بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 722

1106-
يُصَلَّى ثَقِيلًا ضمَّ "عَمَّ رِ"ضًا "دَ"نَا ... وَبَا تَرْكَبَنَّ اضْمُمْ "حَـ"ـيًّا "عَمَّ نُـ"ـهَّلا
ضم فعل ما لم يسمَّ فاعله في موضع الحال أيضا؛ أي: مضموم الياء، وعم: خبر يصلى؛ أي: عم رضاه أو ذا رضى، وقراءة الباقين: {يَصْلَى سَعِيرًا} مضارع صلى كما قال تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا} ، ثم قال: اضمم باء: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا} ذا حيا ولحيا بالقصر الغيث ونهلا جمع ناهل وهو الشارب؛ أي: مشبها حيا عام النفع وهو خطاب للإنسان فهو يفتح الباء على اللفظ وبضمها؛ لأن المراد بالإنسان المخاطب الجنس، ومعنى: {طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} ؛ أي: حالا بعد حال من شدائد أحوال القيامة وأهوال مواقفها، قيل: هي خمسون موقفا كل حالة منها مطابقة للأخرى في الشدة والهول وقيل: غير ذلك والله أعلم.
وفي نظم هذا البيت نظر في موضعين: أحدهما "يصلى" فإنه لم ينص عى فتح الصاد ولا سكونها، والثاني قوله: وبا "تَرْكَبُنَّ" ولم يقيد لفظ الباء بما تتميز به من التاء وكلمة تركبن فيها الحرفان وكل واحد منهما قابل للخلاف المذكور وكان يمكنه أن يقول:
يصلى بيصلى عم دم رم وتركبن ... بالضم قبل النون حز عم نهلا
1107-
وَمَحْفُوظٌ اخْفِضْ رَفْعَهُ "خُـ"ـصَّ وَهْوَ فِي الْـ ... ـمَجِيدِ "شَـ"ـفَا وَالْخِفُّ قَدَّرَ "رُ"تِّلا
الخفض نعت للوح وهو موافق لما يطلقه الناس من قولهم: اللوح المحفوظ قرأه نافع بالرفع جعله صفة لقرآن في قوله: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} ؛ أي: هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، والضمير في قوله: هو للخفض؛ أي: اخفض رفع: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} فيكون نعتا للعرش، ورفعه على أنه خبر بعد ثلاثة أخبار لقوله: {وَهُوَ الْغَفُورُ} ، والتخفيف والتشديد في: {قَدَّرَ فَهَدَى} سبق مثله في "والمرسلات" قوله: والخف على تقدير وذو الخف وقدر عطف بيان له أو يكون قدر مفعول والخف نحو الضرب زيدا والله أعلم.
1108-
وَبَلْ يُؤْثِرُونَ "حُـ"ـزْ وَتَصْلى يُضَمُّ "حُـ"ـزْ ... "صَـ"ـفَا يُسْمَعُ التَّذْكِيرُ "حَقٌّ" وَذُو جِلا
الغيب والخطاب في تؤثرون ظاهران وكذلك: {تَصْلَى نَارًا} بضم التاء وفتحها وتأنيث: "لاغِيَة" غير حقيقي فجاز تذكير الفعل المسند إليها وهو يسمع هذا على قراءة من رفعها، أما من نصبها على المفعولية ففتح التاء من تسمع على ما يأتي وقوله: وذو جلا؛ أي: جلاء بالمد بمعنى انكشاف وظهور، وهو تتمة للبيت والرمز حق وحده.
1109-
وَضَمَّ "أَ"ولُوا "حَقٍّ" وَلاغِيَةٌ لَهُمْ ... مُسَيْطِر اشْمِمْ "ضَـ"ـاعَ وَالْخُلْفُ "قُـ"ـلِّلا
يعني ضم التاء من تسمع نافع وضم الياء ابن كثير وأبو عمرو فالمجموع ضم أول يسمع ولاغية لهم بالرفع،


