سورة الواقعة والحديد:
1059-
وَحُورٌ وَعِينٌ خَفْضُ رَفْعِهِمَا "شَـ"ـفا ... وَعُرْبًا سُكُونُ الضَّمِّ "صُـ"ـحِّحَ "فَـ"ـعْتَلَى
الخفض عطف على: "فاكهة"، "ولحم طير" من باب تقلدت بالسيف والرمح؛ أي: إنهم جامعون بين هذه الأشياء، وفاكهة ولحم طير معطوفان إما على أكواب وإما على جنات النعيم، فإن كانا على أكواب فالمعنى أنه ينعمون بحور عين كما نعموا بما قبله وإن كانا على جنات فالمعنى أنهم في مقارنة بحور عين أو معاشرة حور عين، أما وجه الرفع فعلى تقدير ولهم حور عين أو وفيها حور عين أو عطف على ولدان، وجوز أبو علي أن تكون عطفا على الضمير في متقابلين ولم يؤكد لطول الفصل، وجوز أيضا أن تكون على تقدير وعلى سرر موضونة حور عين، أما عربا فضم الراء وإسكانها لغتان، وسبق لها نظائر مثل نذرا ونذرا وهو جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها.
1060-
وَخِفُّ قَدَرْنا "دَ"ارَ وَانْضَمَّ شُرْبَ "فِـ"ـى ... نَدَى الصَّفْوِ وَاسْتِفْهَامُ إِنَّا "صَـ"ـفَا وِلا
يعني: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} التخفيف والتشديد في قدرنا لغتان وقد سبق ذلك في سورة الحجرات وشرب الهيم بضم الشين وفتحها مصدر شربت الإبل، وقيل: الضم الاسم كالشغل والفتح المصدر وجاء المفتوح جمع شارب كركب وصحب في غير هذا الموضع وقوله تعالى: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} على الخبر قرأه شعبة بزيادة مزة الاستفهام الذي بمعنى التقدير: وقوله: صفا ولا؛ أي: شديد متابعة أوصاف متابعته أو هو صفا ذا ولاء؛ أي: متابعة فنصبه على الحال، وعلى الأول تمييز وصفا بمعنى شديد مقصور والذي بمعنى صاف ممدود فقصر، ضرورة فإن كان من الصفاء الممدود فالتقدير: الاستفهام ذو صفا وإن كان مقصورا فالتقدير: مشبه صفا في قوته.
1061-
بِمَوْقِعِ بِالإِسْكانِ وَالقَصْرِ "شَـ"ـائِعٌ ... وَقَدْ أَخَذَ اضْمُمْ وَاكْسِرِ الْخَاءَ "حُـ"ـوَّلا
يعني إسكان الواو وحذف الألف بعدها من قوله سبحانه: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} فهو من باب الإفراد والجمع وقد سبق لهما نظائر، وتم الكلام في حروف سورة الواقعة ثم شرع في سورة الحديد قرأ أبو عمرو وحده: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} على بناء الفعل للمفعول والباقون بفتح الهمزة والخاء على بنائه للفاعل وهو الله تعالى، وحولا حال وهو العالم بتحول الأمور.
1062-
ومِيثَاقُكُمْ عَنْهُ وَكُلٌّ "كَـ"ـفَى وَأَنْـ ... ـظِرُونا بِقَطْعٍ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "فَـ"ـيْصَلا
عنه؛ أي: عن أبي عمرو ورفع القاف من ميثاقكم؛ لأنه مفعول أخذ الذي لم يسم فاعله ونصبه غيره؛ لأنه مفعول أخذ المسمى للفاعل، أما: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} فرفعه على الابتداء كبيت الكتاب كله لم أصنع، وكتب كذلك في مصحف الشام وهو في الأصل مفعول وعد ولكن إذا تقدم المفعول على الفعل ضعف عمله فيه فيجوز رفعه وقراءة الجماعة بالنصب على الأصل وقد أجمعوا على نصب الذي في سورة النساء، أما: "أَنْظِرُونَا نَقْتَبِسْ" بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الظاء قراءة حمزة وحده فبمعنى أمهلونا؛ أي: ارفقوا بنا كي ندرككم، وقراءة الباقين بوصل الهمزة وضم الظاء بمعنى انتظرونا أو التفتوا إلينا يقال: نظرته إذا نتظرته وأنظرته إذا أخرته وأمهلته، وفيصلا حال بمعنى حاكما.
