بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 726

من سورة العلق إلى آخر القرآن:
لا تعلُّقَ لسورة العلق بما بعدها في نظمه، وسورة القدر ولم يكن متصلتان، وكذا التكاثر والهمزة ولإيلاف والكافرون متصلا في نظمه ثم سورة تبت وما بين ذلك قبله من السور لا خلف فيها إلا ما سبق ذكره في الأصول وغيرها وكذا ما بعد تبَّت.
1115-
وَعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرًا رَوَى ابْنُ مُجاهِدِ ... رَآهُ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ مُتَعَمِّلا
قصرا مفعول روى، ورآه مفعول قصرا؛ لأنه مصدر؛ أي: روى ابن مجاهد عن قنبل قصرا في هذه الكلمة وهي: "أن رأه استغنى" فحذف الألف بين الهمزة والهاء وابن مجاهد هذا هو الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد شيخ القراء بالعراق في وقته وهو أول من صنف في القراءات السبع على ما سبق بيانه في خطبة هذا الكتاب وأوضحناه في كتاب الأحرف السبعة وقد ذكرت من أخباره في ترجمته في مختصر تاريخ بغداد ومات -رحمه الله- سنة أربع وعشرين وثلاث مائة وقد ضعف بعضهم قراءته على قنبل، وقال: إنما أخذ عنه وهو مختلط؛ لكبر سنه على ما ذكرناه في ترجمة قنبل في الشرح الكبير لهذه القصيدة، وقال ابن مجاهد في كتاب السبعة له: قرأت على قنبل أن "رآه" قصرا بغير ألف بعد الهمزة في وزن "رعه" قال وهو غلط لا يجوز إلا "رآه" في وزن رعاه ممالا وغير ممال، فهذا معنى قول الناظم ولم يأخذ به؛ لأنه جعله غلطا ومعنى متعملا؛ أي: عاملا يقال عمل واعتمل وتعمل فيجوز أن يكون حالا من ابن مجاهد وهو ظاهر، ويجوز أن يكون مفعولا به؛ أي: م يأخذ به على أحد قرأ عليه والمتعمل طالب العلم الآخذ نفسه به يقال: تعمل فلان لكذا وسوف أتعمل في حاجتك؛ أي: أتعنى وهذا كالمتفقه والمتنسك؛ أي: لم يطالب أحدا من تلامذته بالقراءة به وهذه العبارة غالبة في ألفاظ شيوخ القراء يقول قائلهم: به قرأت وبه آخذ؛ أي: وبه أقرئ غيري.
وقال الشيخ الشاطبي -رحمه الله- فيما قرأته بخط شيخنا أبي الحسن -رحمه الله- رأيت أشياخنا يأخذون فيه بما ثبت عن قنبل من القصر خلاف ما اختاره ابن مجاهد.
وقرأت في حاشية النسخة المقروءة على الناظم -رحمه الله: زعم ابن مجاهد أنه قرأ بهذا عليه؛ أي: على قنبل ورده ورآه غلطا هكذا في السبعة ولم يتعرض في الكتاب له لما علم من صحة الرواية فيه قال وإذا صح تصرف العرب في رأيا لقلب ويحفظ الهمزة فكيف ينكر قصر الهمزة إذا صحت به الرواية.
وقال الشيخ في شرحه وكذلك رواه أبو عون؛ يعني: محمد بن عمر الواسطي عن قنبل والرواية عنه صحيحة وقد أخذ له الأئمة بالوجهين وعول صاحب التيسير على القصر يعني؛ لأنه لم يذكر فيه غير فإنه قال قرأ قنبل "أن رآه" بقصر الهمزة والباقون بمدها وقال في غيره وبه قرأت وأثبت بن غلبون وأبوه الوجهين واختار إثبات الألف قال الشيخ وهي لغة في رآه ومثله في الحذف، قول رؤبة:
وصاني العجاج فيما وصَّنِي
قال: وما كان ينبغي لابن مجاهد إذا جاءت القراءات ثابتة عن إمام من طريق لا يشك فيه أن يردها؛ لأن وجهها لم يظهر له وقد سبق في "حاشا" ذكر هذا الحذف ونحوه وإذا كانوا يقولون لا أدر من المستقبل الذي يلبس الحذف فيه قراءة أولى،