صفحه 723

لأن "تسمع" على قراءة الثلاثة فعل ما لم يسم فاعله وإن كان أوله مختلفا فيه بينهم دائرا بين التاء والياء وقراءة الباقين بتاء الخطاب؛ أي: لا تسمع أنت وأيها السامع فيها لاغية فإن قلتَ: من أين علم ذلك وهو إنما ذكر التذكير فضده التأنيث وهو حاصل في قراءة نافع أما قراءة غيره فبالخطاب؟
قلتُ: لما اشتركوا مع نافع في القراءة بالتاء وإن اختلف مدلولها تأنيثا وخطابا تجوز في أن جعل قراءتهم ضدا للتذكير فهو كما سبق في: {وَلِتَسْتَبِينَ} في سورة الأنعام، ويجوز أن تكون التاء في قراءة الجماعة للتأنيث أيضا على أن يكون فاعلها ضميرا عائدا على الوجوه في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} ؛ أي: لا تسمع تلك الوجوه فيها لاغية، وقوله: أولو حق؛ أي: أصحاب حق، أما: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} فأشم الصاد زايا خلف كما فعل في الصراط وفي المصيطرون في الطور، وعن خلاد في ذلك خلاف ولكون هذه القراءة قد عرفت لخلف وخلاد من سورتي الفاتحة والطور أطلق الإشمام، ولم يبين أنه بالزاي فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد ومعنى ضاع فاح وانتشر، والخلف قللا؛ لأن من المصنفين من لم يذكر لخلاد إلا أحد الوجهين إما الصاد الخالصة كالجماعة وإما الإشمام مثل خلف فذكر الخلاف قليل.
1110-
وَبِالسِّينِ "لُـ"ـذْ وَالوَتْرِ بِالكَسْرِ "شَـ"ـائِعٌ ... فَقَدَّرَ يَرْوِي اليَحْصَبْيُّ مُثَقَّلا
أي: وقرأ بمصيطر بالسين هشام وحده على أصل الكلمة والباقون بالصاد، وتعليل هذه القراءات كما سبق في الصراط والوتر بكسر الواو وفتحها لغتان، قال أبو عبيد: وبكسر الواو نقرؤها؛ لأنها أكثر في العامة وأفشى ومع هذا إنا تدبرنا الآثار التي جاء فيها ذكر وتر الصلاة فوجدناها كلها بهذه اللغة لم نسمع في شيء منها الوَتر؛ "يعني: بالفتح"، قال: والمعنى فيهما واحد إنما تأويله الفرد الذي هو ضد الشفع، وقال مكي وغيره: الفتح لغة أهل الحجاز والكسر لغة بني تميم.
وأما: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} فالتخفيف والتشديد فيه لغتان وهو بمعنى ضيق والتخفيف أكثر في القرآن
1111-
وَأَرْبَعُ غَيْبٍ بَعْدَ بَلْ لا "حُـ"ـصُولُها ... يَحُضُّونَ فَتْحُ الضَّمِّ بِالْمَدِّ "ثُـ"ـمِّلا
أي: وأربع كلمات تقرأ بالغيبة ثم بيَّن مواضعها، فقال: حصولها بعد لفظ "بل لا" يريد: {كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ} ، و"تأكلون"، "وتحبون" انفرد أبو عمرو بقراءة الغيب والباقون بالخطاب ووجهها ظاهر، وقرأ الكوفيون "تحاضون" من المحاضة؛ أي: يحض بعضكم بعضا وأصلها تتحاضون فحذفت التاء الثانية كما في نظائره ومعنى ثملا؛ أي: أصلح؛ أي: فتح ضمه أصلح بالمد؛ لأنه لا يستقيم إلا به ويعني بفتح الضم فتح الحاء المضمومة من تحضون في قراءة الباقين.
1112-
يُعَذِّبُ فَافْتَحْهُ وَيُوثِقُ "رَ"اوِيًا ... وَيَاءان فِي رَبِّي وَفُكَّ ارْفَعَنْ وِلا
يعني فتح ذال يعذب وثاء يوثق على بناء الفعلين للمفعول والهاء في عذابه للإنسان على قراءة الكسائي


