وفي الطلاق: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} ، {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[1].
قرأ الجميع الكوفيون وابن عامر بهمزة بعدها ياء ساكنة اللائي على وزن القاضي والداعي فهذا هو أصل الكلمة؛ أي: كل اللاء بالهمز والياء بعده، ويجوز والياء بالرفع على الابتداء، ثم ذكر أن أبا عمرو والبزي قرأ بياء ساكنة من غير همز فكأنهما حذفا الهمز، وبقيت الياء الساكنة إلا أنهم لا يوجهون هذه القراءة بهذا إنما يقولون: حذفت الياء؛ لتطرفها كما تحذف من القاضي ونحوه ثم أبدل من الهمزة ياء ساكنة، وهذه القراءة على هذا الوجه ضعيفة؛ لأن فيها جمعا بين ساكنين فالكلام فيها كما سبق في: "مَحْيَايَ" في قراءة من سكن ياء وشبهه جوز ذلك ما في الألف من المد، ولكن شرط جواز مثل هذا عند أئمة اللغة المعتبرين أن يكون الساكن الثاني مدغما، ولا يرد على هذا: "ص"، "ن"، "ق"؛ لأن أسماء حروف التهجي موضوعة على الوقف والوقف يحتمل اجتماع الساكنين، فإن وقف على: "مَحْيَايَ" أو اللائي فهو مثله وإنما الكلام في الوصل، أما إجازة بعضهم اضربان واضربنان بإسكان النون والتقت حلقتا البطنان بإثبات الألف فشاذ ضعيف عندهم والله أعلم، وقوله: حج هملا؛ أي: غلبهم في الحجة، وقد تقدم شرح هملا في باب ياءات الإضافة في قوله: إلا مواضع هملا وهو جمع هامل، والهامل البعير المتروك بلا راعٍ؛ أي: غلب في الحجة قوما غير محتفل بهم يشير إلى تقوية الإسكان وأنه له ضعف.
966-
وَكَاليَاءِ مَكْسُورًا لِوَرْشٍ وَعَنْهُمَا ... وَقِفْ مُسْكِنًا وَالْهَمْزُ "زَ"اكِيهِ "بُـ"ـجِّلا
أي: وسهل ورش الهمزة بين بين، وهو المراد بقوله: كالياء مكسورا؛ لأنها صارت بين الهمزة والياء المكسورة وهذا قياس تخفيفها؛ لأنها همزة مكسورة بعد ألف، وهذه القراءة مروية عنهما؛ أي: عن أبي عمرو والبزي وهو وجه قوي لا كلام فيه ذكره جماعة من الأئمة المصنفين كصاحب الروضة قال قرأ أبو عمرو وورش والبزي، وذكر غيرهم بتليين الهمزة من غير ياء بعدها، وهو ظاهر كلام ابن مجاهد؛ فإنه قال: قرأ ابن كثير ونافع "اللاء" ليس بعد الهمزة ياء، وقرأ أبو عمرو شبيها بذلك غير أنه لا يهمز، وكذا قال أبو عبيد: قرأ نافع وأبو عمرو "اللاء" مخفوضة غير مهموزة ولا ممدودة، ونص مكي على الإسكان ولم يذكر صاحب التيسير غيره لهما، وقال في غيره: قرأت على فارس بن أحمد بكسر الياء كسرة مختلسة من غير سكون، وبذلك كان يأخذ أبو الحسين بن المنادي وغيره وهو قياس تسهيل الهمز قال الشيخ، وقد قيل: إن الفراء عبروا عن التليين لهؤلاء بالإسكان.
قالوا: وإظهار أبي عمرو في: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} مما يدل على أنه تليين وليس بإسكان.
قلتُ: قد سبق في باب الإدغام الكبير تقرير هذا، وذكر أبو علي الأهوازي الوجهين عنهما.
قوله: وقف مسكنا؛ أي: مسكنا للياء لهؤلاء؛ لأن الوقف يحتمل اجتماع الساكنين، قال في التيسير: وإذا وقف؛ يعني: ورشا صيرها ياء ساكنة قال وحمزة إذا وقف جعل الهمزة بين بين على
[1]آية: 4.
