بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 617

سورة الفرقان:
920-
وَيَأْكُل مِنْهَا النونُ "شَـ"ـاعَ وَجَزْمُنَا ... وَيَجْعَلْ بِرَفْعٍ "دَ"لَّ "صَـ"ـافِيهِ "كُـ"ـمَّلا
يريد: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} الياء في يأكل والنون ظاهران، أما: "ونجعل لك قصورا" فرفعه على الاستئناف، وجزمه على العطف على موضع جواب الشرط الذي هو جعل "لك" على لغة من يجزم جواب الشرط إذا كان فعل الشرط ماضيا، وهو اللغة الفصيحة، ويجوز أن تكون هذه القراءة بالرفع، وإنما أدغم اللام من يجعل في لام لك كما يفعل أبو عمرو في غير هذا الموضع، فيتحد تقدير القراءتين، وكملا جمع كامل وهو مفعول دل؛ أي: دل حسن هذا اللفظ وصفاؤه رجالا كاملين عقلا ومعرفة، فقرءوا به وإن كانت القراءة الأخرى كذلك والله أعلم.
921-
وَنَحْشُرُ يَا "دَ"ارٍ "عَـ"ـلا فَيَقُولُ نُو ... نُ شَامٍ وَخَاطِبْ تَسْتَطِيعُونَ "عُـ"ـمَّلا
يريد: "ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله"؛ الياء فيه والنون أيضا ظاهران، وأراد ذو يا قارئ دار؛ أي: عارف وعملا صفة دار أو صفة يا، والخلاف أيضا في: "فيقول" بالياء والنون ظاهر، فابن عامر قرأ بالنون فيهما وابن كثير وحفص بالياء فيهما، والباقون بالنون في نحشرهم والياء في: "فيقول"؛ لقوله بعد: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي} ، وكل ذلك من تلوين الخطاب كما في أول سورة الإسراء والياء في يستطيعون للآلهة والخطاب لعبادها، وتستطيعون في البيت مفعول خاطب جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه ومثله ف النمل: وتخفون خاطب، وتقدم في الأنعام: وخاطب شام، ويجوز أن يكون في كل هذه المواضع على حذف حرف الجر؛ أي: خاطب بهذا اللفظ، وعملا جمع عامل وهو حال من فاعل خاطب، وهو وإن كان لفظه أمر المفرد فالمراد به الجمع كأنه قال: وخاطب أيها الرهط والقوم أو الفريق القراءة، وقال الشيخ: يستطيعون بدل من قوله: وخاطب أو عطف بيان وعملا مفعول خاطب.
قلت: لا يبين لي وجه ما ذكر في "تستطيعون"، أما جعل عملا مفعول خاطب فيجوز على أن يكون يستطيعون مفعولا بعامل مقدر؛ أي: قارئا يستطيعون، وأراد بالعمل المخاطبين يستطيعون؛ لأنهم كما قال الله تعالى: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}[1]، وإن كان مراد الشيخ بما ذكره أن المأمور بالخطاب هو لفظ تستطيعون جعله مخاطبا لهم لما كان الخطاب فيه كقولك: قم زيد، فهذا على حذف النداء؛ أي: قم يا زيد، فكذا التقدير: وخاطب يا يستطيعون؛ أي: يا هذا اللفظ ولا يبعد في التجوز تمثيل ذلك كما تخاطب الديار والآثار، ويطرد هذا الوجه في نحو: وخاطب تعصرون وما أشبهه.
[1]سورة الغاشية، آية: 3.