1063-
وَيؤْخَذُ غَيْرُ الشَّامِ مَا نَزَلَ الْخَفِيـ ... ـفُ "إِ"ذْ "عَـ"ـزّ وَالصَّادَانِ مِنْ بَعْدُ "دُ"مْ "صِـ"ـلا
يريد: {لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} قراءة الجماعة بالتذكير؛ لأن تأنيث الفدية غير حقيقي، وأنث ابن عامر على اللفظ: {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} بالتخفيف والتشديد ظاهران؛ لأن ما نزله الله فقد نزل هو ومعنى إذا عز؛ أي: هذا قليل في الكتاب العزيز نحو: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} والأكثر ذكر التنزيل والإنزال مسند إلى اسم الله تعالى وقوله: ما نزل مبتدأ والخفيف خبره، وقوله: ويؤخذ غير الشام على تقدير تذكير يؤخذ قراءة غير أهل الشام فحذفت هذه المضافات للعلم بها، ثم قال: والصادان من بعد؛ أي: من بعد ما نزل يريد الصادين من قوله: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} ؛ أي: والصادان كذلك يريد بالتخفيف لابن كثير وأبي بكر وهما بالتخفيف بمعنى الذين صدقوا الله ورسوله والتشديد بمعنى المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد فهو مثل المزمل والمدثر وروى عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- إظهار التاء فيهما، وقوله: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ} عطف على الفعل المفهوم من هذا اللفظ تقديره إن الذين صدقوا أو اصدقوا وأقرضوا فمعناه على التخفيف إن الذين آمنوا وعملوا هذا النوع من الخير وهو الإقراض الحسن ومعناه على التشديد إن الذين تصدقوا، وكان إقراضهم لله تعالى على الوجه الأحسن وهو من أطيب الكسب صادرا عن نية خالصة ومقصد صالح وقوله: دم صلا؛ أي: ذا صلاء والصلاء عبر به عن الذكاء وعن القرى بالعلم وقد سبق تحقيق المعنيين من هذا اللفظ.
1064-
وَآتَاكُمْ فَاقْصُرْ "حَـ"ـفِيظًا وَقُلْ هُوَ الْـ ... ـغَنِيُّ هُوَ احْذِفْ "عَمَّ" وَصْلًا مُوَصَّلا
يريد: {وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} القصر بمعنى جاءكم والمد بمعنى أعطاكم الله، واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو؛ لموافقته لقوله: فاتكم ولم يقل أفاتكم ووجه المد إضافة الخبر إليه دون ضده كما قال: {بِيَدِهِ الْخَيْرُ} وقوله: ولا تفرحوا استئناف نهي وقيل: عطف على: {لِكَيْلا تَأْسَوْا} والأول أجود أما: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} فاحذف لفظ هو في قراءة نافع وابن عامر كما هو محذوف في مصاحف المدينة والشام وأثبته غيرهما كما هو ثابت في مصاحفهم ولا خلاف في إثبات الذي في سورة الممتحنة وهو مثل هذا وهو في هذين الموضعين للفصل فحذفه غير مخل بأصل المعنى وقوله: وصلا نصب على التمييز وموصلا نعته؛ أي: عم وصله الموصل إلينا؛ أي: عم نقله وخبره، فذكره الأئمة في كتبهم.
من سورة المجادلة إلى سورة ن:
كان ينبغي أن يقول: سورة المجادلة والحشر، ثم يقول: ومن سورة الممتحنة إلى سورة الطلاق، ثم يقول: سورة الطلاق والتحريم والملك، فكانت تنقسم الجملة التي ذكرها ثلاثة أقسام؛ لأنها منفصلة في المواضع التي ذكرتها على ما نظمه، والله أعلم.