صفحه 724

هذه وقراءة الباقين بكسرهما على بناء الفعلين للفاعل وهو أحد، والهاء في عذابه عائدة على الله تعالى؛ أي: هو متولي الأمور كلها لا معذب سواه؛ أي: إن عذاب من يعذب في الدنيا ليس كعذاب الله، ويجوز أن تكون الهاء عائدة على الإنسان أيضا واختاره الشيخ أبو عمرو؛ ليفيد المعنى زيادة عذاب هذا الإنسان على غيره، وإذا عاد الضمير إلى الله تعالى لم يفد هذا المعنى بخلاف قراءة الفتح فإن على كلا التقديرين يحصل هذا المعنى فإن الهاء إن عادت على الإنسان فظاهر على ما سبق، وإن عادت على الله تعالى كان المعنى لا يعذب أحد مثل تعذيب الله تعالى لهذا الإنسان، واختار أبو عبيد قراءة الفتح وأسند فيها حديثا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: مع صحة المعنى فيها؛ لأن تفسيرها لا يعذب عذاب الكافر أحد ومن قرأ بالكر فإنه يريد لا يعذب عذاب الله -عز وجل- أحد، قال: وقد علم المسلمون أنه ليس يوم القيامة معذِّب سوى الله تعالى فكيف يكون لا يعذب أحد مثل عذابه؟ وأراد بقوله: وياءان في ربي أن هذا اللفظ الذي هو ربي تكرر في هذه السورة في موضعين ففيه ياءان من ياءات الإضافة يريد: "رَبِّي أَكْرَمَنِ"، و"رَبِّي أَهَانَنِي" فتحهما الحرميان وأبو عمرو وفيها أربع زوائد تقدم نظمها في آخر سورة تبارك: "يسري" أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير. "بالوادي" أثبتها في الوصل ورش وفي الوقف ابن كثير على اختلاف عن قنبل. "أكرمني"، و"أهانني" أثبتهما في الوصل نافع وأبو عمرو على اختلاف عنه وفي الوقف البزي والنون في قوله: ارفعن نون التوكيد الخفيفة التي تبدل ألفا في الوقف ومثلها في القرآن "لنسفعن بالناصية" و {لِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} وولا بالكسر؛ أي: متابعا فهو مفعول من أجله أو التقدير: ذو ولاء فيكون حالا وليست الواو فاصلة فإن المسألة لم تتم بعد؛ أي: ارفع الكاف من قوله تعالى في سورة البلد: {فَكُّ رَقَبَةٍ} لمن يأتي ذكره، ثم ذكر ما يفعله هذا الرافع في رقبة فقال:
1113-
وَبَعْدَ اخْفِضَنْ وَاكْسِرْ وَمُدَّ مُنَوِّنًا ... مَعَ الرَّفْعِ إِطْعَامٌ "نَـ"ـدًا "عَمَّ فَـ"ـانْهَلا
النون في اخفضن للتوكيد أيضا يريد اخفض الكلمة التي بعد فك وهي رقبة فهي مخفوضة بإضافة فك إليها؛ لأن فك بعد أن كان فعلا ماضيا في القراءة بفتح الكاف صار برفعها اسما مضافا إلى رقبة، وقوله: واكسر؛ يعني: همزة إطعام والمد زيادة ألف بعد العين، والتنوين مع الرفع في الميم فيبقى إطعام معطوفا على فك فهما اسمان في هذه وفي الأخرى هما فعلان ماضيان فقوله: إطعام مفعول اكسر ومد؛ أي: افعل فيه الكسر والمد والتنوين والرفع وقوله: ندا؛ أي: ذا نداء، وقوله: عم فانهلا أراد فانهلن فأبدل من النون ألفا؛ أي: فاشرب يقال منه نهل بكسر الهاء ينهل فوجه هذه القراءة أنها تفسير للعقبة والتقدير: هي فك رقبة أو إطعام، وعلى قراءة الباقين يكون فك رقبة بدلا من: {فَلا اقْتَحَمَ} وما بينهما اعتراض كما قيل: في يوم لا تملك المنصوب أنه بدل من يوم الدين وقد اعترض بينهما جمل في ثلاث آيات:
1114-
وَمُؤْصَدَةٌ فَاهْمِزْ مَعًا "عَـ"ـنْ "فَـ"ـتىً "حِـ"ـمىً ... وَلا "عَمَّ" فِي وَالشَّمْسِ بِالْفاءِ وَانْجَلا
معا؛ يعني: في سورتي البلد والهمز والهمز في مؤصدة وتركه لغتان وقد تقدم الكلام فيها في باب الهمز المفرد ومعنى مؤصدة مطبقة، وقوله: عن فتى؛ أي: ناقلا له عن فتى حماه، أما: {وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} في سورة والشمس فقرأها