صفحه 618

922-
وَنُزِّلَ زِدْهُ النُّونَ وَارْفَعْ وَخِفَّ وَالْـ ... ـمَلائِكَةُ المَرْفُوعُ يُنْصَبُ دُخْلُلا
لفظ بقراءة ابن كثير، وبيَّن ما فعل فيها فقال: زده النون؛ أي: زده النون الساكنة؛ لأن النون المضمومة موجودة في قراءة الباقين وارفع؛ يعني: اللام؛ لأنه صار فعلا مضارعا فوجب رفعه وخف؛ يعني: تخفيف الزاي؛ لأن قراءة الباقين بتشديدها على أنه فعل ماضٍ لما لم يسم فاعله وهو مطابق للمصدر الذي ختمت به الآية وهو تنزيلا، ومصدر قراءة ابن كثير إنزالا إلا أن كل واحد منهما يوضع موضع الآخر أنشد أبو علي:
وقد تطويت انطواء الخصب
وقال: حيث كان تطويت وانطويت يتقاربان حمل مصدر ذا على مصدر ذا، ولا حاجة إلى أن يقال الناظم: لم ينبه على إسكان النون ذهابا إلى أن المزيدة هي الأولى بل تجعل المزيدة هي الثانية وتخلص من الاعتراض ومن الجواب بأن خف ينبئ عن ذلك وبأن الزاي إذا خففت لم يكن بد من إسكان النون، فهب أن الأمر كذلك فمن أين تعلم قراءة الباقين أنها بالضم، وهو لم يلفظ بها.
فإن قلت: في التحقيق الزائدة هي الأولى؛ لأنها حرف المضارعة والثانية هي أول الفعل الماضي.
قلت: صحيح إلا أن الناظم لا يعتبر في تعريفه إلا صورة اللفظ ألا تراه كيف قال في يوسف: وثانٍ ننج احذف، فأورد الحذف على الثانية؛ ليصير الفعل ماضيا وإنما المحذوف حرف المضارعة فكذا هنا، ونصب ابن كثير الملائكة؛ لأنه مفعول وننزل ورفعه الباقون؛ لأنه مفعول ونزل ودخللا حال؛ لأن قبله: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ}[1]فهو مداخله ومرافقه في اللفظ والمعنى.
923-
تَشَقَّقُ خِفُّ الشِّينِ مَعْ قَافَ "غَـ"ـالِبٌ ... وَيَأْمُرُ "شَـ"ـافٍ وَاجْمَعُوا سُرُجًا وِلا
يريد: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} ، وفي سورة ق: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا}[2]الأصل فيها تتشقق، فمن خفف حذف إحدى التاءين ومن شدد أدغم الثانية في الشين، قال أبو علي: قال أبو الحسن: الخفيفة أكثر في الكلام؛ لأنهم أرادوا الخفة فكان الحذف أخف عليهم من الإدغام فهذا معنى قوله: غالب؛ أي: تخفيف الشين فيه مع حرف قاف أكثر من تشديدها في اللغة، ثم قال: "ويأمر شاف" أراد: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} ؛ أي: بالغيب لإطلاقه والباقون بالخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- والياء إخبار عنه قال ذلك بعضهم لبعض وخاطبه بعضهم به، وقيل: {لِمَا تَأْمُرُنَا} المسمى بالرحمن وإن كنا لا نعرفه ثم قال: وأجمعوا سرجا؛ يعني: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} يقرؤه حمزة والكسائي بالجمع على إرادة الشمس والنجوم العظام، وقال الزجاج: أراد الشمس والقمر والكواكب العظام معهما،
[1]سورة الفرقان، آية: 25.
[2]آية: 44.