أصله: ومن همز منهم ومن لم يهمز أشبع التمكين للألف في الحالين إلا ورشا؛ فإن المد والقصر جائزان في مذهبه لما ذكرناه في باب الهمزتين.
قلت: هو ما نظمه الشاطبي -رحمه الله- بقوله:
وإن حرف مد قبل همز مغير ... ...................
ثم ذكر أن قنبلا وقالون قرأ بالهمز من غير ياء بعده، فإذا وقفا أسكنا الهمز وفي قراءة أبي عمرو والبزي من المد والقصر مثل ما في قراءة ورش والله أعلم.
967-
وَتَظَّاهَرُونَ اضْمُمْهُ وَاكْسِرْ لِعاصِمٍ ... وَفِي الْهَاءِ خَفِّفْ وَامْدُدِ الظَّاءَ "ذُ"بَّلا
أي: اضمم التاء واكسر الهاء لعاصم، وهو داخل أيضا في رمز من خفف الهاء ومد الظاء وخففها كما في البيت الآتي فقراءة عاصم: "تُظاهرون" مضارع ظاهر مثل قاتل، وقرأ ابن عامر: "تَظاهرون" على اللفظ الذي في بيت الناظم وهو مضارع تظاهر مثل تقاتل، والأصل تتظاهرون، فأدغم التاء في الظاء وقرأ حمزة والكسائي مثله إلا أنهما خففا الظاء؛ لأنهما حذفا الياء التي أدغمها ابن عامر، وقرأ الباقون: {تُظْهِرُونَ} بتشديد الظاء والهاء من تظهر مثل تكلم وأدغموا التاء في الظاء.
968-
وَخَفَّفَهُ "ثَـ"ـبْتٌ وَفِي قَدْ سَمِعْ كَمَا ... هُنَا وَهُناكَ الظَّاءُ خُفِّفَ "نَـ"ـوْفَلا
أي: خفف الظاء قارئ ثبت وهم الكوفيون وفي قد سمع الله موضعان حكمهما ما ذكر هنا إلا أن الظاء تم لم يخففه إلا عاصم وحده؛ لأنه يقرأ يظاهرون من ظاهر ولم يخفف الظاء حمزة والكسائي؛ لأنه لم يجتمع تاءان فتحذف الثانية منهما؛ لأن موضعي سورة قد سمع فعلهما للغيبة لا للخطاب الذين يظهرون منكم والذي يظاهرون من نسائهم، ولكن أدغما التاء في الظاء كما يقرأ ابن عامر والنوفل: السيد المعطاء ونصبه على الحال؛ أي: ذا نوفل؛ أي: قارئ سيد.
969-
وَ"حَقُّ صِحَابٍ" قَصْرُ وَصْلِ الظَّنُونِ وَالرَ ... سُولَ السَّبِيَلا وَهْوَ فِي الوقَفْ "فِـ"ـي "حُـ"ـلا
أي: قصروا هذه الكلمات الثلاث في الوصل وهي: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ، {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} ، وبعده: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} رسمت هذه الثلاثة بالألف هنا، ولم ترسم في قوله: {وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} ، وإثبات الألف في تلك المواضع؛ لتشاكل الفواصل وهو مطلوب مراعًى في أكثر القرآن، وقد يندر في بعض السور ما لا يشاكل ومنه: {أَنْ لَنْ يَحُورَ}[1].
[1]سورة الانشقاق، آية: 14.
