سورة يس:
986-
وَتَنْزِيلُ نَصْبُ الرَّفْعِ "كَـ"ـهْفُ "صِـ"ـحابِهِ ... وَخَفِّفْ فَعَزَّزْنا لِشُعْبَةَ مُجْملا
النصب على المصدر؛ أي: نزل الله ذلك تنزيلا؛ يعني: الرسالة إليه التي دل عليها قوله تعالى: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أو يكون تفسيرا للصراط المستقيم، وجعله الزمخشري منصوبا بإضمار أعني، وهو نصب على المدح، ووجه الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف الخبر، قدر أبو علي الأمرين فقال: من رفع فعلى: هو تنزيل العزيز الرحيم، أو: تنزيل العزيز الرحيم هذا، وقال الفراء: القراءة بالنصب يريد: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} تنزيلًا حقا، ومن رفع جعله خبر "إنك" لتنزيل العزيز أو على الاستئناف؛ أي: ذلك تنزيل، وقال أبو عبيد: هي مثل: "صنع الله"، و"صبغة الله"، والرافعون يريدون هنا: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} ومن خفف "فعززنا" فمعناه غلبنا، وهو مطاوع عازني فعززته؛ أي: غالبني فغلبته، ومعناه بالتشديد قوينا، قال أبو عبيد: وهذا أشبه بالمعنى. وقول الناظم محملا؛ أي: معينا على الحمل يقال أحملته؛ أي: أعنته على الحمل فمعناه مكثرا حملة هذه القراءة والله أعلم.
987-
وَمَا عَمِلَتْهُ يَحْذِفُ الْهاءَ "صُحْبَةٌ" ... وَوَالقَمَرَ ارْفَعْهُ "سَما" وَلَقَدْ حَلا
اختلفت المصاحف في إثبات الهاء وحذفها، وهي ضمير راجع إلى "ما" إن كانت بمعنى الذي، وقد أجمع في القرآن على إثبات الهاء في: {كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ}[1]، وعلى حذفها في مواضع: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا}[2]، {وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصطَفَى}[3]، {لَّا مَنْ رَحِمَ}[4].
ويجوز على حذف الهاء أن تكون "ما" مصدرية؛ أي: ومن عمل أيديهم، ويجوز على إثبات الهاء أن تكون "ما" نافية؛ أي: وما عملت أيديهم ذلك، ورفع والقمر ونصبه من باب زيد ضربته وفيه اللغتان وحسن للنصب ما قبله من الجملة الفعلية من قوله: {أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} ، {وَجَعَلْنَا} ، و {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ، فهو مثل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} .
[1]سورة البقرة، آية: 225.
[2]سورة الفرقان، آية: 41.
[3]سورة النمل، آية: 59
[4]سورة هود، آية: 43.
{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا}[1]، {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[2].
أجمعوا على نصب كل ذلك وحسن الرفع أن المعنى: وآية لهم القمر كما قال تعالى قبله: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ} ، و: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} فكذا التقدير: وآية لهم الشمس وآية لهم القمر، فيكون مبتدءا وخبره ما بعده أو ما قبله على اختلاف في ذلك لاحتمال المعنى كلا منه ونستقصي إن شاء الله توجيه ذلك في شرح نظم المفصل في النحو وإلى هذا أشار الناظم بقوله: ولقد حلا، وكذا قال الفراء: الرفع أحب إلي من النصب؛ لأنه قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} ، ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل فهما في مذهبه آيات مثله.