صفحه 619

قلت: فعلى هذا يكون قوله: بعد ذلك: {وَقَمَرًا مُنِيرًا} من باب قوله: {وَمَلائِكَتِِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} ، والإفراد للشمس كما جاء في سورة النبأ: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} ، وفي سورة نوح: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}[1].
وقيل: المراد بالسرج النجوم دون الشمس وهي المصابيح المذكورة في الآية الأخرى، فكأنه سبحانه أشار إلى ما يظهر في السماء ليلا، وهو القمر والنجوم، والقراءة بالإفراد تحتمل ذلك على إرادة الجنس كما في نظائره أو أراد به الشمس فيكون مجموع القراءتين الصحيحتين قد أفاد مجموع النجوم والقمرين "وولا" بالكسر وهو مفعول له أو حال؛ أي: لأجل المتابعة أو ذوي متابعة.
924-
وَلَمْ يَقْتِرُوا اضْمُمْ "عَمَّ" وَالكَسْرَ ضُمَّ "ثِـ"ـقْ ... يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ رَفْعُ جَزْمٍ "كَـ"ـذِي "صِـ"ـلا
أي: اضمم أوله وضم أيضا كسره وهو في الثاني، وإنما قال: في الثاني ضم الكسر، ولم يقل في الأول ضم الفتح؛ لأن الكسر ليس ضدًّا للضم والفتح ضده فالذين ضموا الثاني فتحوا الأول والذين ضموا الأول كسروا الثاني والباقن فتحوا الأول وكسروا الثاني وهم ابن كثير وأبو عمرو، قرءا من قتر يقتِر مثل ضرب، والكوفيون من قتر يقتُر مثل يقتل، ونافع وابن عامر من أقتر يُقتِر مثل أكرم يكرم، وكل ذلك لغات في تضييق النفقة، وقيل: أقتر خلاف أيسر يدل عليه على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وقال في معنى التضييق: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} فهذا من قتر وفي مضارعه لغتان؛ الكسر والضم مثل يعكفون ويعرشون، وقال أبو حاتم: لا وجه للإقتار ههنا، إلا أن يذهب به إلى أن المسرف يفتقر سريعًا، قال أبو جعفر النحاس: تعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، وتأول لهم أن المسرف يفتقر سريعا، قال: وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل لهم أن أبا عمرو الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيق قتر يقتر ويقتر وقتر يقتر وأقتر يقتر، قال: فعلى هذا تتضح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح وأقرب متأولا وأشهر وأعرف، ومن أحسن ما قيل في معناه: قول أبي عبد الرحمن الجبلي من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. أما: "يضاعفُ له العذاب يوم القيامة ويخلدُ"، فالرفع فيهما على الاستئناف، والجزم على البدل مِن "يلق أثاما"؛ لأنهما في معنى واحد، وقوله: رفع جزم؛ أي: ذو رفع جزم فيهما، وقوله: "كذى صلا" في موضع الحال؛ أي: مشتهرا اشتهار ذي الصلاء؛ أي: موقد النار لقصد جمع الأصناف، أو يكون التقدير: كن كذي صلا؛ أي: تقرأ العلم لأضيافك وهم المستفيدون المستحقون لذاك.
925-
وَوَحَّدَ ذُرِّيَّاتِنَا "حِـ"ـفْظُ "صُحْبَةٍ" ... وَيَلْقَوْنَ فَاضْمُمْهُ وَحَرِّكْ مُثَقِّلا
يريد: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا" إفراد الذرية وجمعها ظاهران، وقد سبق مثلهما في الأعراف،
[1]آية: 16.


صفحه 620

وأما: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً} فاضمم ياءه وافتح لامه وثقل قافه لغير صحبة من قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} وهو موافق لقوله: {يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} ، وقرأه صحبة من لَقِي يلقَى نحو: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} ، وقال في ضدهم: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} ، وهما ظاهران أيضًا، والله أعلم.
926-
سِوى "صُحْبَةٍ" وَاليَاءُ قَوْمِي وَلَيْتَنِي ... وَكَمْ لَوْ وَلَيْتٍ تُورِثُ الْقَلْبَ أَنْصُلا
سوى صحبة خبر قوله: ويلقون؛ أي: هو قراءة سوى صحبة، فحذف المضاف واعترض بين المبتدأ وخبره بقوله: فاضممه، وحرك مثقلا وحقه أن يتأخر وفيها من ياءات الإضافة ياءان: "إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُوا" فتحها نافع وأبو عمرو والبزي، "يَا لَيْتَنِيَ اتَّخَذْتُ" فتحها أبو عمرو وحده، ثم أن لفظ ليتني أذكر الناظم -رحمه الله- قصة الظالم الذي يعض على يديه يوم القيامة ويقول: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ} ، فيندم ويتأسف ويتمنى في وقت لا ينفعه ذلك، فتمم الناظم البيت بما بينه العقلاء على الاستعداد خوفا من وقوع مثل ذلك، وأنصلا جمع نصل؛ أي: تورث القلب ألما كألم وقوع النصول في القلب، فيقول المتندم المتأسف: لو أني فعلت كذا ولو أني ما فعلت، وهذه كلمة قد نهى الشرع عنها، ففي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أصابك شيء فلا تقل: لولا أني فعلت، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"، وأضاف الناظم "كم" إلى حرفي: "لو" "وليت"، والمراد المرات المقولة بهذين اللفظين حكى لو بلفظها وأعرب ليت فخفضها ونونها؛ لأنه أجراهما ههنا مجرى الأسماء في الإخبار عنها، وقد استعمل الفصحاء ذلك فتارة حكوا وتارة أعربوا، قال أبو زيد الطائي:
ليت شعري وأين مني ليتٌ ... إن ليتًا وإن لوًّا عناءُ
وقال أبو تمام:
قولي نعم ونعم إن قلت واجبة ... قالت عسى وعسى جسرٌ إلى نعم
وأدخل بعضهم الألف واللام فقال:
والمرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في السوف ثم الليت
وأفرد تورث وهو خبر عن اثنين اختصارا واستغناء بالخبر عن أحدهما نحو: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وأنث لفظ تورث باعتبار الكلمة ويجوز تذكيره باعتبار اللفظ والحرف.