في سورة الانشقاق فإنه بغير ألف بعد الراء: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[1]بالهمز وكذا: "بِالْخَاطِئَةِ"[2]في الحاقة، و"خاطئة"[3]في اقرأ كلتاهما مهموز، وأنا أختار ترك الهمز في هذه الثلاثة على قراءة حمزة في الوقف؛ لتشاكل الفواصل، ثم قال: وهو في الوقف -أي: والقصر في الوقف- لحمزة وأبي عمرو فهما يقصران وقفا ووصلا على الأصل، ومد نافع وابن عامر وشعبة في الحالين تبعًا لخط المصحف وابن كثير والكسائي وحفص جمعوا بين الخط والأصل في الحالين فمدوا في الوقف؛ لأنه يحتمل ذلك كما في القوافي كقوله:
وولى الملامة الرجلا
وقصروا في الوصل ونحوا بذلك منحى هاء السكت وهذه القراءة هي المختارة، قال أبو عبيد: والذي أحب فيه هذه الحروف أن يتعمد الوقف عليهن تعمدا؛ وذلك لأن في إسقاط الألفات منهن مفارقة الخط وقد رأيتهن في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان مثبتات كلهن ثم أجمعت عليها مصاحف الأمصار فلا نعلمها اختلفت، فكيف يمكن التقدم على حذفها؟ وأكره أيضا أن أثبتهن مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية لم نجد هذا عندهم جائزا في اضطرار ولا غيره، فإذا صرت إلى الوقف عليها فأثبت الألفات كنت متبعا للكتاب، ويكون "مع" هنا فيها موافقة لبعض مذاهب العرب؛ وذلك أنهم يثبتون مثل هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريعها؛ لأنها مواضع قطع وسكت فأما في حشو الأبيات فمعدوم غير موجود على حال من الحالات، وقال الزجاج: الذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من حذاقهم أن يقرءوا "الظنونا" ويقفوا على الألف ولا يصلوا، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها في الوقف ما يحذف مثله في الوصل فهؤلاء لا يتبعون المصحف ويكرهون أن يصلوا فيثبتوا الألف؛ لأن الآخر لم يقفوا عليه فيجروه مجرى الفواصل ومثل هذا في كلام العرب في القوافي نحو قوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابنْ
فأثبت الألف؛ لأنها في موضع فاصلة وهي القافية، وأنشد أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
ومن ذلك قول الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا
وقال أبو علي: وجه من أثبت في الوصل أنها في المصحف كذلك وهي رأس آية، ورءوس الآى تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع، فكما شبه: "أَكْرَمَنِ"، "أَهَانَنِ" بالقوافي في حذف الياء منهن نحو:
من حذر الموت أن يأتين ... وإذا ما انتسبت له أتكون
كذلك يشبه هذا في إثبات الألف بالقوافي، أما في الوصل فلا ينون، ويحمل على لغة من لا ينون ذلك إذا وصل في الشعر؛ لأن من لا ينون أكثر، قال أبو الحسن: وهي لغة أهل الحجاز فأما من طرح الألف في الوصل فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك في القوافي وليس رءوس الآي بقوافٍ، فيحذف في الوصل كما يحذف غيرها فما يثبت في الوقف نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه.
[1]سورة الرحمن، آية: 29.
[2]آية: 9.
[3]الآية: 16.
قال: وهذا إذا أثبت في الخط فينبغي أن لا تحذف هاء الوقف من: "حِسَابِيَهْ" و"كِتَابِيَهْ"، وأن يجري مجرى الموقوف عليه فهو وجه، وإذا ثبت ذلك في القوافي في الوصل فشأنه في الفواصل حسن.
قال غيره: أما من قرأ بغير ألف فهو الأصل المشتهر في كلامهم تقول: رأيت الرجل بإسكان اللام، ومن العرب من يجري القوافي في الإنشاد مجرى الكلام الموزون، فيقول:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... واسئل بمصقلة البكري ما فعل
فإذا كانوا يجرون القوافي مجرى الكلام غير الموزون فلأن يتركوا الكلام غير الموزون على حالته ولم يشبهوه بالموزون أولى والله أعلم.
970-
مَقَامَ لِحَفْصٍ ضُمَّ وَالثانِ "عَمَّ" فِي الدْ ... دُخَانِ وَآتَوْهَا عَلَى الْمَدِّ "ذُ"و "حُـ"ـلا
يريد: {لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} والثاني في الدخان: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}[1]، والأول فيها لا خلاف في فتحه وهو: {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}[2].