988-
وَخَا يَخْصِمُونَ افْتَحْ "سَمَا لُـ"ـذْ وَأَخْفِ "حُـ"ـلْـ ... ـوَ بَرٍّ وَسَكِّنْهُ وَخَفِّفْ "فَـ"ـتُكْمِلا
قرأ حمزة ما لفظ به الناظم سكن الخاء وخفف الضاد فهي من خصم يخصم إذا غلب في الخصومة؛ أي: يخصم بعضهم بعضا، وقيل: يجوز أن يكون الأصل يختصمون كما هو أصل قراءة غيره فحذف هو التاء وغيره أدغمها في الصاد، فلهذا شددت الصاد ثم لما أدغمت التاء في الصاد اجتمع ساكنان التاء المدغمة والخاء فمنهم من كسر الخاء؛ لالتقاء الساكنين وهم عاصم والكسائي وابن ذكوان، ومنهم من فتح الخاء بنقل حركة التاء المدغمة إليها مثل هذا الاختلاف ما سبق في سورة يونس في قوله تعالى: {أَمَّنْ لا يَهِدِّي}[3]، فعاصم طرد مذهبه في كسر ما قبل التاء المدغمة وزعم الفراء أن الكسر أكثر وأجود وخالفه غيره، وحكى ابن مجاهد وغيره عن أبي بكر كسر التاء في: "يِخِصِّمُونَ" تبعا للخاء كما كسر ياء يهدي وأبو عمرو وقالون أخفيا فتحة الخاء كما أخفيا فتحة الياء في يهدي، ووجه الدلالة على أنه أصل هذا الحرف السكون، وقال صاحب التيسير النص عن قالون الإسكان فيهما، وكذا ذكر ابن مجاهد وغيره وضعف ذلك الحذاق؛ لما فيه من الجمع بين الساكنين، قال الزجاج: هي ردية وكان بعض من روى قراءة أهل المدينة يذهب إلى أن هذا لم يضبط عن أهل المدينة كما لم يضبط عن أبي عمرو: {إِلَى بَارِئِكُمْ}[4].
وإنما زعم أن هذا يختلس فيه الحركة اختلاسا وهي فتحة الخاء والقول كما قال: والقراءة الجيدة بفتح الخاء وكسرها جيد أيضا وقال النحاس: إسكان الخاء لا يجوز؛ لأنه جمع بين الساكنين، وليس الأول حرف مد ولين، وإنما يجوز في هذا إخفاء الحركة فلم يضبط الراوي كما لم يضبط عن أبي عمرو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}[5].
إلا من رواية من يضبط اللغة كما روى سيبويه عنه أنه كان يختلس الحركة.
[1]سورة الذاريات، الآيتان: 47 و48.
[2]سورة النازعات، آية: 30.
[3]آية: 35.
[4]سورة البقرة، آية: 54.
[5]سورة البقرة، آية: 54.
وقال بعض المتأخرين: ليس هذا بمنكر؛ لأن الساكن الثاني مدغم في حرف آخر والحرفان اللذان أُدغم أحدهما في الآخر يرتفع اللسان عنهما ارتفاعة واحدة فيصيران كحرف واحد متحرك فكأنه لم يلتق ههنا ساكنان.
قلت: هذا خلاف ما يشهد به الخبر لفظا ووزنا في الشعر بل الحرف المشدد حرفان حقيقة ولا يمكن الجمع بين الأول منهما وساكن قبله غير حرف مد، أما قول أبي علي من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان يعلم فساده بغير استدلال فمقابل بمثله وقوله: حلو بر منصوب على الحال من فاعل أخف أو مفعوله؛ أي: أخف الفتحة في حال حلاوتها وبر يجوز بفتح الباء وكسرها وكلاهما له حلاوة شبه بها حلاوة الإخفاء، ولكونه بين المنزلتين دال على كل واحد من الأمرين الحركة والسكون.
989-
وَسَاكِنَ شُغْلٍ ضُمَّ "ذِ"كْرًا وَكَسْرُ فِي ... ظِلالٍ بِضَمٍّ وَاقْصُرِ اللامَ "شُـ"ـلْشُلا
أي: ضم الغين ذا ذكر وضمها وإسكانها لغتان وإذا ضم الكسر من قوله: في ظلال وهو كسر الظاء وقصر اللام؛ أي: لم تشبع فتحها فتصير ألفا وصارت الكلمة في ظلل جمع ظلة كحلة وحلل وظلال جمع ظل كقدح وقداح أو يكون أيضا جمع ظلة كبرمة وبرام، وأجمعوا على أن: {يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ}[1]بالضم والقصر، وعلى: {يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ} بالكسر والمد وشلشلا حال من فاعل اقصر؛ أي: خفيفا.