صفحه 621

سورة الشعراء:
927-
وَفِي حَاذِرُونَ الْمدُّ "مَـ"ـا"ثُـ"ـلَّ فَارِهِيـ ... ـنَ "ذَ"اعَ وَخَلْقُ اضْمُمْ وَحَرِّكْ بِهِ الـ"ـعُـ"ـلا
يريد: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} قيل: الحذِر والحاذر سواء، وقيل: الحذِر من طُبع على الحذر وقيل: المتيقظ، والحاذر الذي يحذر ما حدث أو المستعد كأنه أخذ حذره، ومعنى قوله: ما ثُلّ؛ أي: ما زال، من قولهم: ثللت الحائط إذا هدمته ويقال للقوم إذا ذهب عزهم: قد ثل عرشهم ثم قال: فارهين ذاع؛ أي: قرأه بالمد من قرأ "حاذرون"، وزاد معهم هشام يريد: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} ، وقيل: أيضا فارهين وفرهين سواء وقيل: فارهين حاذقين وفرهين أشرين أو كيسين أو فرحين، ثم قال: وخلق اضمم يريد: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} اضمم خاءه وحرك به؛ أي: حرك اللام بالضم وإنما احتاج إلى قوله: به؛ لأن مطلق التحريك هو الفتح فيصير خلق؛ أي: إن هذا إلا عادة الأولين يشيرون إلى الحياة والموت أو إلى دينهم أو إلى ما جاء به، كما قالوا عنه: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ، وخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام بمعنى كذب الأولين أو يكون إشارة إلى خلقهم،؛ أي: ما نحن إلا كالأولين في الحياة والموت، ثم رمز لمن ضم الخاء واللام، فقال العلا كما في ند في البيت الآتي، فالعلا مبتدأ وما بعده الخبر،؛ أي: ذو العلا كالذي في مكان ند أو كالذي في كرم أو أراد أنه خبر مبتدأ محذوف ذاك هو العلا والله أعلم.
928-
"كَـ"ـمَا "فِـ"ـي "نَـ"ـدٍ وَالأيْكَةِ اللامُ سَاكِنٌ ... مَعَ الْهَمْزِ وَاخْفِضْهُ وَفِي صَادَ "غَـ"ـيْطَلا
يريد: {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} هنا وفي صاد قرأهما الحرميان وابن عامر "لَيْكة" بفتح اللام من غير همز وفتح التاء، وأجمعوا على الذي في الحجر والذي في ق أنها الأيكة بإسكان اللام وبعده همزة وبخفض التاء، وإنما خص ما في الشعراء وص بتلك القراءة،؛ لأن صورته في الرسم كذلك، واختارها أبو عبيد، وضعفها علماء العربية، قال أبو عبيد: لا أحب مفارقة الخط في شيء من القرآن إلا ما تخرج من كلام العرب وهما ليس بخارج من كلامها مع صحة المعنى في هذه الحروف، وذاك أنا وجدنا في بعض التفسير الفرق بين الأيكة وليكة، فقيل: ليكة هي اسم القرية التي كانوا فيها والأيكة البلاد كلها فصار الفرق فيما بينهما شبيها بفرق ما بين بكة ومكة، ورأيتهن مع هذا في الذي يقال له: الإمام مصحف عثمان مفترقات، فوجدت التي في الحجر والتي في ق: "الأيكة"، ووجدت التي في الشعراء والتي في صاد: "ليكة"، ثم أجمعت عليها مصاحف الأمصار كلها بعد فلا نعلمها إذا اختلفت فيها وقرأها أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قصصنا؛ يعني: بغير ألف ولام ولا إجراء، هذه عبارته وليست سديدة؛ فإن اللام موجودة في "ليكة"، وصوابه بغير ألف وهمزة قال: فأي حجة تلتمس أكثر من هذا فبهذه نقرأ على ما وجدناه مخطوطا بين اللوحين.
قال أبو العباس المبرد في كتاب الخط: كتبوا في بعض المواضع: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} بغير ألف؛ لأن الألف تذهب في الوصل، ولذلك غلط القارئ بالفتح فتوهم أن "ليكة" اسم شيء وأن اللام أصل.