1065-
وَفي يَتَنَاجَوْنَ اقْصُرِ النُّونَ سَاكِنًا ... وَقَدِّمْهُ وَاضْمُمْ جِيمَهُ "فَـ"ـتُكَمِّلا
أراد بقصر النون حذف الألف التي بعدها في حال سكونه النون وتقديمه على التاء فإذا فصلت ذلك وضممت الجيم صار ينتجون على وزن يذهبون، هذه قراءة حمزة، وقراءة الباقين ما لفظ به، وأصلهما يفتعلون ويتفاعلون على وزن يختصمون ويتخاصمون فحذفت لام الكلمة منهما؛ لأنها في يتناجون ياء تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم حذفت للساكن بعدها وفعل في يتناجون ما فعل في قاضون فقيل: ينتجون كما قيل: قاضون ومعنى القراءتين واحد إلا أن يتناجون موافق لقوله تعالى: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا} و {تَنَاجَوْا بِالْبِرِّ} قال أبو علي: يفتعلون ويتفاعلون يجريان مجرى واحدًا.
1066-
وَكَسْرُ انْشِزُوا فَاضْمُمْ مَعًا "صَـ"ـفْوَ خُلْفِهِ ... "عُـ"ـلًا "عَـ"ـمَّ وَامْدُدْ فِي المَجَالِسِ "نَـ"ـوْفَلا
يريد: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} كسر الشين فيهما وضمها لغتان يقال نشز ينشز؛ أي: انهضوا وهمزة انشزوا همزة وصل إذا ابتدئ بها حركت بحركة الشين وصفو خلفه مبتدأ وخبره علا عم والتوحيد والجمع في المجالس والمجلس ظاهران والنوفل الكثير العطا.
1067-
وَفي رُسُلِي اليَا يُخْرِبُونَ الثَّقيل "حُـ"ـزْ ... وَمَعْ دُوَلَةً أَنِّث يَكُونُ بِخُلْفِ "لَـ"ـا
يريد ياء الإضافة في قوله تعالى: "وَرُسُلِيَ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" فتحها نافع وابن عامر وانتهى الكلام في سورة المجادلة.
أما: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} فالتخفيف فيها والتشديد لغتان من أخرب وخرب مثل أنزل ونزل، وقيل: الإخراب أن تترك الموضع ربا والتخريب الهدم، وقيل: معنى التخفيف أنهم يعطلونها ويعرضونها للخراب بخروجه منها ويخربون مفعول خرب الثقيل: نعته ثم قال ومع دولة؛ أي: ومع رفع دولة أنث تكون التي قبله بخلف عن هشام يريد: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً} ، والذي في كتابي التيسير والتبصرة لمكي أن هشاما رفع دولة، واختلف عنه في تأنيث يكون وتذكيره والذي ذكره أبو الفتح فارس أن الخلاف في الموضعين أحد الوجهين مثل قراءة الجماعة بتذكير يكون ونصب دولة، وهو قول صاحب الروضة، والثاني تأنيث تكون ورفع دولة وهو الذي ذكره طاهر بن غلبون وأبوه ولم يذكر المهدوي وابن شريح لهشام إلا رفع دولة ولم يتعرضا للخلاف في يكون وابن مجاهد وغيره لم يذكروا الخلاف في الكلمتين أصلا وتوجيه هذه القراءات ظاهر
من رفع دولة جعل كان تامة ومن نصب قدر كيلا يكون الفيء دولة؛ أي: يتداوله الأغنياء بينهم مختصين به دون الفقراء، وتأنيث دولة ليس بحقيقي فجاز تذكير يكون المسند إليها، وذكر الأهوازي في بعض الروايات فتح الدال والمشهور ضمها بلا خلاف، وحكى أبو عبيد فتح الدال عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ولا نعلم أحدا فتحها، قال: والفرق بين الضم والفتح أن الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه والدولة بالفتح الفعل، وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم -رحمه الله- قوله: بخلف لا أراد لائيا؛ أي: مبطئا وجاء هذا من اللأى قال الشيخ: وسألته عن قوله: بخلف لا، فقال: إن شئت قلت سمي بلا النافية؛ لأنه قد أثبت التأنيث ونافية يثبت التذكير وإن شئت قلت بخلف لاء اسم فاعل من لاء إذا أبطأ؛ لأن التذكير عن هشام أقل من الرواية من التأنيث، ولأنه لا فصل هنا فيحسن من جهة العربية، قلت: يقال: لأى لأيا مثل رمى رميا؛ أي: أبطأ واللأي مثله فاسم الفاعل من لأى لاءٍ مثل رامٍ وقاضٍ والوقف عليه كالوقف على ماء والله أعلم.