990-
وَقُلْ جُبُلًا مَعْ كَسْرِ ضَمَّيْهِ ثِقْلُهُ ... "أَ"خُو "نُـ"ـصْرَةٍ وَاضْمُمْ وَسَكِّنْ "كَـ"ـذِي "حَـ"ـلا
أي: مع كسر الجيم والباء ثقل اللام؛ أي: ثقلها، يقال: ثِقَل وثِقْل بسكون القاف وفتحها، وتقدير النظم: ثقله مع كسر ضميه أخو نصرة فهذه قراءة نافع وعاصم جمع جبلة، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بضم الجيم وسكون الباء وهو تخفيف قراءة الباقين بضمهما قال الجوهري: جميع ذلك لغات وهو الجماعة من الناس قيل: جبلا جمع جبيل كرغف ورغيف والجبل الخلق وحلا في آخر البيت بفتح الحاء ومعناه الظفر وهو منصوب، وقد سبق في سورة الأحزاب مثله فمعنى كذى حلا؛ أي: كذي ظفر وهو في موضع الحال من فاعل وسكن.
991-
وَتَنْكُسْهُ فَاضْمُمْهُ وَحَرِّكْ لِعَاصِمٍ ... وَحَمْزَةَ وَاكْسِرْ عَنْهُمَا الضَّمَّ أَثْقَلا
أي: ضم نونه الأولى وافتح الثانية واكسر الكاف وشددها، فيصير "ننكسه" من نكسه مثله كسله وهو
[1]سورة البقرة، آية: 210.
مبالغة في نكسه بالتخفيف وقيل: المخفف أكثر استعمالا وفي المشدد موافقة "نعمره" في اللفظ، وأرادوا كسر ذا الضم وهو الكاف، وأثقلا حال منه بمعنى ثقيلا.
992-
لِيُنْذِرَ "دُ"مْ "غُـ"ـصْنًا وَالَاحْقَافُ هُمْ بِهَا ... بِخُلْفٍ "هَـ"ـدى مَا لِي وَإِنِّي مَعًا حُلا
أي: مشبها غصنا في حملك للعلم المشفع به كما يحمل الغصن الثمر يريد: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} الغيب للقرآن والخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وفي الأحقاف: {لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا}[1].
وقوله: هم بها؛ أي: قرءوا فيها بما قرءوا به هنا وهو الغيب الذي دل عليه إطلاقه للحرف وعدم تقييده، واختلف عن البزي في الأحقاف فقط، ثم ذكر ياءات لإضافة في يس وهي ثلاث: "وَمَا لِي لا أَعْبُدُ" سكنها حمزة وحده. "إِنِّيَ إِذًا لَفِي ضَلالٍ" فتحها نافع وأبو عمرو. و"إِنِّيَ آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ" فتحها الحرميان وأبو عمرو. وفيها زائدة واحدة: "وَلا يُنْقِذُونِي" أثبتها في الوصل ورش وحده. وقلت في ذلك:
ويس زد فيها ولا ينقذون مع ... لتردين فيما فوق صاد تنزلا
[1]آية: 12.
سورة الصافات
...
سورة والصافات:
993-
وَصَفًّا وَزَجْرًا ذِكْرًا ادْغَمَ حَمْزَةٌ ... وَذَرْوًا بِلا رَوْمٍ بِها التَّا فَثَقَّلا
أي: وذكرا فحذف حرف العطف، وذروا عطف عليها أيضا فصل بينهما بقوله: أدغم حمزة وقوله: بلا روم؛ أي: إدغاما محضا بخلاف ما سبق ذكره في مذهب أبي عمرو في الإدغام في شرح قوله: واشمم ورم في غير باء وميمها، وقوله: بها؛ أي: في أوائل هذه الكلمات الأربع التاء مفعول أدغم؛ أي: أدغم حمزة التاء الموجودة قبل كل واحد من هذه الألفاظ في هذه الألفاظ في أوائلها فثقل؛ أي: فشدد؛ لأن الإدغام يوجب ذلك أراد إدغام: "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا"، "فَالزَّاجِرَات زَّجْرًا"، "فَالتَّالِيَات ذِّكْرًا" هذه الثلاثة هنا، والرابعة: "وَالذَّارِيَات ذَّرْوًا"[1].