صفحه 727

قلت: وأنشدني الشيخ أبو الحسن -رحمه الله- لنفسه بيتين بعد هذا البيت حالة قراءتي لشرحه عليه في الكرة الأخيرة التي لم نقرأ عليه بعدها:
ونحن أخذنا قصره عن شيوخنا ... بنص صحيح صح عنه فبجلا
ومن ترك المروي من بعد صحة ... فقد زل في رأي رآى متخيلا
قلت: لعل ابن مجاهد -رحمه الله- إنما نسب هذا إلى الغلط؛ لأخذه إياه عن قنبل في زمن اختلاطه مع ما رأى من ضعف هذا الحذف في العربية؛ لأنه وإن جاء نحوه ففي ضرورة شعر أو ما يجري مجرى ذلك من كلمة كثر دورها على ألسنتهم فلا يجوز القياس على ذلك، وقد صرح بتضعيف هذه القراءة جماعة من الأئمة، قال أبو علي: إن الألف حذفت من مضارع رأى في قولهم: أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة، فهلا جاز حذفها أيضا من الماضي، قيل: إن الحذف لا يقاس عليه لا سيما في نحو هذا إن كان على غير قياس، فإن قلتَ: فقد جاء-حاشا لله- يكون إلا فعلا؛ لأن الحرف لا يحذف منه، وقال رؤبة: "فيما وصني" قيل: إن ذلك في القلة بحيث لا يصار يسوغ القياس عليه، ومما يضعفه أن الألف ثبتت حيث تحذف الياء والواو، ألا ترى أن من قال: {إِذَا يَسْرِ} فحذف الياء في الفاصلة لم يحذف من نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} ، وقال مكي: هو بعيد في القياس والنظر والاستعمال هذا مع كونه علل هذه القراءة بخمس علل كلها ضعيفة ومن أغربها أن الألف حذفت لأجل
الساكن بعد الهاء ولم يعتد بالهاء حاجزا ولو كان ذلك مسوغا هذا لكان في قراءة الجماعة أولى؛ فإنهم لم يعتدوا بالهاء حاجزا في امتناعهم في صلة هاء الكتابة؛ لأجل الساكن قبلها على ما سبق في بابه والله أعلم.
1116-
وَمَطلَعِ كَسْرُ اللامِ "رَ"حْبٌ وَحَرْفَيِ الْـ ... ـبَرِيَّة فَاهْمِزْ "آ"هِلًا "مُـ"ـتَأَهِّلا
يريد: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} كسر لامه رحب؛ أي: واسع؛ أي: لم تضق وجوه الفربية عن توجيهه خلافا لمن استبعده ووجهه أنه قد جاء في أسماء الزمان والمكان مفعل بكسر العين فما مضارعه يفعل بضمها أسماء محصورة وهذا منها نحو المشرق والمغرب والمسجد ومنها ما جاء فيه الوجهان نحو المنسك والمسكن والمطلع وقد قرئ بهما في هذه الثلاثة فالمفتوح والمكسور المراد بهما زمن الطلوع ومنهم من جعلهما مصدرين فاحتاج إلى تقدير؛ أي: حذف مضاف إلى زمن طلوع الفجر إذا قدرنا هما اسمي زمان لم تحتج إلى هذا، والزجاج جعل المفتوح مصدرا والمكسور اسم زمان وهمز البرية هو الأصل؛ لأنها من برأ الله الخلق ومن لم يهمزها، فإما أن يكون خفف الهمز كما تقدم في النبيء وهو الأولى أو يكون مأخوذا من البرأ وهو التراب فلا همز فيه، ولكن قراءة الهمز ترد هذا الوجه قال أبو علي: البرية من برأ الله الخلق فالقياس فيه الهمز إلا أنه مما ترك همزه كقولهم النبي والذرية والخابية في أنه ترك الهمز فالهمز فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال كما أن من همز النبي كان كذلك وترك الهمز فيها أجود وإن كان الأصل الهمز؛ لأنه لما ترك فيه الهمز صار كرده إلى الأصول المرفوضة مثل ضننوا وما أشبه ذلك من الأصول التي لا تستعمل قال: وهمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال إنه من البراء الذي هو التراب ألا ترى أنه لو كان كذلك لم يجز همز من همز على حال إلى على وجه الغلط كما حكوا امتلئت الحجر ونحو