1068-
وَكَسْرَ جِدَارٍ ضُمَّ وَالفَتْحَ وَاقْصُرُوا ... "ذَ"وِي "أُ"سْوَةٍ إِنِّي بَياءِ تَوَصَّلا
يجوز في وكسر الرفع على الابتداء وخبره ضم إن كان فعل ما لم يسم فاعله، وإن كان فعل أمر فالنصب في وكسر؛ لأنه مفعول والفتح عطف عليه رفعا ونصبا؛ أي: ضم الجيم والدال واحذف الألف فيصير جدر وهو جمع جدار وهو كما سبق في المواضع المختلف فيها في إفرادها وجمعها وذوي أسوة حال من فاعل اقصروا؛ أي: متأسين بمن سبق من القراء، ثم ذكر ياء الإضافة في الحشر وهي: "إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ" فتحها الحرميان وأبو عمرو.
ثم ذكر حروف سورة الممتحنة فقال:
1069-
وَيُفْصَلُ فَتْحُ الضَّمِّ "نَـ"ـصٌّ وَصَادُهُ ... بِكَسْرٍ "ثَـ"ـوى وَالثِّقْلُ شَافِيهِ كُمِّلا
يعني: {يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} قرأ عاصم بفصل مضارع فصل بالتخفيف على بناء الفعل للفاعل، ومثله قراءة حمزة والكسائي إلا أنه مضارع فصل بالتشديد، وقرأ الباقون على بناء الفعل للمفعول وخففوا الصاد المفتوحة سوى ابن عامر فإنه شددها ولم ينبه الناظم على فتح الفاء لمن قرأ بالتشديد؛ لأن التشديد يرشد إليه ووجه هذه القراءات ظاهر.
1070-
وَفى تُمْسِكُوا ثِقْلٌ "حَـ"ـلا وَمُتِمُّ لا ... تُنَوِّنْهُ وَاخْفِضْ نُورَهُ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذًا "دَ"لا
أمسك ومسك من باب أنزل ونزل، ويشهد لقراءة أبي عمرو: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} شددها الأكثر ومتم نوره في سورة الصف من نون ونصب نوره فهو الأصل مثل زيد مكرم عمرا، ومن أضاف فحذف التنوين وخفض المفعول فللتخفيف وقوله: عن شذا؛ أي: شذا دلا وقد سبق معناهما.
1071-
وَلِله زِد لامًا وَأَنْصَارَ نَوِّنًا ... "سَما" وَتُنَجِّيكُمْ عَنِ الشَّامِ ثُقِّلا
يعني قوله تعالى: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} زد لام الجر على اسم الله ونون أنصار فيصير أنصارا لله وقراءة الباقين على الإضافة كما أجمعوا على الإضافة في الحرف الثاني وهو: {قال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} لم يقرأ أحد منهم أنصارا لله؛ لأنهم أخبروا عن تحقق ذلك فيهم واتصافهم بصحة الإضافة والنسبة، فإن قلتَ: فمن أين يعلم أن الخلاف في الأول دون الثاني؟ قلتُ: هو غير مشكل على من تدبر صورة الخط؛ فإن الثاني لو نون لسقطت الألف من اسم الله وهي ثابتة في الرسم، أما الأول فأمكن جعل الألف صورة التنوين المنصوب فلم تخرج القراءتان عن صورة الرسم، والنون في قوله: نونن للتأكيد، وأنجى ونجى كأمسك ومسك وقوله: عن الشام؛ أي: عن قارئ الشام.