صفحه 725

نافع وابن عامر بفاء موضع الواو على ما في المصحف المدني والشامي وهو عطف على ما قبله من الجمل المعطوفات بالفاء فقال لهم: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا، وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} ، وقرأ الباقون بالواو على ما في مصاحفهم وهي واو الحال؛ أي: فسواها غير خايف والضمير في ولا يخاف يرجع إلى من رجع إليه الضمير في فسواها وقيل: يرجع إلى الرسول وقيل: يرجع إلى العاقل وقراءة الفاء ترد هذه القول، ومعنى فدمدم عليهم أرجف بهم وقيل: أطبق العذاب عليهم والضمير في فسوها للدمدمة أو لآية ثمود؛ أي: فسوى الدمدمة بينهم أو فسواهم في ذلك لم يفلت منهم أحدا، فقول الناظم: ولا مبتدأ وعم خبره؛ أي: ولا في والشمس عم بالفاء وأنجلا؛ أي: كفا.


صفحه 726

من سورة العلق إلى آخر القرآن:
لا تعلُّقَ لسورة العلق بما بعدها في نظمه، وسورة القدر ولم يكن متصلتان، وكذا التكاثر والهمزة ولإيلاف والكافرون متصلا في نظمه ثم سورة تبت وما بين ذلك قبله من السور لا خلف فيها إلا ما سبق ذكره في الأصول وغيرها وكذا ما بعد تبَّت.
1115-
وَعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرًا رَوَى ابْنُ مُجاهِدِ ... رَآهُ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ مُتَعَمِّلا
قصرا مفعول روى، ورآه مفعول قصرا؛ لأنه مصدر؛ أي: روى ابن مجاهد عن قنبل قصرا في هذه الكلمة وهي: "أن رأه استغنى" فحذف الألف بين الهمزة والهاء وابن مجاهد هذا هو الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد شيخ القراء بالعراق في وقته وهو أول من صنف في القراءات السبع على ما سبق بيانه في خطبة هذا الكتاب وأوضحناه في كتاب الأحرف السبعة وقد ذكرت من أخباره في ترجمته في مختصر تاريخ بغداد ومات -رحمه الله- سنة أربع وعشرين وثلاث مائة وقد ضعف بعضهم قراءته على قنبل، وقال: إنما أخذ عنه وهو مختلط؛ لكبر سنه على ما ذكرناه في ترجمة قنبل في الشرح الكبير لهذه القصيدة، وقال ابن مجاهد في كتاب السبعة له: قرأت على قنبل أن "رآه" قصرا بغير ألف بعد الهمزة في وزن "رعه" قال وهو غلط لا يجوز إلا "رآه" في وزن رعاه ممالا وغير ممال، فهذا معنى قول الناظم ولم يأخذ به؛ لأنه جعله غلطا ومعنى متعملا؛ أي: عاملا يقال عمل واعتمل وتعمل فيجوز أن يكون حالا من ابن مجاهد وهو ظاهر، ويجوز أن يكون مفعولا به؛ أي: م يأخذ به على أحد قرأ عليه والمتعمل طالب العلم الآخذ نفسه به يقال: تعمل فلان لكذا وسوف أتعمل في حاجتك؛ أي: أتعنى وهذا كالمتفقه والمتنسك؛ أي: لم يطالب أحدا من تلامذته بالقراءة به وهذه العبارة غالبة في ألفاظ شيوخ القراء يقول قائلهم: به قرأت وبه آخذ؛ أي: وبه أقرئ غيري.
وقال الشيخ الشاطبي -رحمه الله- فيما قرأته بخط شيخنا أبي الحسن -رحمه الله- رأيت أشياخنا يأخذون فيه بما ثبت عن قنبل من القصر خلاف ما اختاره ابن مجاهد.
وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم -رحمه الله: زعم ابن مجاهد أنه قرأ بهذا عليه؛ أي: على قنبل ورده ورآه غلطا هكذا في السبعة ولم يتعرض في الكتاب له لما علم من صحة الرواية فيه قال وإذا صح تصرف العرب في رأيا لقلب ويحفظ الهمزة فكيف ينكر قصر الهمزة إذا صحت به الرواية.
وقال الشيخ في شرحه وكذلك رواه أبو عون؛ يعني: محمد بن عمر الواسطي عن قنبل والرواية عنه صحيحة وقد أخذ له الأئمة بالوجهين وعول صاحب التيسير على القصر يعني؛ لأنه لم يذكر فيه غير فإنه قال قرأ قنبل "أن رآه" بقصر الهمزة والباقون بمدها وقال في غيره وبه قرأت وأثبت بن غلبون وأبوه الوجهين واختار إثبات الألف قال الشيخ وهي لغة في رآه ومثله في الحذف، قول رؤبة:
وصاني العجاج فيما وصَّنِي
قال: وما كان ينبغي لابن مجاهد إذا جاءت القراءات ثابتة عن إمام من طريق لا يشك فيه أن يردها؛ لأن وجهها لم يظهر له وقد سبق في "حاشا" ذكر هذا الحذف ونحوه وإذا كانوا يقولون لا أدر من المستقبل الذي يلبس الحذف فيه قراءة أولى،