صفحه 728

ذلك من الغلط الذي لا وجه له في الهمز والفاء في قوله: فاهمزه زائدة وحرفي البرية مفعول باهمز واهلا متأهلا حالان من فاعل اهمز ومعنى آهلا ذا أهل من قولهم: أهل المكان إذا كان له أهل، ومكان مأهول فيه أهله وقد أهل فلان بفتح الهاء يأهل بضمها وكسرها أهولا؛ أي: تزوج وكذا تأهل فيكون دعاء له؛ أي: اهمزه مزوجا إن شاء الله تعالى في الجنة نحو اذهب راشدا أو اهمزه كائنا في جماعة يريدونه وينصرونه؛ أي: لست منفردا بذلك، وإنما قال ذلك إشارة إلى خلاف من يرد الهمز في هذا، ومعنى متأهلا؛ أي: متصديا للقيام بحجته محصلا لها؛ أي: لك أهلية ذلك، وقال الشيخ: آهلا حال من مفعول اهمز ويشكل عليه أن مفعول اهمز مثنى والحال مفردة ونافع مذهبه همز النبي والبرية معا، ووافقه ابن ذكوان على همز البرية فقط فقد صار همز البرية له أهل أكثر من أهل الهمز في النبي وبابه والله أعلم.
1117-
وَتَا تَرَوُنَّ اضْمُمْ في الُاولَى "كَـ"ـمَا "رَ"سَا ... وَجَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ "شَـ"ـافِيهِ "كَـ"ـللا
يعني لترون الجحيم فالضم من أرى والفتح من رأى ولا خلاف في فتح الثاني وهو لترونها وجمع مالا بالتخفيف والتشديد واحد وفي لفظ التشديد موافقة لقوله وعدده، وقيل: التشديد لما يكون شيئا بعد شيء، والتخفيف لما يجمع في قرب وسرعة كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} ، وقد جاء التخفيف بمعنى التشديد وهو لما يجمع شيئا بعد شيء كقوله:
وَلَها بِالماطِرونَ إِذا ... أَكَلَ النَملُ الَّذِي جَمَعا
والنمل لا يجمع ما يدخره في وقت واحد، وكذلك الظاهر من أداء الحرب في قول الأعشى:
لِاِمرِئٍ يَجمَعُ الأَداةَ لِرَيبِ الـ ... ـدَهرِ لا مُسنَدٍ وَلا زُمّالِ
ذكر ذلك أبو علي المسند بفتح النون الدعي والزمال الجبان، وقوله: في أولى؛ أي: في الكلمة الأولى ورسا بمعنى ثبت واستقر.
1118-
"وَصُحْبَةٌ" الضَّمَّيْنِ فِي عَمَدٍ وَعَوْا ... لإِيلافِ بِاليَا غَيْرُ شَامِّيهِمْ تَلا
وعوا؛ أي: حفظوا الضمين في هذه العلة وهما ضم العين والميم والباقون بفتحهما وكلاهما جمع عمود وقد أجمعوا على الفتح في: {بِغَيْرِ عَمَدٍ} في الرعد ولقمان، أما: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} فقراءة ابن عامر بحذف الياء وكلتا القراءتين مصدر وهما لغتان يقال آلف إيلافا وألف إلافا فمن الأول قول ذي الرمة: مِن المُؤَلِفاتِ الرَملِ أَدماءُ حُرَّةٌ ومن الثاني ما أنشده أبو علي:
زعم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
قراءة ابن عامر حسنة فإن فيها جمعا بين اللغتين باعتبار الحرفين فإن الثاني بالياء بغير خلاف وهو معنى قوله:
1119-
وَإِيلافِ كُلٌّ وَهْوَ في الْخَطِّ سَاقِطٌ ... وَلِى دِينِ قُلْ في الْكَافِرِينَ تَحَصَّلا