صفحه 622

فقرأ "أصحاب لَيكة المرسلين" قال الفراء: نرى والله أعلم أنها كتبت في هذين الموضعين على ترك الهمزة فسقطت الألف؛ لتحريك اللام، قال مكي: تعقب ابن قتيبة على أبي عبيد فاختار الأيكة بالألف والهمزة والخفض، وقال: إنما كتبت بغير ألف على تخفيف الهمزة، قال: وقد أجمع الناس على ذلك؛ يعني: في الحجر وق، فوجب أن يلحق ما في الشعراء وص بما أجمع عليه فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه، قال الزجاج: القراءة بجر "ليكة"، وأنت تريد الأيكة أجود من أن تجعلها ليكة وتفتحها؛ لأنها لا تنصرف؛ لأن "ليكة" لا تعرف، وإنما هو أيكة للواحد وأيك للجمع مثل أجمة وأجم والأيكة الشجر الملتف فأجود القراءات فيها الكسر وإسقاط الهمز؛ لموافقة المصحف ولا أعلمه إلا قد قرئ به قال النحاس: أجمع القراء على خفض التي في الحجر والتي في سورة ق فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذا كان المعنى واحدا، فأما ما حكاه أبو عبيد من أن "ليكة" اسم القرية التي كانوا فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر،؛ لأن أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه لا نعلم بين اللغة اختلافا أن الأيكة الشجر الملتف فما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد "ليكة" فلا حجة له فيه، والقول فيه أن أصله الأيكة، ثم خففت الهمزة، فألقيت حركتها على اللام فسقطت فاستغنت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض كما تقول: مررت بالأحمر على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: بلحمر فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف ولم يجز إلا الخفض فكذلك لا يجوز في الأيكة إلا الخفض، قال سيبويه: واعلم أن كل ما لا ينصرف إذا أدخلته الألف واللام أو أضفته انصرف، قال: ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا، وقال أبو علي: قول من قال "ليكة"، ففتح التاء مشكل؛ لأنه فتح مع لحاق اللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مررت بلحمر فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة الكلمة، وقال: إنما كتبت "ليكة" على تخفيف الهمز والفتح لا يصح في العربية؛ لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجر مع لام المعرفة فهو على قياس من قال: "مررت بلحمر"، قال: ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قاله ورش.
قلت: يعني: أن ورشا مذهبه عنه نقل الحركة، وقد فعل ذلك في الحجر وق مع الخفض فكذا في الشعراء وص، وقال الزمخشري: قرئ أصحاب الأيكة بالهمز وتخفيفها، وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب، وزعم أن "ليكة" بوزن ليلة اسم بلد فوهم قاد إليه خط المصحف، وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ كما تكتب أصحاب النحو؛ لأن "ولُولَى" على هذه الصورة؛ لبيان لفظ المخفف، وقد كتب في سائر القرآن على الأصل، والقصة واحدة على أن "ليكة" اسم لا يعرف، وروي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتفٍّ وكان شجرهم الدوم قلت: يعني: فهذا اللفظ مطابق لحالهم، أما لفظ "ليكة" على أن تكون اللام فاء الكلمة وهي مركبة من لام وياء وكاف، فهذا شيء غير موجود في لسان العرب بل هذا التركيب مما أهملته، فلم يتلفظ به فهو مشبه بالحاء والدال المعجمتين مع الجيم فإنه مما نص عليه أهل اللغة أنه أهمل فلم تنطق به العرب ولكن لا وجه لهذه القراءة غير ذلك، قال الزجاج: أهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أن اسم المدينة التي كان فيها شعيب "ليكة" قال ابن القشيري: قال أبو علي: لو صح هذا فلِمَ أجمع القراء على الهمز في قوله: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} في سورة الحجر؟ والأيكة التي ذكرت