صفحه 727

قلت: وأنشدني الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- لنفسه بيتين بعد هذا البيت حالة قراءتي لشرحه عليه في الكرة الأخيرة التي لم نقرأ عليه بعدها:
ونحن أخذنا قصره عن شيوخنا ... بنص صحيح صح عنه فبجلا
ومن ترك المروي من بعد صحة ... فقد زل في رأي رآى متخيلا
قلت: لعل ابن مجاهد -رحمه الله- إنما نسب هذا إلى الغلط؛ لأخذه إياه عن قنبل في زمن اختلاطه مع ما رأى من ضعف هذا الحذف في العربية؛ لأنه وإن جاء نحوه ففي ضرورة شعر أو ما يجري مجرى ذلك من كلمة كثر دورها على ألسنتهم فلا يجوز القياس على ذلك، وقد صرح بتضعيف هذه القراءة جماعة من الأئمة، قال أبو علي: إن الألف حذفت من مضارع رأى في قولهم: أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة، فهلا جاز حذفها أيضا من الماضي، قيل: إن الحذف لا يقاس عليه لا سيما في نحو هذا إن كان على غير قياس، فإن قلتَ: فقد جاء-حاشا لله- يكون إلا فعلا؛ لأن الحرف لا يحذف منه، وقال رؤبة: "فيما وصني" قيل: إن ذلك في القلة بحيث لا يصار يسوغ القياس عليه، ومما يضعفه أن الألف ثبتت حيث تحذف الياء والواو، ألا ترى أن من قال: {إِذَا يَسْرِ} فحذف الياء في الفاصلة لم يحذف من نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} ، وقال مكي: هو بعيد في القياس والنظر والاستعمال هذا مع كونه علل هذه القراءة بخمس علل كلها ضعيفة ومن أغربها أن الألف حذفت لأجل
الساكن بعد الهاء ولم يعتد بالهاء حاجزا ولو كان ذلك مسوغا هذا لكان في قراءة الجماعة أولى؛ فإنهم لم يعتدوا بالهاء حاجزا في امتناعهم في صلة هاء الكتابة؛ لأجل الساكن قبلها على ما سبق في بابه والله أعلم.
1116-
وَمَطلَعِ كَسْرُ اللامِ "رَ"حْبٌ وَحَرْفَيِ الْـ ... ـبَرِيَّة فَاهْمِزْ "آ"هِلًا "مُـ"ـتَأَهِّلا
يريد: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} كسر لامه رحب؛ أي: واسع؛ أي: لم تضق وجوه الفربية عن توجيهه خلافا لمن استبعده ووجهه أنه قد جاء في أسماء الزمان والمكان مفعل بكسر العين فما مضارعه يفعل بضمها أسماء محصورة وهذا منها نحو المشرق والمغرب والمسجد ومنها ما جاء فيه الوجهان نحو المنسك والمسكن والمطلع وقد قرئ بهما في هذه الثلاثة فالمفتوح والمكسور المراد بهما زمن الطلوع ومنهم من جعلهما مصدرين فاحتاج إلى تقدير؛ أي: حذف مضاف إلى زمن طلوع الفجر إذا قدرنا هما اسمي زمان لم تحتج إلى هذا، والزجاج جعل المفتوح مصدرا والمكسور اسم زمان وهمز البرية هو الأصل؛ لأنها من برأ الله الخلق ومن لم يهمزها، فإما أن يكون خفف الهمز كما تقدم في النبيء وهو الأولى أو يكون مأخوذا من البرأ وهو التراب فلا همز فيه، ولكن قراءة الهمز ترد هذا الوجه قال أبو علي: البرية من برأ الله الخلق فالقياس فيه الهمز إلا أنه مما ترك همزه كقولهم النبي والذرية والخابية في أنه ترك الهمز فالهمز فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال كما أن من همز النبي كان كذلك وترك الهمز فيها أجود وإن كان الأصل الهمز؛ لأنه لما ترك فيه الهمز صار كرده إلى الأصول المرفوضة مثل ضننوا وما أشبه ذلك من الأصول التي لا تستعمل قال: وهمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال إنه من البراء الذي هو التراب ألا ترى أنه لو كان كذلك لم يجز همز من همز على حال إلى على وجه الغلط كما حكوا امتلئت الحجر ونحو