1072-
وَبَعْدِي وَأَنْصَارِي بِيَاء إِضافَةٍ ... وَخُشْبٌ سُكُونُ الضَّمِّ "زَ"ادَ "رِ"ضًا "حَـ"ـلا
أي: في الصف لفظان كل واحد منهما ياء إضافة مختلف في إسكانها وفتحها؛ الأول: "مِنْ بَعْدِيَ اسْمُهُ" فتحها الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر، والثاني: "مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ" فتحها نافع وحده وليس في سورة الجمعة شيء من الحروف التي لم تذكر بعد، ولكن فيها أشياء مما يتعلق بما سبق كلفظ هو والإمالة وصلة ميم الجمع وهذا قد علم مما تقدم فيها وخشب بإسكان الشين وضمها لغتان كثمر وثمر؛ أي: سكون الضم فيه زاد حلاه رضى أو هو ذو حلا.
1073-
وَخَفَّ لَوَوْا "إِ"لْفًا بِمَا يَعْمَلُونَ "صِـ"ـفْ ... أَكُونَ بِوَاوٍ وَانْصِبُوا الْجَزْمَ "حُـ"ـفَّلا
يريد "لووا رؤوسهم" لوى رأسه ولواه إذا عطفه وأماله؛ أي: أعرض معناهما واحد وفي التشديد زيادة تكثير قال أبو علي: التخفيف يصلح للقليل والكثير والتكثير يختص بالكثرة وإلفا حال من لووا أو هو أليف للمشدد؛ لأن معناهما واحد يعملون في آخر السورة الغيب فيه والخطاب ظاهران وقرأ أبو عمرو: "وأكون من الصالحين" عطفا على "فأصدق" لفظا وهي قراءة واضحة، وقرأ غيره بإسكان النون وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين، ووجه ذلك أنه مجزوم عطفا على موضع فأصدق؛ لأن الفاء لو لم تدخل لكان أصدق مجزوما؛ لأنه جواب التحضيض الذي هو في معنى التمني والعرض والكل فيه معنى الأمر وما كان كذلك ينجزم جوابه على قاعدة في علم العربية مقررة وإن كان فيه فاء انتصب قال أبو علي: أعني السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم كأنه جزاء الشرط حمل قوله: وأكن عليه، مثل ذلك قراءة من قرأ: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُم"، وأنشد:
أيا سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
قال: حمل أزدد على موضع الفاء وما بعدها،
ومثله:
فأبلوني بليتكمُ لعلي ... أصالحكم وأستدرجْ نويا
قال: حمل واستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من "لعلى"، واختار أبو عبيد هذه القراءة؛ لاتفاق المصاحف على كتابة هذا الحرف بحذف الواو قال: وفي القرآن ما لا يحصى من تكون ويكون في موضع الرفع والنصب لم تحذف الواو في شيء منها إنما حذفوا في موضع الجزم خاصة قال: وكان من حجة أبي عمرو فيها أن قال إنما حذفت الواو اختصار في الخط كما حذفوها في كلمن وكان أصلها أن تكون بالواو.
قلت: وكذلك كان يقول في: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} إن الياء حذفت في الرسم فلهذا يحكي عنه أنه قال: ما وجدت في القرآن لحنا غير: {إِنْ هَذَانِ} و {أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} ؛ يعني: في كتابة القرآن، ووجه حذفهما على قراءته أنهما من حروف المد فكما تحذف الألف كثيرا اختصارا فكذا أختاها، وقد قال الفراء: العرب قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه قال: ورأيت في مصاحف عبد الله: "فقولا" فقلا بغير واو "ف ق ل ا".
