ أي: يا هذا اللفظ ولا يبعد في التجوز تمثيل ذلك كما تخاطب الديار والآثار، ويطرد هذا الوجه في نحو: وخاطب تعصرون وما أشبهه.
[1]سورة الغاشية، آية: 3.
922-
وَنُزِّلَ زِدْهُ النُّونَ وَارْفَعْ وَخِفَّ وَالْـ ... ـمَلائِكَةُ المَرْفُوعُ يُنْصَبُ دُخْلُلا
لفظ بقراءة ابن كثير، وبيَّن ما فعل فيها فقال: زده النون؛ أي: زده النون الساكنة؛ لأن النون المضمومة موجودة في قراءة الباقين وارفع؛ يعني: اللام؛ لأنه صار فعلا مضارعا فوجب رفعه وخف؛ يعني: تخفيف الزاي؛ لأن قراءة الباقين بتشديدها على أنه فعل ماضٍ لما لم يسم فاعله وهو مطابق للمصدر الذي ختمت به الآية وهو تنزيلا، ومصدر قراءة ابن كثير إنزالا إلا أن كل واحد منهما يوضع موضع الآخر أنشد أبو علي:
وقد تطويت انطواء الخصب
وقال: حيث كان تطويت وانطويت يتقاربان حمل مصدر ذا على مصدر ذا، ولا حاجة إلى أن يقال الناظم: لم ينبه على إسكان النون ذهابا إلى أن المزيدة هي الأولى بل تجعل المزيدة هي الثانية وتخلص من الاعتراض ومن الجواب بأن خف ينبئ عن ذلك وبأن الزاي إذا خففت لم يكن بد من إسكان النون، فهب أن الأمر كذلك فمن أين تعلم قراءة الباقين أنها بالضم، وهو لم يلفظ بها.
فإن قلت: في التحقيق الزائدة هي الأولى؛ لأنها حرف المضارعة والثانية هي أول الفعل الماضي.
قلت: صحيح إلا أن الناظم لا يعتبر في تعريفه إلا صورة اللفظ ألا تراه كيف قال في يوسف: وثانٍ ننج احذف، فأورد الحذف على الثانية؛ ليصير الفعل ماضيا وإنما المحذوف حرف المضارعة فكذا هنا، ونصب ابن كثير الملائكة؛ لأنه مفعول وننزل ورفعه الباقون؛ لأنه مفعول ونزل ودخللا حال؛ لأن قبله: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ}[1]فهو مداخله ومرافقه في اللفظ والمعنى.
923-
تَشَقَّقُ خِفُّ الشِّينِ مَعْ قَافَ "غَـ"ـالِبٌ ... وَيَأْمُرُ "شَـ"ـافٍ وَاجْمَعُوا سُرُجًا وِلا
يريد: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} ، وفي سورة ق: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا}[2]الأصل فيها تتشقق، فمن خفف حذف إحدى التاءين ومن شدد أدغم الثانية في الشين، قال أبو علي: قال أبو الحسن: الخفيفة أكثر في الكلام؛ لأنهم أرادوا الخفة فكان الحذف أخف عليهم من الإدغام فهذا معنى قوله: غالب؛ أي: تخفيف الشين فيه مع حرف قاف أكثر من تشديدها في اللغة، ثم قال: "ويأمر شاف" أراد: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} ؛ أي: بالغيب لإطلاقه والباقون بالخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- والياء إخبار عنه قال ذلك بعضهم لبعض وخاطبه بعضهم به، وقيل: {لِمَا تَأْمُرُنَا} المسمى بالرحمن وإن كنا لا نعرفه ثم قال: وأجمعوا سرجا؛ يعني: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} يقرؤه حمزة والكسائي بالجمع على إرادة الشمس والنجوم العظام، وقال الزجاج: أراد الشمس والقمر والكواكب العظام معهما،
[1]سورة الفرقان، آية: 25.
[2]آية: 44.
قلت: فعلى هذا يكون قوله: بعد ذلك: {وَقَمَرًا مُنِيرًا} من باب قوله: {وَمَلائِكَتِِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} ، والإفراد للشمس كما جاء في سورة النبأ: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} ، وفي سورة نوح: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}[1].
وقيل: المراد بالسرج النجوم دون الشمس وهي المصابيح المذكورة في الآية الأخرى، فكأنه سبحانه أشار إلى ما يظهر في السماء ليلا، وهو القمر والنجوم، والقراءة بالإفراد تحتمل ذلك على إرادة الجنس كما في نظائره أو أراد به الشمس فيكون مجموع القراءتين الصحيحتين قد أفاد مجموع النجوم والقمرين "وولا" بالكسر وهو مفعول له أو حال؛ أي: لأجل المتابعة أو ذوي متابعة.
924-
وَلَمْ يَقْتِرُوا اضْمُمْ "عَمَّ" وَالكَسْرَ ضُمَّ "ثِـ"ـقْ ... يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ رَفْعُ جَزْمٍ "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
أي: اضمم أوله وضم أيضا كسره وهو في الثاني، وإنما قال: في الثاني ضم الكسر، ولم يقل في الأول ضم الفتح؛ لأن الكسر ليس ضدًّا للضم والفتح ضده فالذين ضموا الثاني فتحوا الأول والذين ضموا الأول كسروا الثاني والباقن فتحوا الأول وكسروا الثاني وهم ابن كثير وأبو عمرو، قرءا من قتر يقتِر مثل ضرب، والكوفيون من قتر يقتُر مثل يقتل، ونافع وابن عامر من أقتر يُقتِر مثل أكرم يكرم، وكل ذلك لغات في تضييق النفقة، وقيل: أقتر خلاف أيسر يدل عليه على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وقال في معنى التضييق: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} فهذا من قتر وفي مضارعه لغتان؛ الكسر والضم مثل يعكفون ويعرشون، وقال أبو حاتم: لا وجه للإقتار ههنا، إلا أن يذهب به إلى أن المسرف يفتقر سريعًا، قال أبو جعفر النحاس: تعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، وتأول لهم أن المسرف يفتقر سريعا، قال: وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل لهم أن أبا عمرو الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيق قتر يقتر ويقتر وقتر يقتر وأقتر يقتر، قال: فعلى هذا تتضح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح وأقرب متأولا وأشهر وأعرف، ومن أحسن ما قيل في معناه: قول أبي عبد الرحمن الجبلي من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. أما: "يضاعفُ له العذاب يوم القيامة ويخلدُ"، فالرفع فيهما على الاستئناف، والجزم على البدل مِن "يلق أثاما"؛ لأنهما في معنى واحد، وقوله: رفع جزم؛ أي: ذو رفع جزم فيهما، وقوله: "كذى صلا" في موضع الحال؛ أي: مشتهرا اشتهار ذي الصلاء؛ أي: موقد النار لقصد جمع الأصناف، أو يكون التقدير: كن كذي صلا؛ أي: تقرأ العلم لأضيافك وهم المستفيدون المستحقون لذاك.
925-
وَوَحَّدَ ذُرِّيَّاتِنَا "حِـ"ـفْظُ "صُحْبَةٍ" ... وَيَلْقَوْنَ فَاضْمُمْهُ وَحَرِّكْ مُثَقِّلا
يريد: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا" إفراد الذرية وجمعها ظاهران، وقد سبق مثلهما في الأعراف،
[1]آية: 16.