صفحه 623

ههنا هي التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس: الأيكة الغيضة ولم يعبرها بالمدينة والبلد قال: وهذا الاعتراض مردود إذا ثبتت هذه القراءة، ولا يبعد أن تسمى بقعة ليكة ثم يعبر عن ذلك البقعة بالغيضة والأيكة؛ لكثرة أشجارها، وقال الخليل: الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر، وقيل: الأيك شجر الدوم وهو المقل وهو أكثر شجر مدين، وقيل: بعث شعيب إلى مدين والأيكة وهما قريتان، قال صاحب الصحاح: من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ: "ليكة" فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة.
قلت: إنما قال ذلك تقليدا لما ذكره أبو عبيد، وإلا فلم يذكر في حرف الكاف فصلا للام ولا ذكره غيره فيما علمت، وقول الناظم: غيطلا منصوب على الحال من مفعول أخفضه؛ أي: مفسرا بذلك؛ لأن الغيطل جمع غيطلة وهي الشجر الكبير، وجعله الشيخ حالا من الفاعل فقال: اخفضه مفسرا أو متأولا ذلك بالغيطل،؛ أي: أنك في القراءة الأخرى إنما تتأوله بالبقعة، فقد صار للأيكة حالان حال هو فيها بقعة وحال هو فيها غيطلة فافعل ذلك به غيطلا.
929-
وَفِي نَزَّلَ التَّخْفِيفُ وَالرُّوحُ وَالأَمِيـ ... ـنُ رَفْعُهُما "عُـ"ـلْوٌ "سَمَا" وَتَبَجَّلا
يريد نزل به الروح الأمين فمع التخفيف رفع الروح؛ لأنه فاعل والأمين صفته ومع التشديد نصبهما على المفعولية، ويناسب التشديد ما قبله من قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وعلو بضم العين وكسرها: نقي السفل بضم السين وكسرها.
930-
وَأَنَثْ يَكُنْ لِلْيَحْصَبِي وَارْفَعَ ايَةً ... وَفَا فَتَوَكَّلْ وَاوُ "ظَـ"ـمْئانِهِ "حَـ"ـلا
يريد: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً} قرأ الجماعة بتذكير يكن ونصب آية على أنها خبر كان، واسمها أن يعلمه علماء بني إسرائيل؛ أي: أو لم يكن علم العلماء آية لهم على صدقك، وعلى قراءة ابن عامر قال الزمخشري: جعلت آية اسما وأن يعلمه خبرا، قال: وليست كالأولى؛ لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرج لها وجه آخر؛ ليتخلص من ذلك فقيل: في يكن ضمير القصة وآية أن يعلمه جملة واقعة موقع الخبر.
قال: ويجوز على هذا أن يكون لهم آية هي جملة لشأن وأن يعلمه بدل عن آية، ويجوز مع نصب الآية تأنيث يكن كقوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} . قلت: ولكن لم يقرأ به، أما: "فتوكل على العزيز الرحيم" فرسم بالفاء في المدني والشامي، وبالواو في غيرهما، قال أبو علي: الوجهان حسنان، قال الشيخ: الواو عطف جملة على جملة، والفاء على أنه كالجزاء لما قبله، وقال الزمخشري: له محملان؛ في العطف أن يعطف على فقل أو فلا تدع، قلت: لا حاجة إلى جعلها عاطفة بل لها حكم قوله: فلا تدع فإن عصوك فهي في الجميع تفيد استئناف أمر غير ما تقدم والهاء في قول الناظم ظمآنه تعود إلى الفاء؛ لأن الفاء لما جعلت الواو مكانها هنا ظمئ المكان إليها، فقال: الواو أيضا خلت هنا والله أعلم.


صفحه 624

931-
وَيَا خَمْسِ أَجْرِي مَعْ عِبَادِي وَلِي مَعِي ... مَعًا مَعْ أَبِي إِنِّي مَعًا رَبِّيَ انْجَلا
أضاف لفظ: "يا" إلى خمس وقصره ضرورة كما قصر لفظ: "فا" في البيت السابق في قوله: "وفا فتوكل" يريد: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا} في خمسة مواضع في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام فتحهن نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، وأراد: "بعباديَ إنكم متبعون" فتحها نافع وحده. {مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فتحها حفص وحده. {وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فتحها حفص وورش. "عدو ليَ إلا"، "اغفر لأبيَ إنه" فتحهما نافع وأبو عمرو. "إنيَ أخاف" موضعان في قصة موسى وهود عليهما السلام، "ربيَ أعلم" في قصة شعيب -عليه السلام- فتح الثلاث الحرميان وأبو عمرو فتلك ثلاث عشرة ياء إضافة.