فإن قلتَ: ما للناظم لم يذكر أبا عمرو مع حمزة في إدغام هذه المواضع وهو مشاركه في هذا المذهب وتقدم ذكر باب الإدغام لأبي عمرو وغير مانع له من ذلك كما ذكره معه في قوله: إدغام بيت في حلا وقد تقدم في سورة النساء؟
قلتُ: مذهب أبي عمرو في الإدغام غير مذهب حمزة، وذلك أن المنقول عن أبي عمرو أنه كان يفعل ذلك عند الإدراج والتخفيف وترك الهمز الساكن فإذا همز أو حقق لم يدغم من الحروف المتحركة شيئا إلا: "بَيَّت طَّائِفَةٌ"[2]، فلما كان يدغم: بَيَّت طَّائِفَةٌ" مطلقا أشبه ذلك مذهب حمزة فذكره معه فيها ولما كان أمره في: "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا" على خلاف ذلك لم يذكره معه، ولهذا قال ابن مجاهد: قرأ أبو عمرو، وإذا أدغم وحمزة على كل حال: "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا" فقيد ذكر أبي عمرو بقوله: إذا أدغم، وقال في حمزة على كل حال وترك الإدغام هو المختار في ذلك قال الفراء: كان ابن مسعود يدغم التاء من: "والصافات"، "فالزاجرات"، "فالتاليات"، والتبيان أجود؛ لأن القراءة ثبتت على التمكين والتفصيل والبيان، وقال أبو عبيد: وكان الأعمش يدغمهن والقراءة التي نختارها هي الأولى بالتحقيق والبيان على ما ذكرنا من مذهبنا في جميع القرآن إلا ما ان يخالف الخط ويخرج من لغات العرب، وقال النحاس: وهذه القراءة التي نَفِر منها أحمد بن حنبل لما سمعها؛ يعني: الإدغام والله أعلم.
994-
وَخَلادُهُمْ بِالْخُلْفِ فَالْمُلْقِياتِ فَالْـ ... ـمُغِيرَاتِ فِي ذِكْرًا وَصُبْحًا فَحَصِّلا
أي: وأدغم خلاد بخلاف عنه: "فَالْمُلْقِيَاتِ" في سورة: "وَالْمُرْسَلاتِ" في ذال ذكر وتاء: "فَالْمُغِيرَاتِ" في
[1]سورة الذاريات، آية: 1.
[2]سورة النساء، آية: 81.
سورة: "وَالْعَادِيَاتِ" في صاد: "صُبْحًا"، وزاد أبو عمرو في مذهب الإدغام على ذلك إدغام: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} ، وإدغام: "وَالسَّابِحَات سَبْحًا، فَالسَّابِقَات سَبْقًا" في سورة والنازعات، وابن مجاهد وغيره من أكابر المصنفين لم يذكروا لحمزة إدغاما إلا في الكلمات الأربع المتقدمة، ولم يذكر أبو عبيد سوى الثلاث التي في الصافات، أما هذا المذكور عن خلاد في إدغام هذين الموضعين فقريب، وعنى به قول صاحب التيسير: واقرأني أبو الفتح في رواية خلاد: "فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا"، "فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا" بالإدغام أيضا من غير إشارة، وذكر في غير التيسير أن حمزة لم يدغم إلا الأربعة الأول.
قال الشيخ: وكذا ذكر ابن غلبون وغيره، ولم يذكر أبو الفتح في كتابه إلا المواضع الأربعة عن حمزة والفاء في فحصلا ليست برمز؛ لأنه قصد صرح أولا بالقارئ وهو خلاد.
فإن قلت: يحتمل أنه أراد الخلف عن خلاد في المواضع المتقدمة كما قال في آخر يس: بخلف هدى، ويكون إدغام هذين الموضعين لحمزة.
قلت: يمنع من ذلك أن الواو في: وخلادهم فاصلة.
فإن قلت: قد جاء أشياء على هذه الصورة والخلف لما مضى نحو: وقالون ذو خلف، ووجهان فيه لابن ذكوان ههنا وخلف فيهما مع مضمر مصيب.
قلت: قوله: فيه وفيهما بيان لموضع الخلاف والواو بعد ذلك فاصلة أيضا في المواضع الثلاثة المذكورة.
995-
بِزِينَةِ نَوِّنْ "فِـ"ـى "نَـ"ـدٍ وَالْكَوَاكِبِ انْـ ... ـصِبُوا "صَـ"ـفْوَةً يَسَّمَّعُونَ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا
أي: كائنا في مكان ندٍ، وفي بعض النسخ: في ندا بزيادة ألف؛ أي: كائنا في ندا وهو الكرم، وأشار بذلك إلى وجوه هذه القراءة، وصفوة: حال من الكواكب أو من المخاطبين وهو جمع صفي مثل صبي وصبية شذا حال من فاعل علا أو هو مفعول به؛ أي: علاه نحو: علا زيدنا يوم النقا زيدكم.