قلت: والاعتماد في القراءتين على صحة النقل فيهما وإنما هذا اعتذار عن الخط، وقوله: حفلا جميع حافل، وهو حال من فاعل وانصبوا؛ أي: متمكنين بكثرة العلم وسعته من توجيه القراءتين.
1074-
وَبَالِغُ لا تَنْوِينَ مَعْ خَفْضِ أَمْرِهِ ... لِحَفْصٍ وَبِالتَّخَّفِيفِ "عَـ"ـرَّفَ "رُ"فِّلا
أي: لا تنوين فيه؛ لأنه مضاف إلى ما بعده، والكلام في: {بَالِغُ أَمْرِهِ} كما سبق في متم نوره والتشديد في: {عَرَّفَ بَعْضَهُ}[1]سورة التحريم بمعنى أعلم إعلام متابعة فأعرض عن بعض أو أغضا عنه إحسانا وتكرما، ولهذا قيل: ما زال التثاقل من شأن الكرام.
ومعنى عرف بالتخفيف جازى وهو إشارة إلى ذلك القدر من المعاتبة أو إلى غيره، ومنه: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}[2].
ويطلق هذا اللفظ أيضا مشعرا بالوعد والوعيد فيقال عرفت ما صنع فلان ومنه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}[3].
قال الفراء: عرف بالتخفيف؛ أي: غضب من ذلك، وجازى عليه كما تقول للرجل يسيء إليك: لأعرفن لك ذلك وهو وجه حسن وتقدير النظم وعرف: رفل بالتخفيف؛ أي: عظم.
1075-
وَضُمَّ نَصُوحًا شُعْبَةٌ مِنْ تَفَوُّتٍ ... عَلَى القَصْرِ وَالتَّشْدِيدِ "شَـ"ـقَّ تَهَلُّلا
قال أبو الحسن والأخفش: نصحته في معنى صدقته، توبة نصوحا؛ أي: صادقة، وقال: الفتح كلام العرب
[1]آية: 3.
[2]سورة البقرة، آية: 197.
[3]سورة النساء، آية: 63.
وقراءة الناس ولا أعرف الضم، قال أبو علي: يشبه أن يكون مصدرا قال الفراء: كأن الذين قرءوا نُصُوحا أرادوا المصدر مثل قعودا والذين قالوا نصوحا جعلوه من صفة التوبة ومعناها أن يحدث نفسه إذا تاب من ذنب أن لا يعود إليه أبدا، وذكر الزمخشري في تفسيره وجوها حسنة في ذلك وقال: النصوح مصدر نصح كالنصح مثل الشكور والشكر؛ أي: ذات نصوح أو انتصح نصوحا. ثم شرع الناظم في سورة الملك فقال: من تفوت يريد: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} ؛ أي: تباين واختلاف فإذا حذفت الألف وشددت الواو صار تفوت وهو بمعناه تفاوت وتفوت مثل تظاهر وتظهر، والقراءتان مصدرا هذين الفعلين، وقوله: تفاوت مبتدأ وشق تهللا خبره، وقوله: على القصر والتشديد شق في موضع الحال؛ أي: مقصورا مشددا؛ أي: هذا اللفظ على ما فيه من القصر والتشديد شق تهلله وهو من قولهم شق ناب البعير إذا طلع والمعنى طلع تهلله؛ أي: لاح وظهر أو يكون من شق البرق إذا سطع من خلال السحاب ومعنى تهلل تلألأ وأضاء، ويجوز أن يكون تهللا حال؛ أي: ذا تهلل: والله أعلم.
1076-
وَآمَنْتمُوا فِي الْهَمْزَتَيْنِ أُصُولُهُ ... وَفي الوَصْلِ الُاولَى قُنْبُلٌ وَاوًا ابْدَلا
يريد: {أَأَمِنْتُمْ مَن فِي السَّمَاءِ} حكمه مذكور في باب الهمزتين من كلمة فهو مثل: "أَأَنْذَرْتَهُمْ" داخل في عموم قوله: وتسهيل أخرى همزتين بكلمة البيت فقد عرف حكم هذه الكلمة من هناك، ومعنى أصوله؛ أي: أصول حكمه، وسبق أيضا في الباب المذكور أن قنبلا أبدل الهمزة الأولى واوا؛ لانفتاحها وانضمام ما قبلها في قوله: "النُّشُورُ"، ويسهل الثانية على أصله وهذا لإبدال إنما يكون عند اتصال هذه الكلمة بالنشور فإذا وقف على النشور حقق الهمزة إذا ابتدأ كغيره فهذا معنى قوله: وفي الوصل؛ أي: إبدال قنبل الهمزة الأولى واوا في حالة الوصل دون الوقف.