صفحه 728

ذلك من الغلط الذي لا وجه له في الهمز والفاء في قوله: فاهمزه زائدة وحرفي البرية مفعول باهمز واهلا متأهلا حالان من فاعل اهمز ومعنى آهلا ذا أهل من قولهم: أهل المكان إذا كان له أهل، ومكان مأهول فيه أهله وقد أهل فلان بفتح الهاء يأهل بضمها وكسرها أهولا؛ أي: تزوج وكذا تأهل فيكون دعاء له؛ أي: اهمزه مزوجا إن شاء الله تعالى في الجنة نحو اذهب راشدا أو اهمزه كائنا في جماعة يريدونه وينصرونه؛ أي: لست منفردا بذلك، وإنما قال ذلك إشارة إلى خلاف من يرد الهمز في هذا، ومعنى متأهلا؛ أي: متصديا للقيام بحجته محصلا لها؛ أي: لك أهلية ذلك، وقال الشيخ: آهلا حال من مفعول اهمز ويشكل عليه أن مفعول اهمز مثنى والحال مفردة ونافع مذهبه همز النبي والبرية معا، ووافقه ابن ذكوان على همز البرية فقط فقد صار همز البرية له أهل أكثر من أهل الهمز في النبي وبابه والله أعلم.
1117-
وَتَا تَرَوُنَّ اضْمُمْ في الُاولَى "كَـ"ـمَا "رَ"سَا ... وَجَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ "شَـ"ـافِيهِ "كَـ"ـللا
يعني لترون الجحيم فالضم من أرى والفتح من رأى ولا خلاف في فتح الثاني وهو لترونها وجمع مالا بالتخفيف والتشديد واحد وفي لفظ التشديد موافقة لقوله وعدده، وقيل: التشديد لما يكون شيئا بعد شيء، والتخفيف لما يجمع في قرب وسرعة كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} ، وقد جاء التخفيف بمعنى التشديد وهو لما يجمع شيئا بعد شيء كقوله:
وَلَها بِالماطِرونَ إِذا ... أَكَلَ النَملُ الَّذِي جَمَعا
والنمل لا يجمع ما يدخره في وقت واحد، وكذلك الظاهر من أداء الحرب في قول الأعشى:
لِاِمرِئٍ يَجمَعُ الأَداةَ لِرَيبِ الـ ... ـدَهرِ لا مُسنَدٍ وَلا زُمّالِ
ذكر ذلك أبو علي المسند بفتح النون الدعي والزمال الجبان، وقوله: في أولى؛ أي: في الكلمة الأولى ورسا بمعنى ثبت واستقر.
1118-
"وَصُحْبَةٌ" الضَّمَّيْنِ فِي عَمَدٍ وَعَوْا ... لإِيلافِ بِاليَا غَيْرُ شَامِّيهِمْ تَلا
وعوا؛ أي: حفظوا الضمين في هذه العلة وهما ضم العين والميم والباقون بفتحهما وكلاهما جمع عمود وقد أجمعوا على الفتح في: {بِغَيْرِ عَمَدٍ} في الرعد ولقمان، أما: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} فقراءة ابن عامر بحذف الياء وكلتا القراءتين مصدر وهما لغتان يقال آلف إيلافا وألف إلافا فمن الأول قول ذي الرمة: مِن المُؤَلِفاتِ الرَملِ أَدماءُ حُرَّةٌ ومن الثاني ما أنشده أبو علي:
زعم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
قراءة ابن عامر حسنة فإن فيها جمعا بين اللغتين باعتبار الحرفين فإن الثاني بالياء بغير خلاف وهو معنى قوله:
1119-
وَإِيلافِ كُلٌّ وَهْوَ في الْخَطِّ سَاقِطٌ ... وَلِى دِينِ قُلْ في الْكَافِرِينَ تَحَصَّلا