صفحه 729

أي: وكلهم أثبت الياء في الحرف الثاني وهو إيلافهم رحلة، وهذه الياء ساقطة في خط المصحف والأولى ثابتة والألف بعد اللام فيهما ساقطة وصورتهما لإيلف قريش الفهم فأجمعوا على قراءة الثاني بالياء وهو بغير ياء في الرسم واختلفوا في الأول وهو بالياء وهذا مما يقوي أمر هؤلاء القراء في اتباعهم فيما يقرءونه النقل الصحيح دون مجرد الرسم وما يجوز في العربية، وقد روي حذف الياء من الثاني أيضا، وفي سورة الكافرين ياء إضافة وهي ولي دين، فتحها نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه وأسكنها الباقون.
1120-
وَهَاءُ أَبِي لَهْبٍ بِالِاسْكَانِ "دَ"وَّنُوا ... وَحَمَّالَةُ المَرْفُوعُ بِالنَّصْبِ "نُـ"ـزِّلا
أي: أثبتوا هاءه بالإسكان لابن كثير وفتحها الباقون ولعلهما لغتان كالنهر ولم يختلفوا في فتح الهاء من قوله تعالى: {ذَاتَ لَهَبٍ} وكذا ولا يغني من اللهب قال أبو علي: هذا يدل على أنه أوجه عن الإسكان وقال الزمخشري الإسكان في أبي لهب من تغيير الأعلام كقولهم شمس بن مالك بالضم.
قلت: وفي الإسكان مغايرة بين اللفظين في الموضعين وخفف العلم بالإسكان؛ لثقل المسمى على الجنان والاسم على اللسان، وحمالة الحطب بالرفع صفة وامرأته وفي جيدها الخبر أو هما خبران لها إن كانت مبتدأ وإن كانت عطفا على ضمير سيصلى تعين حمالة الحطب للصفة وكان في جيدها في موضع الحال، أو خبرا ومبتدأ جملة مستأنفة ونصب حمالة الحطب على الذم والشتم، قال الزمخشري: وأنا استحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجميل من أحب شتم أم جميل قلت: حمالة الحطب اسمها أم جميل عليها وعلى أبي لهب لعنة الله.


صفحه 730

باب: التكبير
إنما أخر ذكر هذا الباب؛ لأن حكمه متعلق بالسور الأخيرة، ومن المصنفين من لم يذكره أصلا كابن مجاهد، وقدم النظم قبل بيان حكمه عند القراء أبياتا في فضل الذكر مطلقا من تكبير وغيره فقال:
1121-
رَوَى القَلْبَ ذِكْرُ اللهِ فَاسْتَسْقِ مُقْبِلا ... وَلا تَعْدُ رَوْضَ الذَّاكِرِينَ فَتُمحِلا
هذا البيت مقفي مثل أول القصيدة وأول سورة الرعد والأنبياء وغيرها وهو حسن كما نبهنا عليه في شرح الذي في أول الرعد، وروى القلب ريه يقال روي من الماء يروى على وزن رضى يرضى، ويقال في مصدره أيضا رَيا ورِيا بفتح الراء وكسرها نص عليه الجوهري، ولما جعل ذكر الله تعالى ريا للقلب أمر بالازدياد من الري فاتبع ذلك اللفظ المجاز ما يناسبه فقال: فاستسق؛ أي: اطلب السقي مقبلا على ذلك؛ أي: أكثر من الذكر والتمس محله ومواضعه ولا تعد؛ أي: ولا تتجاوز رياضه والروض جمع روضة فتمحلا؛ أي: فتصادف محلا فلا يحصل ري ولا شرب وأشار بذلك وما يأتي بعده إلى أحاديث كثيرة جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضل ذكر الله تعالى والحث عليه وهي مفرقة في الصحيحين وغيرهما.
وقد جمع جعفر الغرياني الحافظ فيه مصنفا حسنا وما أحسن ما قال بلال بن سعيد وهو من تابعي أهل الشام الذكر ذكران ذكر الله باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل، وكيف لا يكون ذكر الله تعالى روى للقلب وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: "إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله تعالى" أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب الدعوات.
وأما تعبيره عن مجالس الذكر بالروض؛ فلما جاء في حديث جابر بن عبد الله قال خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:
"يا أيها الناس إن لله تعالى سرايا من الملائكة تقف وتحل على مجالس الذكر فارتعوا في رياض الجنة، قلنا أين رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله واذكروه بأنفسكم من كان يحب أن يعلم كيف منزلته من الله -عز وجل- فلينظر منزلة الله عنده فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد حيث أنزله من نفسه" أخرجه البيهقي في كتاب "الدعوات وشعب الإيمان".
وأخرجه الغرياني وأخرج أيضا في معناه أحاديث كثيرة منها عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله عز وجل".
1122-
وَآثِرْ عَنِ الآثَارِ مَثْرَاةَ عَذْبِهِ ... وَمَا مِثْلُهُ لِلْعَبدِ حِصْنًا وَمَوْئِلا


