بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 728

ذلك من الغلط الذي لا وجه له في الهمز والفاء في قوله: فاهمزه زائدة وحرفي البرية مفعول باهمز واهلا متأهلا حالان من فاعل اهمز ومعنى آهلا ذا أهل من قولهم: أهل المكان إذا كان له أهل، ومكان مأهول فيه أهله وقد أهل فلان بفتح الهاء يأهل بضمها وكسرها أهولا؛ أي: تزوج وكذا تأهل فيكون دعاء له؛ أي: اهمزه مزوجا إن شاء الله تعالى في الجنة نحو اذهب راشدا أو اهمزه كائنا في جماعة يريدونه وينصرونه؛ أي: لست منفردا بذلك، وإنما قال ذلك إشارة إلى خلاف من يرد الهمز في هذا، ومعنى متأهلا؛ أي: متصديا للقيام بحجته محصلا لها؛ أي: لك أهلية ذلك، وقال الشيخ: آهلا حال من مفعول اهمز ويشكل عليه أن مفعول اهمز مثنى والحال مفردة ونافع مذهبه همز النبي والبرية معا، ووافقه ابن ذكوان على همز البرية فقط فقد صار همز البرية له أهل أكثر من أهل الهمز في النبي وبابه والله أعلم.
1117-
وَتَا تَرَوُنَّ اضْمُمْ في الُاولَى "كَـ"ـمَا "رَ"سَا ... وَجَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ "شَـ"ـافِيهِ "كَـ"ـللا
يعني لترون الجحيم فالضم من أرى والفتح من رأى ولا خلاف في فتح الثاني وهو لترونها وجمع مالا بالتخفيف والتشديد واحد وفي لفظ التشديد موافقة لقوله وعدده، وقيل: التشديد لما يكون شيئا بعد شيء، والتخفيف لما يجمع في قرب وسرعة كقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} ، وقد جاء التخفيف بمعنى التشديد وهو لما يجمع شيئا بعد شيء كقوله:
وَلَها بِالماطِرونَ إِذا ... أَكَلَ النَملُ الَّذِي جَمَعا
والنمل لا يجمع ما يدخره في وقت واحد، وكذلك الظاهر من أداء الحرب في قول الأعشى:
لِاِمرِئٍ يَجمَعُ الأَداةَ لِرَيبِ الـ ... ـدَهرِ لا مُسنَدٍ وَلا زُمّالِ
ذكر ذلك أبو علي المسند بفتح النون الدعي والزمال الجبان، وقوله: في أولى؛ أي: في الكلمة الأولى ورسا بمعنى ثبت واستقر.
1118-
"وَصُحْبَةٌ" الضَّمَّيْنِ فِي عَمَدٍ وَعَوْا ... لإِيلافِ بِاليَا غَيْرُ شَامِّيهِمْ تَلا
وعوا؛ أي: حفظوا الضمين في هذه العلة وهما ضم العين والميم والباقون بفتحهما وكلاهما جمع عمود وقد أجمعوا على الفتح في: {بِغَيْرِ عَمَدٍ} في الرعد ولقمان، أما: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} فقراءة ابن عامر بحذف الياء وكلتا القراءتين مصدر وهما لغتان يقال آلف إيلافا وألف إلافا فمن الأول قول ذي الرمة: مِن المُؤَلِفاتِ الرَملِ أَدماءُ حُرَّةٌ ومن الثاني ما أنشده أبو علي:
زعم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
قراءة ابن عامر حسنة فإن فيها جمعا بين اللغتين باعتبار الحرفين فإن الثاني بالياء بغير خلاف وهو معنى قوله:
1119-
وَإِيلافِ كُلٌّ وَهْوَ في الْخَطِّ سَاقِطٌ ... وَلِى دِينِ قُلْ في الْكَافِرِينَ تَحَصَّلا