كما أجمعوا على فتح: {مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ} ، وقد سبق في مريم الكلام على القراءتين وإن المفتوح موضع القيام والمضموم بمعنى الإقامة وأراد ضم الميم الأولى ولا جائز أن تحمل على الميم الثانية لوجهين؛ أحدهما: أن ذلك في الميم الثانية لو كان لعبر عنه بالرفع لا بالضم؛ لأنها حركة إعراب:
والثاني: لو أريد ذلك لذكر معه التنوين؛ لأنه من باب: وبالرفع نونه: {فَلا رَفَثَ} ، {وَلا بَيْعٌ} نونه: {وَلا خُلَّةٌ} ، {وَلا شَفَاعَةٌ} وارفعهن،، أما "لآتوها" بالمد فإنه بمعنى أعطوها؛ أي: أجابوا إلى ما سئلوه، و"أتوها" بالقصر بمعنى فعلوها وجاءوها يقال أثبت الخبر إذا فعلته، والمعنى ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها، واختار أبو عبيد قراءة المد، وقال: قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألهم المشركون ففي هذا اعتبار للمد في قوله: "لَآتَوْهَا" بمعنى أعطوها.
قال أبو علي: ومما يحسن المد قوله: "سُئِلُوا" والإعطاء مع السؤال حسن، والمعنى: لو قيل لهم: كونوا على المسلمين مع المشركين لفعلوا ذلك وحلا في آخر البيت مصدر مفتوح الحاء وليس بفعل ماضٍ.
حكى الشيخ في شرحه عن الناظم -رحمهما الله: يقال ذو حلا؛ أي: ذو حسن من حلى في عينه وصده يحلى، قال: ويقال أيضا: حلى بالشيء؛ أي: ظفر به يحلى، وقد قال ابن ولاد: إن حلا لا يعرف؛ يعني: أن المصدر المعروف من هذين الفعلين إنما هو حلاوة.
[1]آية: 51.
[2]سورة الدخان آية: 26.
قال الشيخ: ويجوز أن يكون ذو بمعنى الذي؛ أي: على المد الذي حلا كقول الطائي:
وبئري ذو حفرت وذو طويت
قلت: وكأنه أشار بقوله: حلا إلى ما ذكره أبو عبيد وأبو علي:
971-
وَفِي الكُلِّ ضَمُّ الكَسْرِ فِي أُسْوَةٍ "نَـ"ـدىً ... وَقَصْرُ "كِـ"ـفًا "حَـ"ـقٍّ يُضَاعَفْ مُثَقَّلا
الضم والكسر في أسوة لغتان، ومثله قدوة وعدوة بضم القاف والعين وكسرهما وقوله: في الكل؛ يعني: هنا وفي الممتحنة موضعان، ويجوز ضم الكسر على الأمر وضم الكسر على الابتداء ويضاعف مبتدأ وقصر كِفًا حقّ خبره، ومثقلا حال منه؛ أي: يضعف لها العذاب بالقصر مع تشديد العين، وقد تقدم في سورة البقرة أن ضاعف وضعف لغتان، فابن كثير وابن عامر قرأ من لغة ضعف هناك وهنا وأبو عمرو شدد هنا دون ثَم والباقون قرأوا من لغة ضاعف في الموضعين والله أعلم.
قال أبو عبيد: كان أبو عمرو يقرأ هذه وحدها يضعف مشددة بغير ألف لقوله: "ضِعْفَيْنِ"، وقال ما كان أضعافا كثيرة فإنه يضاعف وما كان ضعفين فإنه يضعف.
قال أبو عبيد: لا نعلم بين ما فرق أبو عمرو فرقًا.
972-
وَبِاليَا وَفَتْحِ العَيْنِ رَفْعُ العَذَابِ "حِصْـ ... ـنُ" حُسْنٍ وَتَعْمَلْ نُؤْتِ بِاليَاءِ "شَـ"ـمْلَلا
الواو في وبالياء فاصلة؛ لأن هذه مسألة غير المتقدمة وإن كان الجميع متعلقا بكلام واحد فالذي تقدم بيان الخلاف في القصر والتشدي، وهذا بيان قراءة من يقرأ بالياء وفتح العين، ورفع العذاب وضدها وهي القراءة بالنون وكسر العين ونصب العذاب، فكأنه قال: ويضاعف بالياء وفتح العين على ما لم يسمَّ فاعله، ورفع العذاب؛ لأنه مفعول ما لم يسم فاعله، فأسقط حرف العطف من "ورفع العذاب" ضرورة للعلم به، وقوله: حصن حسن؛ أي: رمز ذلك وهو خبر المبتدأ المقدر، وهو يضاعف وما عطف عليه وهو رفع العذاب؛ أي: المجموع حصن حسن، فاجتمع أبو عمرو مع حصن في الياء وفتح العين وخالفهم في المد فقرءوا: "يضاعف"، وقرأ هو وحده: "يضعف"، وكلا الفعلين لما لم يسم فاعله فاتفق معهم على رفع العذاب فبقي ابن كثير وابن عامر على النون وكسر العين على بناء الفعل للفاعل فلزم نصب العذاب؛ لأنه مفعوله والنون للعظمة هما من أهل القصر والتشديد، فقرآ: "نضعف لها العذاب" والقراءات ههنا ثلاث، ووجوهها ظاهرة إنما كان مشكلا استخراجها من هذا النظم وقد سهله الله تعالى فاتضح ولله الحمد.