صفحه 731

آثر من الإيثار؛ أي: عدم مثراة عذب الذكر على كل شيء والمثراة من قولهم هذا مثراة للمال؛ أي: مكثر له؛ أي: قدم مكتسب عذبه ومكثرته ولمثراة أيضا مصدر ثري المكان يثرى ثرى ومثراة إذا كثر نداه فبلله؛ أي: قدم ندى عليه على كل شيء وذلك مما يستعار للوصلة والذكر وصلة بين العبد وبين ربه عز وجل ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام"؛ أي: صلوها، وتقول العرب: بيني وبين فلان مثرى؛ أي: وصلة لم تتقطع، وهو مثل كأنه قال لم ييبس ما بيني وبينه ومنه قول جرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى ... فإن الذي بيني وبينكم مثرى
وقوله: عن الآثار؛ أي: آخذا بذلك الإيثار عن الآثار والأخبار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: مستمدا أدلة الإيثار من الآثار نحو ما في صحيح مسلم عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله تعالى في من عنده"، وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن بشر أن رجلا قال: يا رسول الله: "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى"، قال: هذا حديث حسن غريب، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سيارة فضلاء يلتمسون مجالس الذكر فإذا أتوا على قوم يذكرون الله تعالى جلسوا فأظلوهم بأجنحتهم ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا قاموا عرجوا إلى ربهم، فيقول تبارك وتعالى وهو أعلم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويحمدونك ويهللونك ويكبرونك ويستجيرونك من عذابك ويسألونك جنتك، فيقول الله تعالى: وهل رأوا جنتي وناري؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوهما، فقد أجرتهم مما استجاروا وأعطيتهم ما سألوا فيقال: إن فيهم رجلا مر بهم فقعد معهم فيقول: وله فقد غفرت؛ إنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم"، وعن الحارث الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن: أن لا يشركوا بالله شيئا، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، وأمركم بالصيام والصدقة وضرب لكل واحدة مثلا، ثم قال: وأمركم بذكر الله تعالى كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلب العدو سراعا من أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله -عز وجل".
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها من درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله -عز وجل" أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات، ففي ذلك تفسير قوله: وما مثله للعبد حصنا وموئلا؛ أي: وما للعبد مثل الذكر نافعا له هذه المنفعة المشار إليها في الحديث ونصب حصنا وموئلا على التمييز؛ أي: ما للعبد حصن وموئل مثل الذكر ويجوز نصبهما على الحال؛ أي: مشبها حصنا وموئلا هنا اسم مكان؛ أي: موضعا يؤول إليه؛ أي: يرجع ويأوى فيه وكل ذلك استعارات حسنة وقد سبق في أول القصيدة تفسير الموئل بالمرجع وهو بهذا المعنى فكل ما تستند إليه فهو موئل لك ولا يجوز نصب حصنا على أنه خبر ما النافية على لغة أهل الحجاز لاختلاف المعنى حينئذ؛ لأنه كان يفيد ضد المقصور من هذا الكلام.


صفحه 732

1123-
وَلا عَمَلٌ أَنْجى لَهُ مِنْ عَذَابِهِ ... غَدَاةَ الْجَزَا مِنْ ذِكْرِهِ مُتَقَبَّلا
له؛ أي: للعبد والهاء في عذابه، وذكره لله تعالى وغداة الجزاء؛ يعني: يوم القيامة؛ لأن النجاة المعتبرة هي المطلوبة ذلك اليوم فنصب غداة على الظرف وقصر الجزاء ضرورة ومتقبلا حال من الذكر فإنه إن لم يكن متقبلا لم يفد الذكر شيئا وضمن هذا البيت حديثا روي مرفوعا وموقوفا؛
أما المرفوع فعن ابن عمر في الحديث الذي سبق في أوله: "صقالة القلوب ذكر الله تعالى" قال بعد ذلك: "وما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله تعالى"، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، أما الموقوف ففي آخر الحديث الذي سبق أوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم".
قال: وقال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، أخرجهما البيهقي من كتاب الشعب والدعوات الكبير، وأخرجه الفريابي في كتابه عن معاذ، وزاد: قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله -عز وجل؟ قال: لا ولو ضرب بسيفه، زاد في رواية: حتى ينقطع ثلاثا. قال الله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} والله أعلم.
1124-
ومَنْ شَغَلَ الْقُرْآنُ عَنْهُ لِسَانَهُ ... يَنَلْ خَيْرَ أَجْرِ الذَّاكِرِينَ مُكَمَّلا
جعل الشيخ -رحمه الله- تفسير هذا البيت الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يقول الرب -عز جل: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" قال: هذا حديث حسن غريب وقد ذكر طريق هذا الحديث وتكلم عليه الحافظ المقرئ أبو العلا الهمذاني في أول كتابه في الوقف والابتداء، وقال: "من شغله قراءة القرآن" وفي آخره "أفضل ثواب السائلين"؟، وفي رواية: "من شغله القرآن في أن يتعلمه أو يعلمه عن دعائي ومسألتي"، وذكره أبو بكر بن الأنباري في أول كتاب الوقف أيضا، وأخرجه البيهقي أيضا وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
قال البيهقي وكذا رواه البخاري في التاريخ.
قلت: فبان من مجموع هذه الروايات أن الاشتغال بالذكر يقوم مقام الدعاء وأن قراءة القرآن من جملة الاشتغال بالذكر بل هو أفضل، وإليه أشار الناظم بقوله: خير أجر الذاكرين، ومكملا حال إما من خير وإما من أجر، وقد نص الإمام الشافعي -رضي الله عنه- على ذلك فقال: أستحب أن يقرأ القرآن؛ يعني: في الطواف؛ لأنه موضع ذكر والقرآن من أعظم الذكر، والهاء في قوله: عنه يجوز أن تعود على الذكر؛ يعني: ومع ما ذكرنا من


