بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 735

جمع خاتمة؛ يعني: خواتم السور إذا قرب ختم القرآن في قراءة القارئ على ما سيبين في موضعه، قال مكي في التبصرة: والتكبير سنة كانت بمكة ولا يعتبر في التكبير قراء مكة ابن كثير ولا غيره كانوا لا يتركون التكبير في كل القراءات من خاتمة والضحى قال: ولكن عادة القراء الأخذ بالتكبير لابن كثير في رواية البزي خاصة، ومن المصنفين من حكى التكبير لجميع القراء في جميع سور القرآن ذكره أبو القاسم الهذلي في كتابه الكامل، وذكره أيضا الحافظ أبو العلاء وقوله: يروي مسلسلا؛ أي: يروي التكبير رواية مسلسلة على ما هو المسلسل في اصطلاح المحدثين. أنبأنا القاضي أبو القاسم الأنصاري أنبأنا عبد الله الفراوي أنبأنا أبو بكر البيهقي سماعا وأجازة أنبأنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ الإمام بمكة في المسجد الحرام أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ أنبأنا أحمد بن محمد بن القاسم عن أبي بزة قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت: "والضحى" قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة، وإني قرأت على عبد الله بن كثير: فما بلغت والضحى قال: كبر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد وأمره بذلك وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك وأخبره أبي بن كعب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بذلك قال الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: وأنبأنا به أعلى من هذا: أبو اليمن الكندي أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الله سبط أبي منصور الخياط أنبأنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عبد الله بن النقور أنبأنا أبو طاهر المخلص أنبأنا يحيى بن محمد ابن صاعد أنبأنا البزي فذكره.
قال الحافظ أبو العلاء الهمداني: لم يرفع التكبير أحد من القراء إلا البزي فإن الروايات قد تطارقت عنه برفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومدار الجميع على رواية البزي كما ذكرناه، ثم أسند عن البزي قال: دخلت على الشافعي -رضي الله عنه- إبراهيم بن محمد، وكنت قد وقفت عن هذا الحديث؛ يعني: حديث التكبير فقال له بعض من عنده: إن أبا الحسن لا يحدثنا بهذا الحديث فقال لي: يا أبا الحسن والله لئن تركته لتركت سنة نبيك، قال: وجاءني رجل من أهل بغداد ومعه رجل عباسي وسألني عن هذا الحديث فأبيت أن أحدثه إياه فقال: والله لقد سمعناه من أحمد بن حنبل عن أبي بكر الأعين عنك فلو كان منكرا ما رواه وكان يجتنب المنكرات، ثم أسند الحافظ أبو العلاء الروايات الموقوفة فأسند عن حنظلة بن أبي سفيان قال: قرأت على عكرمة بن خالد المخزومي، فلما بلغت "والضحى" قال لي: هيها.
قلت: وما تريد بهيها؟ قال: كبر؛ فإني رأيت مشايخنا ممن قرأ على ابن عباس فأمرهم ابن عباس أن يكبروا إذا بلغوا "والضحى"، وأسند عن إبراهيم بن يحيى بن أبي حية التميمي قال: قرأت على حميد الأعرج فلما بلغت "والضحى" قال لي: كبِّر إذا ختمت كل سورة حتى تختم فإني قرأت على مجاهد فأمرني بذلك، وقال: قرأت على ابن عباس -رضي الله عنه- فأمرني بذلك. وفي رواية أنبأنا حميد الأعرج قال: قرأت على مجاهد القرآن فلما بلغت: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} قال لي: كبر إذا فرغت من السورة فلم أزل أكبر حتى ختمت القرآن ثم قال مجاهد: قرأت على ابن عباس فلما بلغت هذا الموضع أمرني بالتكبير فلم أزل أكبر حتى ختمت، وقال أيضا: حدثني حميد الأعرج عن مجاهد قال: ختمت على ابن عباس تسع عشرة ختمة فكلها