فإن قلتَ: لهذا البيت فائدة غير الإذكار بما تقدم بيانه والمتقدمات كثيرة فلم خصص الناظم الإذكار بهذا دون غيره؟
قلت: له فائدتان غير الإذكار: إحداهما لما ذكر مذهب قنبل هذا في باب الهمزتين لم يبين أنه يفعل ذلك في الوصل بل أطلق فنص على الوصل هنا ليفهم أنه لا يفعل ذلك في الوقف على ما قبل: "أَأَمِنْتُمْ"؛ لزوال المقتضي لقلب الهمزة واوا وهو الضمة ولم يقنع بقوله: ثم موصلا فإن استعمال موصل بمعنى واصل غريب على ما نبهنا عليه هناك، والفائدة الأخرى النصوصية على الكلمة فإنه لما ذكر الحكم هناك كان كلامه في: "أَأَمِنْتُمْ" بزيادة ألف بعد الهمزتين وفتح الميم وهذه الكلمة لفظها غير ذلك فإن بعد الهمزتين فيها ميما مكسورة.
1077-
فَسُحْقًا سُكُونًا ضُمَّ مَعْ غَيْبِ يَعْلَمُو ... نَ مَنْ "رُ"ضْ مَعِي بِالْيَا وَأَهْلَكَنِي انْجَلا
يعني أن الكسائي وحده ضم حاء: "فَسُحُقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ"، وقرأ: "فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ" بالياء على الغيبة وإنما قال من؛ احترازا من الذي قبله: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} فإنه بالخطاب بغير خلاف وقرأ
غير الكسائي بإسكان حاء: {فَسُحْقًا} وخطاب: {فَسَتَعْلَمُونَ} من وجه القراءتين في الموضعين ظاهر، وسكونا في البيت بدل من فسحقا بدل اشتمال؛ أي: ضم فسحقا سكونه، ويجوز أن يكون سكونا مفعول ضم، وقوله: فسحقا مبتدأ أو مفعول فعل مضمر فهو من باب زيدا اضرب رأسه يجوز فيه الرفع والنصب والنصب أقوى في العربية والعائد محذوف على التقديرين؛ أي: سكونا فيه أو سكونه، وقوله: رض فعل أمر من راض الأمر رياضة؛ أي: رض نفسك في قبول دقائق العلم واستخرج المعاني ثم ذكر ما في سورة الملك من ياءات الإضافة فقال: معي انجلا باليا، وكذا "أهلكني" يريد: {مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} سكنها حمزة والكسائي وأبو بكر: {إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ} سكنها حمزة وحده، وفيها زائدتان: "نذيري"، و"نكيري" أثبتهما معا في الوصل ورش وحده ولم يبق من ياءات الزوائد إلا أربع في سورة الفجر وسيأتي بيانها في موضعها، وقد نظمت الجميع في بيت هنا فقلت:
نذيري نكيري الملك في الفجر أكرمنْ ... أهاننِ بالوادي ويسري تكملا
أضاف الكلمتين إلى الملك؛ أي: حرفا هذه السورة، واكتفى بذكر الملك بعد نكيري عن ذكره بعد نذيري فهو كقوله:
بين ذراعي وجبهة الأسد
وهما مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: زائدتان ثم قال في الفجر زوائد وهي كيت وكيت، ويجوز أن يكون الملك مرفوعا على أنه خبر المبتدأ على حذف المضاف؛ أي: زائدا الملك والله أعلم.