صفحه 733

فضيلة الذكر فمن اشتغل عنه بالقرآن فهو أفضل، ويجوز أن تعود على من؛ أي: من كف لسانه عنه؛ أي: أذاه؛ لأن أكثر كلام الإنسان عليه لا له فإذا اشتغل بالقرآن أو الذكر انكف عما يتوقع منه الضرر فصح معنى عنه بهذا التفسير.
وفي الحديث عن أم حبيبة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، وذكر الله"، وفي الكتاب المذكور للحافظ أبي العلا عن أبي هريرة مرفوعا: "أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن" وفيه عن أنس مرفوعا: "أفضل العبادة قراءة القرآن" وتلاوة القرآن أحب إلي، قال أبو يحيى الحمامي: سألت سفيان الثوري عن الرجل يقرأ القرآن أحب إليك أم يغزو؟ قال: يقرأ القرآن فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
قلت: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري، وقد جمع الحافظ أبو العلا طرقه في أول كتاب الوقف المذكور. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم، قلتُ: فكل هذا مما يوضح لنا أن تلاوة القرآن من أعظم الذكر كما قال الشافعي -رضي الله عنه- لأنه يجمع الذكر باللسان وملاحظة القلب أنه يتلو كلام الله -عز وجل- ويؤجر عليه بكل حرف عشر حسنات على ما ثبت في أحاديث أخر.
1125-
وَمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلا افْتِتَاحُهْ ... مَعَ الْخَتْمِ حِلًّا وَارْتِحالًا مُوَصَّلا
أي: افتتاح القرآن مع ختمه؛ أي: حاله ختمه للقرآن يشرع في أوله فقوله: موصلا حال من الضمير في افتتاحه العائد على القرآن؛ أي: في حال وصل أوله بآخره وقوله: حلا وارتحالا من باب المصدر المؤكد لنفسه؛ لأن الحل والارتحال المراد بهما افتتاحه مع الختم فهو نحو له على ألف درهم عرفا، وأشار بذلك إلى حديث روي من وجوه عن صالح عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل؟ قال: "الحال المرتحل" أخرجه أبو عيسى الترمذي في أبواب القراءة في أواخر كتابه فقال: حدثنا نصر بن على الجهضمي قال: حدثنا الهيثم بن الربيع حدثني صالح المري فذكره، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. حدثنا محمد بن بشار حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا صالح المري عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يذكر فيه عن ابن عباس قال: وهذا عندي أصح؛ يعني: أنه من حديث زرارة وليس له صحة إلا من حديث ابن عباس وكيف ما كان الأمر فمدار الحديث على صالح المري وهو وإن كان عبدا صالحا فهو ضعيف عند أهل الحديث، قال البخاري في تاريخه هو منكر الحديث، وقال النسائي: صالح المري متروك الحديث.
ثم على تقدير صحته فقد اختلف في تفسيره فقيل: المراد به ما ذكره الفراء على ما يأتي بيانه وقيل: بل هو إشارة إلى تتابع الغزو وترك الإعراض عنه فلا يزال في حل وارتحال وهذا ظاهر اللفظ؛ إذ هو حقيقة في ذلك وعلى ما أوله به الفراء يكون مجازا، وقد رووا التفسير فيه مدرجا في الحديث، ولعله من بعض رواته.