صفحه 729

أي: وكلهم أثبت الياء في الحرف الثاني وهو إيلافهم رحلة، وهذه الياء ساقطة في خط المصحف والأولى ثابتة والألف بعد اللام فيهما ساقطة وصورتهما لإيلف قريش الفهم فأجمعوا على قراءة الثاني بالياء وهو بغير ياء في الرسم واختلفوا في الأول وهو بالياء وهذا مما يقوي أمر هؤلاء القراء في اتباعهم فيما يقرءونه النقل الصحيح دون مجرد الرسم وما يجوز في العربية، وقد روي حذف الياء من الثاني أيضا، وفي سورة الكافرين ياء إضافة وهي ولي دين، فتحها نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه وأسكنها الباقون.
1120-
وَهَاءُ أَبِي لَهْبٍ بِالِاسْكَانِ "دَ"وَّنُوا ... وَحَمَّالَةُ المَرْفُوعُ بِالنَّصْبِ "نُـ"ـزِّلا
أي: أثبتوا هاءه بالإسكان لابن كثير وفتحها الباقون ولعلهما لغتان كالنهر ولم يختلفوا في فتح الهاء من قوله تعالى: {ذَاتَ لَهَبٍ} وكذا ولا يغني من اللهب قال أبو علي: هذا يدل على أنه أوجه عن الإسكان وقال الزمخشري الإسكان في أبي لهب من تغيير الأعلام كقولهم شمس بن مالك بالضم.
قلت: وفي الإسكان مغايرة بين اللفظين في الموضعين وخفف العلم بالإسكان؛ لثقل المسمى على الجنان والاسم على اللسان، وحمالة الحطب بالرفع صفة وامرأته وفي جيدها الخبر أو هما خبران لها إن كانت مبتدأ وإن كانت عطفا على ضمير سيصلى تعين حمالة الحطب للصفة وكان في جيدها في موضع الحال، أو خبرا ومبتدأ جملة مستأنفة ونصب حمالة الحطب على الذم والشتم، قال الزمخشري: وأنا استحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجميل من أحب شتم أم جميل قلت: حمالة الحطب اسمها أم جميل عليها وعلى أبي لهب لعنة الله.


صفحه 730

باب: التكبير
إنما أخر ذكر هذا الباب؛ لأن حكمه متعلق بالسور الأخيرة، ومن المصنفين من لم يذكره أصلا كابن مجاهد، وقدم النظم قبل بيان حكمه عند القراء أبياتا في فضل الذكر مطلقا من تكبير وغيره فقال:
1121-
رَوَى القَلْبَ ذِكْرُ اللهِ فَاسْتَسْقِ مُقْبِلا ... وَلا تَعْدُ رَوْضَ الذَّاكِرِينَ فَتُمحِلا
هذا البيت مقفي مثل أول القصيدة وأول سورة الرعد والأنبياء وغيرها وهو حسن كما نبهنا عليه في شرح الذي في أول الرعد، وروى القلب ريه يقال روي من الماء يروى على وزن رضى يرضى، ويقال في مصدره أيضا رَيا ورِيا بفتح الراء وكسرها نص عليه الجوهري، ولما جعل ذكر الله تعالى ريا للقلب أمر بالازدياد من الري فاتبع ذلك اللفظ المجاز ما يناسبه فقال: فاستسق؛ أي: اطلب السقي مقبلا على ذلك؛ أي: أكثر من الذكر والتمس محله ومواضعه ولا تعد؛ أي: ولا تتجاوز رياضه والروض جمع روضة فتمحلا؛ أي: فتصادف محلا فلا يحصل ري ولا شرب وأشار بذلك وما يأتي بعده إلى أحاديث كثيرة جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضل ذكر الله تعالى والحث عليه وهي مفرقة في الصحيحين وغيرهما.
وقد جمع جعفر الغرياني الحافظ فيه مصنفا حسنا وما أحسن ما قال بلال بن سعيد وهو من تابعي أهل الشام الذكر ذكران ذكر الله باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل، وكيف لا يكون ذكر الله تعالى روى للقلب وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: "إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله تعالى" أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب الدعوات.
وأما تعبيره عن مجالس الذكر بالروض؛ فلما جاء في حديث جابر بن عبد الله قال خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:
"يا أيها الناس إن لله تعالى سرايا من الملائكة تقف وتحل على مجالس الذكر فارتعوا في رياض الجنة، قلنا أين رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله واذكروه بأنفسكم من كان يحب أن يعلم كيف منزلته من الله -عز وجل- فلينظر منزلة الله عنده فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد حيث أنزله من نفسه" أخرجه البيهقي في كتاب "الدعوات وشعب الإيمان".
وأخرجه الغرياني وأخرج أيضا في معناه أحاديث كثيرة منها عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله عز وجل".
1122-
وَآثِرْ عَنِ الآثَارِ مَثْرَاةَ عَذْبِهِ ... وَمَا مِثْلُهُ لِلْعَبدِ حِصْنًا وَمَوْئِلا