قوله: ويعمل يؤت أراد: "ويعمل صالحا يؤتها" قرأهما حمزة والكسائي بالياء أما الياء في يعمل "فعطف على "يقنت" وأجمعوا في يقنت على لفظ التذكير ردا على لفظ من فكذا ما عطف عليه وهو "يعمل" وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث ردا على معنى من؛ لأنها عبارة عن النساء ولهذا رجعت الضمائر بلفظ التأنيث في "نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها"، أما الياء في "يؤتها" فلله تعالى، وقرأ الباقون بالنون للعظمة فقول الناظم: بالياء تقييد لقوله: "يؤت"؛ ليكون النون للباقين؛ لأنها أخت الياء في اصطلاحه ولا تكون تقييد ليعمل أيضا وإن
كان صحيحا من حيث المعنى واللفظ فإنها بالياء أيضا ولكن امتنع ذلك خوفا من اختلال القراءة الأخرى فإنها ليست بالنون فلا يكون هذا إلى من باب التذكير والتأنيث فيكون قوله: ويعطل مطلقا من غير تقييد؛ ليدل إطلاقه له على أنه أراد به التذكير فيأخذ للباقين ضده وهو التأنيث، وشمللا خبر عن يعمل ويؤتِ على حذف حرف العطف.
973-
وَقَرْنَ افْتَحِ "ا"ذْ نَصُّوا يَكُونَ "لَـ"ـهُ "ثَـ"ـوى ... يَحِلُّ سِوَى البَصْرِي وَخَاتِمَ وُكِّلا
يريد افتح القاف من: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ، والباقون بكسرها وكلاهما فعل أمر لجماعة النساء فالمفتوح من قررت بالمكان أقر بكسر الراء في الماضي وفتحها في المضارع في قول من أجاز ذلك ونظيره عض من عضضت وقيل: من قار يقار إذا اجتمع فيكون مثل خفن الله؛ أي: اجتمعن في بيوتكن، والمكسور من قررت بالمكان أقر بفتح الراء في الماضي وكسرها في المضارع وهي اللغة المعروفة في قررت بالمكان فيكون مثل جدن في الأمر من جددت فيه أو من وقر يقر فيكون مثل عدن من وعد، فإن أخذنا ذلك من قررت بفتح فاء وكسرها فتكون عين الفعل حذفت؛ لأنه ألقيت حركتها على الفاء، فحذفت؛ لالتقاء الساكنين هي ولام الفعل، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بتحريك الفاء، والأصل أقررن بفتح الراء الأولى وكسرها وإن قلنا: إن قرن بالكسر من وقر يقر فالمحذوف فاء الفعل وهي الواو، وإن قلنا: إن قرن بالفتح من قار يقار فالمحذوف عين الفعل وهي واو أيضا وهذا الوجه حكاه الزمخشري عن أبي الفتح الهمداني.
وقال أبو علي: الوجه في "وقرن" بالكسر؛ لأنه يجوز من وجهين لا إشكال في جوازه منهما وهما من القرار والوقار وفتح القاف على ما ذكرت من الخلاف، زعم أبو عثمان أن قررت في المكان لا يجوز، وقد حكى ذلك بعض البغداديين فيجوز الفتح في القاف على هذه اللغة إذا ثبتت، وقال أبو عبيد: والقراءة التي نختارها بكسر القاف فيكون مأخوذا من الوقار، فأما الفتح فإن أشياخنا من أهل العربية كانوا ينكرونه، ويقولون إن كان من الوقار فهو بالكسر على قراءتنا وإن كان من القرار فينبغي أن يكون من أقررنا أو أقررنا قال: وقد وجدناها تخرج في العربية من وجه فيه بعد وهو شبيه بقوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}[1].