وهو تمييز مقدم على عامله على رأي من جوز ذلك؛ أي: على شذاه؛ أي: طيبه والقراءات في: "بزينة الكواكب" ثلاث؛ قرأ حمزة وحفص بتنوين زينة وخفض الكواكب، وأبو بكر بتنوين زينة ونصب الكواكب والباقون بإضافة زينة إلى الكواكب والزينة مصدر كالنسبة واسم لما يتزين به كما قوله سبحانه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[1]، ويحتمل الأمرين: قراءة الإضافة فإن فسر بالمصدر كان مضافا إلى فاعله، أو مفعوله؛ أي: بأن زانتها الكواكب أو بأن زان الله الكواكب وحسنها؛ لأنها إنما زينت السماء؛ لحسنها هي في أنفسها وإن فسر الزينة بالاسم فالإضافة للبيان نحو خاتم حديد؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها فما يزان به أو يراد بما زينت به الكواكب؛ أي: بحليتها، وهو ضوءها وأشكالها المختلفة كالثريا والجوزاء وبنات نعش وأما
[1]سورة الكهف، آية: 46.
قراءة التنوين وجر الكواكب، فالكواكب عطف بيان أو بدل، والزينة فيها اسم لما يتزين به ونكر للتعظيم؛ أي: بزينة لها شأن عظيم ثم بينها بما هو مشاهد معلوم حسنه وزينه فقال: الكواكب، وقيل: يجوز على هذه القراءة أن تكون الزينة مصدرا وتجعل الكواكب بزينة مبالغة أو على تقدير زينة الكواكب فحذف المضاف، أما القراءة بنصب الكواكب مع التنوين فالزينة فيها مصدر، والكواكب مفعول به، وجوز الزجاج وغيره أن يكون بدلا من موضع بزينة وقيل: هو منصوب بإضمار أعني بعد التنكير المشعر بالتعظيم، فعلى هذين القولين يجوز أن تكون الزينة اسما لا مصدرا، ويجوز أن تكون مصدرا على المبالغة إن قلنا الكواكب بدلا من الموضع، وعلى تقدير: أعني زينة الكواكب إن قلنا: هو منصوب بإضمار أعني، وجوز الشيخ أبو عمرو أن تكون الكواكب بدلا من السماء بدل الاشتمال قال كأنه قيل: إنا زينا الكواكب في السماء الدنيا بزينة فيكون الزينة مصدرا، قال الزجاج: بزينة الكواكب؛ يعني: بتنوين زينة ورفع الكواكب قال: ولا أعلم أحدا قرأ بها فلا تقرأن بها إلا أن تثبت رواية صحيحة؛ لأن القراءة سنة، والرفع في الكواكب على معنى: إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب أو بأن زينت الكواكب.
قال النحاس: هو على ما حكى النحويون: عجبت من قراءة في الحمامِ القرآنَ بمعنى: إن قرئ، أما: {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى} فنشرحها في البيت الآتي، وهو:
996-
بِثِقْلَيْهِ وَاضْمُمْ تَا عَجِبْتَ "شَـ"ـذًا وَسَا ... كِنٌ مَعًا اوْ آبَاؤُنَا "كَـ"ـيْفَ "بَـ"ـلَّلا
أي: على بثقليه أراد تشديد السين والميم على ما لفظ به وأصله يتسمعون فأدغمت التاء في السين وقراءة الباقين: "لا يَسْمَعُونَ" من سمع إليه إذا أصغى مع الإدراك ولم ينبه على إسكان السين؛ لظهوره وإلا فلا يلزم من ضد النقل الإسكان بل يكفي ترك النقل، وذلك يكون تارة مع حركة كما في الميم وتارة مع سكون، واختار أبو عبيد قراءة التشديد؛ لأجل تعدية الفعل بإلى، وإنما عُدِّيَ بها على قراءة التخفيف؛ لتضمين الفعل معنى الإصغاء. قوله: واضمم تاء عجبت شذا؛ أي: ذا شذا فهو حال من الفاعل أو المفعول، وإضافة العجب إلى الله تعالى، وكذا سائر ما أضيف إليه مما لا يصح إنصافه بأعيانه المراد منه لوازمه وثمراته، فالمعنى هنا أن حال هؤلاء انتهت في القبح إلى حد يتعجب منه تعجب الإفكار والذم، وذكر أبو عبيد أنها قراءة ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن مقفل وإبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش -رضي الله عنهم- ويشهد لها: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ} ، فأخبر الله جل جلاله أنه عجب، والحديث المرفوع: "لقد عجب الله البارحة من فلان".