صفحه 731

آثر من الإيثار؛ أي: عدم مثراة عذب الذكر على كل شيء والمثراة من قولهم هذا مثراة للمال؛ أي: مكثر له؛ أي: قدم مكتسب عذبه ومكثرته ولمثراة أيضا مصدر ثري المكان يثرى ثرى ومثراة إذا كثر نداه فبلله؛ أي: قدم ندى عليه على كل شيء وذلك مما يستعار للوصلة والذكر وصلة بين العبد وبين ربه عز وجل ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام"؛ أي: صلوها، وتقول العرب: بيني وبين فلان مثرى؛ أي: وصلة لم تتقطع، وهو مثل كأنه قال لم ييبس ما بيني وبينه ومنه قول جرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى ... فإن الذي بيني وبينكم مثرى
وقوله: عن الآثار؛ أي: آخذا بذلك الإيثار عن الآثار والأخبار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: مستمدا أدلة الإيثار من الآثار نحو ما في صحيح مسلم عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله تعالى في من عنده"، وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن بشر أن رجلا قال: يا رسول الله: "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى"، قال: هذا حديث حسن غريب، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سيارة فضلاء يلتمسون مجالس الذكر فإذا أتوا على قوم يذكرون الله تعالى جلسوا فأظلوهم بأجنحتهم ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا قاموا عرجوا إلى ربهم، فيقول تبارك وتعالى وهو أعلم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويحمدونك ويهللونك ويكبرونك ويستجيرونك من عذابك ويسألونك جنتك، فيقول الله تعالى: وهل رأوا جنتي وناري؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوهما، فقد أجرتهم مما استجاروا وأعطيتهم ما سألوا فيقال: إن فيهم رجلا مر بهم فقعد معهم فيقول: وله فقد غفرت؛ إنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم"، وعن الحارث الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن: أن لا يشركوا بالله شيئا، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، وأمركم بالصيام والصدقة وضرب لكل واحدة مثلا، ثم قال: وأمركم بذكر الله تعالى كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلب العدو سراعا من أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله -عز وجل".
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها من درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله -عز وجل" أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات، ففي ذلك تفسير قوله: وما مثله للعبد حصنا وموئلا؛ أي: وما للعبد مثل الذكر نافعا له هذه المنفعة المشار إليها في الحديث ونصب حصنا وموئلا على التمييز؛ أي: ما للعبد حصن وموئل مثل الذكر ويجوز نصبهما على الحال؛ أي: مشبها حصنا وموئلا هنا اسم مكان؛ أي: موضعا يؤول إليه؛ أي: يرجع ويأوى فيه وكل ذلك استعارات حسنة وقد سبق في أول القصيدة تفسير الموئل بالمرجع وهو بهذا المعنى فكل ما تستند إليه فهو موئل لك ولا يجوز نصب حصنا على أنه خبر ما النافية على لغة أهل الحجاز لاختلاف المعنى حينئذ؛ لأنه كان يفيد ضد المقصور من هذا الكلام.