صفحه 729

أي: وكلهم أثبت الياء في الحرف الثاني وهو إيلافهم رحلة، وهذه الياء ساقطة في خط المصحف والأولى ثابتة والألف بعد اللام فيهما ساقطة وصورتهما لإيلف قريش الفهم فأجمعوا على قراءة الثاني بالياء وهو بغير ياء في الرسم واختلفوا في الأول وهو بالياء وهذا مما يقوي أمر هؤلاء القراء في اتباعهم فيما يقرءونه النقل الصحيح دون مجرد الرسم وما يجوز في العربية، وقد روي حذف الياء من الثاني أيضا، وفي سورة الكافرين ياء إضافة وهي ولي دين، فتحها نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه وأسكنها الباقون.
1120-
وَهَاءُ أَبِي لَهْبٍ بِالِاسْكَانِ "دَ"وَّنُوا ... وَحَمَّالَةُ المَرْفُوعُ بِالنَّصْبِ "نُـ"ـزِّلا
أي: أثبتوا هاءه بالإسكان لابن كثير وفتحها الباقون ولعلهما لغتان كالنهر ولم يختلفوا في فتح الهاء من قوله تعالى: {ذَاتَ لَهَبٍ} وكذا ولا يغني من اللهب قال أبو علي: هذا يدل على أنه أوجه عن الإسكان وقال الزمخشري الإسكان في أبي لهب من تغيير الأعلام كقولهم شمس بن مالك بالضم.
قلت: وفي الإسكان مغايرة بين اللفظين في الموضعين وخفف العلم بالإسكان؛ لثقل المسمى على الجنان والاسم على اللسان، وحمالة الحطب بالرفع صفة وامرأته وفي جيدها الخبر أو هما خبران لها إن كانت مبتدأ وإن كانت عطفا على ضمير سيصلى تعين حمالة الحطب للصفة وكان في جيدها في موضع الحال، أو خبرا ومبتدأ جملة مستأنفة ونصب حمالة الحطب على الذم والشتم، قال الزمخشري: وأنا استحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجميل من أحب شتم أم جميل قلت: حمالة الحطب اسمها أم جميل عليها وعلى أبي لهب لعنة الله.