قلت: وفي حديث آخر: "يعجب ربكم من إلكم[1]وقنوطكم".
واختار أبو عبيد قراءة الرفع، وقال الفراء: الرفع أحب إلينا؛ لأنها قراءة علي وعبد الله وابن عباس -رضي الله عنهم- قال: والعجب وإن أسند إلى الله تعالى فليس معناه منه كمعناه من العباد كما أنه قال:
[1]قوله: إلكم؛ الإل: أشد القنوط، وقيل: هو الصوت بالبكاء. اهـ خطيب.
{سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}[1]. {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}[2].
وعجبت بالفتح خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقيل: التقدير في الضم: قل يا محمد: بل عجبت، أما: {أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} هنا وفي الواقعة وإلى ذلك الإشارة بقوله: معا فإسكان الواو وفتحها كما مضى في: {أَوَأَمِنَ}[3]في سورة الأعراف، وتقدير النظم: أوآباؤنا ساكن معا فالواو للعطف نحو: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ}[4].
قال الشيخ: ومعنى كيف بللا؛ أي: على تبليله وقلته؛ أي: لم يقرأ به سوى ابن عامر وقالون.
997-
وَفِي يُنْزَفُونَ الزَّايَ فَاكْسِرْ "شَـ"ـذًا وَقُلْ ... في الُاخْرى "ثَـ"ـوى وَاضْمُمْ يَزِفُّونَ "فَـ"ـاكْمُلا
هو بكسر الزاي من أنزف إذا سكر وذهب عقله. كما قال: لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم، أو من أنزف إذا نفد شرابه وبفتح الزاي بني الفعل لما لم يسم فاعله وليس هو الفعل المذكور فإنه لازم ولكن يقال نزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر، وعنى بالأخرى التي في الواقعة ثم قال: واضمم يزفون؛ يعني: ضم الياء لحمزة وافتحها لغيره ولا خلاف في كسر الزاي والخلاف الذي مضى في ينزفون في الزاي فتحا وكسرا ولا خلاف في ضم الياء أراد: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} ، ومعناه بفتح الياء يسرعون من زف الظليم والبعير يزف زفيفا، ويزفون بالضم يصيرون إلى الزفيف أو من أزف غيره إذا حمله على الزفيف، والألف في قوله: فأكملا كالألف السابقة في فحصلا كلاهما بدل من نون التأكيد الخفيفة، وقد سبق مثله مرارا.
998-
وَمَاذَا تُرِى بِالضَّمِّ وَالكَسْر "شَـ"ـائِعٌ ... وَإِلْيَاسَ حَذْفُ الْهَمْزِ بِالْخُلْفِ "مُـ"ثِّلا
أي: قرأ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء من غير لفظ إمالة على وزن رمى ودعى لفظا، ومعناه ماذا تظهر من الإذعان والانقياد لأمر الله تعالى، وقراءة الباقين بفتح التاء والراء وهو من الرأي اختبروا رأيه في ذلك، فوجد كما يحب -صلى الله عليه وسلم- وأمال الراء أبو عمرو على أصله وورش بين اللفظين، وإلياس سريانيّ تكلمت به العرب على وجوه كما فعلوا في جبريل وميكال فقالوا إلياسين كجبرائيل وإلياس كإسحاق، ووصلوا همزته كأنه في الأصل ياس دخلته آلة التعريف وموضع هذا الخلاف: "وَإِنَّ الْيَاسَ" وصل همزته ابن ذكوان وقطعها غيره.
[1]سورة التوبة، آية: 79.
[2]سورة البقرة، آية: 15.
[3]سورة الأعراف، آية: 98.
[4]سورة الأعراف، آية: 63، 69.