صفحه 732

1123-
وَلا عَمَلٌ أَنْجى لَهُ مِنْ عَذَابِهِ ... غَدَاةَ الْجَزَا مِنْ ذِكْرِهِ مُتَقَبَّلا
له؛ أي: للعبد والهاء في عذابه، وذكره لله تعالى وغداة الجزاء؛ يعني: يوم القيامة؛ لأن النجاة المعتبرة هي المطلوبة ذلك اليوم فنصب غداة على الظرف وقصر الجزاء ضرورة ومتقبلا حال من الذكر فإنه إن لم يكن متقبلا لم يفد الذكر شيئا وضمن هذا البيت حديثا روي مرفوعا وموقوفا؛
أما المرفوع فعن ابن عمر في الحديث الذي سبق في أوله: "صقالة القلوب ذكر الله تعالى" قال بعد ذلك: "وما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله تعالى"، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، أما الموقوف ففي آخر الحديث الذي سبق أوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم".
قال: وقال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، أخرجهما البيهقي من كتاب الشعب والدعوات الكبير، وأخرجه الفريابي في كتابه عن معاذ، وزاد: قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله -عز وجل؟ قال: لا ولو ضرب بسيفه، زاد في رواية: حتى ينقطع ثلاثا. قال الله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} والله أعلم.
1124-
ومَنْ شَغَلَ الْقُرْآنُ عَنْهُ لِسَانَهُ ... يَنَلْ خَيْرَ أَجْرِ الذَّاكِرِينَ مُكَمَّلا
جعل الشيخ -رحمه الله- تفسير هذا البيت الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يقول الرب -عز جل: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" قال: هذا حديث حسن غريب وقد ذكر طريق هذا الحديث وتكلم عليه الحافظ المقرئ أبو العلا الهمذاني في أول كتابه في الوقف والابتداء، وقال: "من شغله قراءة القرآن" وفي آخره "أفضل ثواب السائلين"؟، وفي رواية: "من شغله القرآن في أن يتعلمه أو يعلمه عن دعائي ومسألتي"، وذكره أبو بكر بن الأنباري في أول كتاب الوقف أيضا، وأخرجه البيهقي أيضا وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
قال البيهقي وكذا رواه البخاري في التاريخ.
قلت: فبان من مجموع هذه الروايات أن الاشتغال بالذكر يقوم مقام الدعاء وأن قراءة القرآن من جملة الاشتغال بالذكر بل هو أفضل، وإليه أشار الناظم بقوله: خير أجر الذاكرين، ومكملا حال إما من خير وإما من أجر، وقد نص الإمام الشافعي -رضي الله عنه- على ذلك فقال: أستحب أن يقرأ القرآن؛ يعني: في الطواف؛ لأنه موضع ذكر والقرآن من أعظم الذكر، والهاء في قوله: عنه يجوز أن تعود على الذكر؛ يعني: ومع ما ذكرنا من


صفحه 733

فضيلة الذكر فمن اشتغل عنه بالقرآن فهو أفضل، ويجوز أن تعود على من؛ أي: من كف لسانه عنه؛ أي: أذاه؛ لأن أكثر كلام الإنسان عليه لا له فإذا اشتغل بالقرآن أو الذكر انكف عما يتوقع منه الضرر فصح معنى عنه بهذا التفسير.
وفي الحديث عن أم حبيبة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، وذكر الله"، وفي الكتاب المذكور للحافظ أبي العلا عن أبي هريرة مرفوعا: "أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن" وفيه عن أنس مرفوعا: "أفضل العبادة قراءة القرآن" وتلاوة القرآن أحب إلي، قال أبو يحيى الحمامي: سألت سفيان الثوري عن الرجل يقرأ القرآن أحب إليك أم يغزو؟ قال: يقرأ القرآن فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
قلت: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري، وقد جمع الحافظ أبو العلا طرقه في أول كتاب الوقف المذكور. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد، فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم، قلتُ: فكل هذا مما يوضح لنا أن تلاوة القرآن من أعظم الذكر كما قال الشافعي -رضي الله عنه- لأنه يجمع الذكر باللسان وملاحظة القلب أنه يتلو كلام الله -عز وجل- ويؤجر عليه بكل حرف عشر حسنات على ما ثبت في أحاديث أخر.
1125-
وَمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلا افْتِتَاحُهْ ... مَعَ الْخَتْمِ حِلًّا وَارْتِحالًا مُوَصَّلا
أي: افتتاح القرآن مع ختمه؛ أي: حاله ختمه للقرآن يشرع في أوله فقوله: موصلا حال من الضمير في افتتاحه العائد على القرآن؛ أي: في حال وصل أوله بآخره وقوله: حلا وارتحالا من باب المصدر المؤكد لنفسه؛ لأن الحل والارتحال المراد بهما افتتاحه مع الختم فهو نحو له على ألف درهم عرفا، وأشار بذلك إلى حديث روي من وجوه عن صالح عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل؟ قال: "الحال المرتحل" أخرجه أبو عيسى الترمذي في أبواب القراءة في أواخر كتابه فقال: حدثنا نصر بن على الجهضمي قال: حدثنا الهيثم بن الربيع حدثني صالح المري فذكره، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. حدثنا محمد بن بشار حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا صالح المري عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يذكر فيه عن ابن عباس قال: وهذا عندي أصح؛ يعني: أنه من حديث زرارة وليس له صحة إلا من حديث ابن عباس وكيف ما كان الأمر فمدار الحديث على صالح المري وهو وإن كان عبدا صالحا فهو ضعيف عند أهل الحديث، قال البخاري في تاريخه هو منكر الحديث، وقال النسائي: صالح المري متروك الحديث.
ثم على تقدير صحته فقد اختلف في تفسيره فقيل: المراد به ما ذكره الفراء على ما يأتي بيانه وقيل: بل هو إشارة إلى تتابع الغزو وترك الإعراض عنه فلا يزال في حل وارتحال وهذا ظاهر اللفظ؛ إذ هو حقيقة في ذلك وعلى ما أوله به الفراء يكون مجازا، وقد رووا التفسير فيه مدرجا في الحديث، ولعله من بعض رواته.