وأصلها من المضاعف ظللت قال مكي: وقيل: إن هذه القراءة مشتقة من قررت
به عينا أقر، قال: وليس المعنى على هذا لم يؤمرن أن تقر أعينهن في بيوتهن إنما أمرن بالقرار أو بالوقار في بيوتهن قال: والاختيار كسر القاف؛ لأن عليه المعنى الصحيح.
وأما: {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ، {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} فالتذكير فيهما والتأنيث ظاهران، وأبو عبيد يختار التذكير في هذا ونحوه والثرى بالقصر التراب الندي وبالمد المال الكثير فيجوز أن يكون قصره ضرورة، وقد تقدم أن الناظم يستعير هذه الأشياء ونحوها كناية عن وضوح القراءة وكثرة الحجج لها، وردا لكلام من
[1]سورة الواقعة، آية: 65.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
سورة سبأ وفاطر:
975-
وَعَالِمٍ قُلْ عَلامِ "شَـ"ـاعَ وَرَفْعُ خَفْ ... ضِهِ "عَمَّ" مِنْ رِجْزٍ أِلِيمٍ مَعًا وِلا
أي: قرأه علام وعالم وعلام كلاهما من الصفات كضارب وضراب وفي التشديد مبالغة وفي القرآن "عالم الغيب" في مواضع مجمع عليها، و {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}[1]في المائدة وفي آخر هذه السورة ولم يجئ "علام الغيب" إلا في قراءة حمزة والكسائي ههنا والخفض في عالم وعلام على اتباع "وربي" أو "لله" في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ورفع عالم على المدح؛ أي: هو عالم الغيب أو مبتدأ وخبره: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ} ، و {مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} موضعان هنا وفي الجاثية، والرجز أشد العذاب وسيئه، وقيل: إنه كالرجس بمعنى القذر فهذا فائدة جعل العذاب فيه باعتبار صفته والواو في قوله: ولا ليست فاصلة كالواو في وكلا التي سبق ذكرها، أما أقل ما اتفق له في هذه القصيدة من أمثال هذا نحو وخاتم وكلا وإلياسين بالكسر وصلا فإن الواوات في أوائل هذه الكلم توهم الفصل؛ لأنها كلمات لم تسبق تقييدا بخلاف الواو في قوله:
وبالضم واقصر واكسر التاء فاتلوا
فهذه الكلمات كلها تقييد فلم تضر الواوات في أوائلها ومعنى ولا بكسر الواو متابعة وهو مفعول من أجله من الكلام الذي يأتي بعده؛ أي: رفع متابعة ومن رجز أليم مبتدأ وخبره أول البيت الآتي وهو:
976-
عَلَى رَفْعِ خَفْضِ الْمِيمِ "دَ"لَّ "عَـ"ـلِيمُهُ ... وَنَخْسِفْ نَشَأْ نُسْقِطْ بِها اليَاءُ "شُـ"ـمْلَلا
خفض الميم من: "أَلِيمٌ" على أنه صفة لرجز، ورفعها على أنه نعت لعذاب؛ أي: لهم عذاب أليم من رجز والياء والنون في قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ} ظاهران، معنى شمللا؛ أي: حكم على الياء بالشمول لهذه الثلاثة.
977-
وَفِي الرِّيحُ رَفْعٌ "صَـ"ـحَّ مِنْسَأَتَهْ سُكُو ... نُ هَمْزَتِهِ "مَـ"ـاضٍ وَأَبْدِلْهُ "إِ"ذْ "حَـ"ـلا
يريد: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ" رفع الريح على الابتداء ولسليمان خبره كما يقول لزيد المال والنصب على إضمار: "وسخرنا لسليمان الريح" عطفا على معنى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} ؛ لأن ذلك تسخير لداود -عليه السلام- والمنسأة العصا العظيمة التي تكون مع الراعي على وزن محبرة وأصلها الهمز؛ لأنها من نسأت البعير زجرته وسقته وطردته فهي اسم آلة من ذلك كالمقدحة والمجرفة فقرأتها الجماعة كذلك على الأصل
[1]آية: 116.