صفحه 734

قال أبو محمد بن قتيبة في آخر غريب الحديث له في ترجمة أحاديث لا تعرف أصحابها: جاء في الحديث: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الحال المرتحل" قيل: ما الحال المرتحل؟ قال: الخاتم والمفتتح.
قال ابن قتيبة: الحال هو الخاتم للقرآن شبه برجل سافر فسار حتى إذا بلغ المنزل حل به كذلك تالي القرآن يتلوه حتى إذا بلغ آخره وقف عنده والمرتحل المفتتح للقرآن شبه برجل أراد سفرا فافتتحه بالمسير قال: وقد يكون الخاتم المفتتح أيضا في الجهاد وهو أن يغزو ويعقب وكذلك الحال المرتحل يريد أنه يصل ذلك بهذا.
قلت: هذا هو الظاهر من تفسير هذا اللفظ لوجهين.
أحدهما: حمل اللفظ على حقيقته فيكون التفسير الأول الذي ذكره ابن قتيبة في الحديث من كلام بعض الرواة وهو مفصول من الحديث ولهذا لم يكن في كتاب الترمذي إلا قوله: الحال المترحل من غير تفسير وكان السائل عن التفسير بعض الرواة لبعض فأجابه المسئول بما وقع له، وتقدير الحديث عمل الحال المرتحل وحذف المضاف؛ لدلالة السؤال عليه.
الوجه الثاني أن المحفوظ في الأحاديث الصحيحة غير ذلك فإنه سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان بالله، ثم جهاد في سبيله، ثم حج مبرور".
وفي حديث آخر: "الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله".
وقال لأبي أمامة: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له"، وفي حديث آخر: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
وإذا فسر الحال المرتحل بمتابعة الغزو وافق قوله: ثم جهاد في سبيله؛ أي: أنه من أفضل الأعمال كنظائر لذلك يعبر عن الشيء؛ لأنه الأفضل؛ أي: هو من جملة الأفضل؛ أي: المجموع في الطبقة العليا التي لا طبقة أعلى منها وهذا المعنى قد قررناه في مواضع من كتبنا.
1126-
وَفِيهِ عَنِ الْمَكينَ تَكْبِيرُهُمْ مَعَ الْـ ... ـخَوَاتِمِ قُرْبَ الْخَتْمِ يُرْوى مُسَلْسَلا
أي: وفي القرآن أو في ذلك العمل الذي عبر عنه بالحل والارتحال وهو وصل آخر كل ختمة بأول أخرى على ما سيأتي بيانه في عرف القراء، وقوله: عن المكين جمع مك كما قال في مواضع كثيرة ومك ومراده مكي بياء النسب ولكنه حذفها ضرورة عند العلم بها تخفيفا، وقد قرئ في الشواذ: "هو الذي بعث في الأمين" كأنه جمع أم قال الزمخشري في تفسيره: وقرئ: "في الأمين" بحذف ياء النسب قلت: ومثله قول عقبة الأسدي:
وأنت امرؤ في الأشعرين مقاتل
وقول لقيط الإيادي:
زيد الفنا حين لا في الحارثين معا
كأنهما جمع أشعر وحارث وإنما هما جمع أشعري وحارثي.
وقد ذكرت هذين البيتين في ترجمة عامر بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري وترجمة المهلب بن أبي صفرة في مختصري لتاريخ دمشق، وقوله: تكبيرهم؛ أي: تكبير المكيين؛ أي: وفي القرآن تكبير المكيين مع الخواتم


صفحه 735

جمع خاتمة؛ يعني: خواتم السور إذا قرب ختم القرآن في قراءة القارئ على ما سيبين في موضعه، قال مكي في التبصرة: والتكبير سنة كانت بمكة ولا يعتبر في التكبير قراء مكة ابن كثير ولا غيره كانوا لا يتركون التكبير في كل القراءات من خاتمة والضحى قال: ولكن عادة القراء الأخذ بالتكبير لابن كثير في رواية البزي خاصة، ومن المصنفين من حكى التكبير لجميع القراء في جميع سور القرآن ذكره أبو القاسم الهذلي في كتابه الكامل، وذكره أيضا الحافظ أبو العلاء وقوله: يروي مسلسلا؛ أي: يروي التكبير رواية مسلسلة على ما هو المسلسل في اصطلاح المحدثين. أنبأنا القاضي أبو القاسم الأنصاري أنبأنا عبد الله الفراوي أنبأنا أبو بكر البيهقي سماعا وأجازة أنبأنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ الإمام بمكة في المسجد الحرام أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ أنبأنا أحمد بن محمد بن القاسم عن أبي بزة قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت: "والضحى" قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة، وإني قرأت على عبد الله بن كثير: فما بلغت والضحى قال: كبر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد وأمره بذلك وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك وأخبره أبي بن كعب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بذلك قال الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: وأنبأنا به أعلى من هذا: أبو اليمن الكندي أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الله سبط أبي منصور الخياط أنبأنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عبد الله بن النقور أنبأنا أبو طاهر المخلص أنبأنا يحيى بن محمد ابن صاعد أنبأنا البزي فذكره.
قال الحافظ أبو العلاء الهمداني: لم يرفع التكبير أحد من القراء إلا البزي فإن الروايات قد تطارقت عنه برفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومدار الجميع على رواية البزي كما ذكرناه، ثم أسند عن البزي قال: دخلت على الشافعي -رضي الله عنه- إبراهيم بن محمد، وكنت قد وقفت عن هذا الحديث؛ يعني: حديث التكبير فقال له بعض من عنده: إن أبا الحسن لا يحدثنا بهذا الحديث فقال لي: يا أبا الحسن والله لئن تركته لتركت سنة نبيك، قال: وجاءني رجل من أهل بغداد ومعه رجل عباسي وسألني عن هذا الحديث فأبيت أن أحدثه إياه فقال: والله لقد سمعناه من أحمد بن حنبل عن أبي بكر الأعين عنك فلو كان منكرا ما رواه وكان يجتنب المنكرات، ثم أسند الحافظ أبو العلاء الروايات الموقوفة فأسند عن حنظلة بن أبي سفيان قال: قرأت على عكرمة بن خالد المخزومي، فلما بلغت "والضحى" قال لي: هيها.
قلت: وما تريد بهيها؟ قال: كبر؛ فإني رأيت مشايخنا ممن قرأ على ابن عباس فأمرهم ابن عباس أن يكبروا إذا بلغوا "والضحى"، وأسند عن إبراهيم بن يحيى بن أبي حية التميمي قال: قرأت على حميد الأعرج فلما بلغت "والضحى" قال لي: كبِّر إذا ختمت كل سورة حتى تختم فإني قرأت على مجاهد فأمرني بذلك، وقال: قرأت على ابن عباس -رضي الله عنه- فأمرني بذلك. وفي رواية أنبأنا حميد الأعرج قال: قرأت على مجاهد القرآن فلما بلغت: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} قال لي: كبر إذا فرغت من السورة فلم أزل أكبر حتى ختمت القرآن ثم قال مجاهد: قرأت على ابن عباس فلما بلغت هذا الموضع أمرني بالتكبير فلم أزل أكبر حتى ختمت، وقال أيضا: حدثني حميد الأعرج عن مجاهد قال: ختمت على ابن عباس تسع عشرة ختمة فكلها