صفحه 736

يأمرني فيها أن أكبر من سورة "ألم نشرح"، ثم أسند الحافظ أبو العلا عن شبل بن عباد قال: رأيت محمد بن عبد الله بن محيصن وعبد الله بن كثير الداري إذا بلغا ألم نشرح كبرا حتى يختما ويقولان رأينا مجاهدا فعل ذلك، وذكر مجاهد أن ابن عباس كان يأمره بذلك، ثم أسند عن قنبل حديث النبال حدثنا عبد المجيد عن ابن جريج عن مجاهد أنه كان يكبر من أول "والضحى" إلى الحمد قال ابن جريج: وأرى أن يفعله الرجل إماما كان أو غير إمام قال أبو يحيى ابن أبي ميسرة ما رفعه أحد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- غير ابن أبي بزة ولو كان أحد رفعه غيره لكان الواجب اتباعه إذ كان أمرا من النبي -صلى الله عليه وسلم- قال الحافظ أبو العلا فأما الرواية والإجماع في ذلك فعن عبد الله ابن عباس ومجاهد وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه كان يقول إذا قرأت القرآن فبلغت بين المفصل فاحمد الله وكبر بين كل سورتين وفي رواية فتابع بين المفصل في السور القصار واحمد الله وكبر بين كل سورتين، ثم ذكر الحافظ أبو العلا عن البزي بإسناده أن الأصل في التكبير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انقطع عنه الوحي، وقد اختلف في سبب ذلك، وفي قدر مدة انقطاعه فقال المشركون: قلى محمدا ربُّهُ، فنزلت سورة "والضحى"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر"، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكبر إذا بلغ والضحى مع خاتمة كل سورة حتى يختم قال أبو الحسن بن غلبون: فلما قرأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبر حتى ختم شكرا لله تعالى لما كذب المشركون فيما زعموه، وقال الشيخ في شرحه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر تصديقا لما أنا عليه وتكذيبا للكفار"، وذكر عن أبي عمر والداني بسنده إلى البزي قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: وروى بعض علمائنا عن الحسن بن محمد بن عبد الله ابن أبي يزيد القرشي قال: صليت بالناس خلف المقام بالمسجد الحرام في التراويح في شهر رمضان فلما كان ليلة الختمة كبرت من خاتمة "والضحى" إلى آخر القرآن في الصلاة فلما سلمت التفت وإذا أنا بأبي عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي -رضي الله عنه- قد صلى ورائي، فلما بصرني قال لي: أحسنت أصبت السنة قال أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون: وهذه سنة مأثورة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والتابعين وهي سنة بمكة لا يتركونها البتة ولا يعتبرون رواية البزي ولا غيره قال: ومن عادة القراء في غير مكة أن لا يأخذوا بها إلا في رواية البزي وحدها.
1127-
إِذا كَبَّروا في آخِرِ النَّاسِ أَرْدَفُوا ... مَعَ الْحَمْدِ حَتَّى الْمُفْلِحونَ تَوَسَّلا
الضمير في كبروا للمكيين بيَّن في هذا البيت آخر مواضع التكبير، وكان قد أجمل ذلك في قوله: مع الخواتم قرب الختم، وفي البيت الآتي يبين أول ذلك ومفعولا أردفوا محذوفان؛ أي: أردفوا التكبير مع قراءة سورة الحمد قراءة أول سورة البقرة حتى يصلوا إلى قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذا يعبر عنه بعض المصنفين بأنه أربع آيات ويعبر عنه آخرون بأنه خمس آيات ووجه ذلك الاختلاف في لفظ ألم فعدها الكوفي آية ولم يعدها غيره، وحكى الناظم لفظ القرآن بقوله: حتى المفلحون وتوسلا مفعول من أجله؛ أي: تقربا إلى الله تعالى بطاعته، وذكره ولا تكبير بين الحمد والبقرة قال مكي: يكبر في أول كل سورة من: {أَلَمْ نَشْرَحْ} إلى أول الحمد، ثم يقرأ الحمد فإذا تم لم يكبر، وابتدأ بالبقرة من غير تكبير، فقرأ منها خمس آيات قال: وروي أن أهل مكة كانوا يكبرون في آخر كل ختمة من خاتمة "والضحى" لكل القراء لابن كثير وغيره سُنّة نقلوها عن شيوخهم لكن الذي عليه العمل عند القراء أن


صفحه 737

يكبروا في قراءة البزي عن ابن كثير خاصة، وبذلك قرأت قال: وحجته في التكبير أنها رواية نقلها عن شيوخه من أهل مكة في الختم يجعلون ذلك زيادة في تعظيم الله -عز وجل- مع التلاوة لكتابه والتبرك بختم وحيه وتنزيله والتنزيه له من السوء لقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} ، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} ، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} ، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} قال: وحجته في الابتداء في آخر ختمه بخمس آيات من البقرة أنه اعتمد في ذلك على حديث صحيح مروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل: أي: الأعمال أفضل فقال: "الحال المرتحل"؛ يعني: الذي ارتحل من ختمة أتمها ويحل في ختمة أخرى؛ أي: يفرغ من ختمة ويبتدئ بأخرى وعلى ذلك أدرك أهل بلدة مكة قلت: قد سبق الكلام على هذا الخبر وبيان ضعفه فلا يغتر بقول مكي إنه صحيح وأحسن من عبارته عبارة أبي الحسن ابن غلبون قال: فإذا قرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} كبر، ثم قرأ فاتحة الكتاب وخمسا من سورة البقرة؛ لأنه يقال أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمى من فعل ذلك الحال المرتحل كما حدثني أبي -رحمه الله- وساق الحديث عن صالح المري عن قتادة عن زرارة عن ابن عباس أن رجلا قام إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله؛ أي: الأعمال أحب إلى الله فقال": "الحال المرتحل، فقال: يا رسول الله وما الحال المرتحل قال: فتح القرآن وختمه صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل"، قال: فقيل: إنه -صلى الله عليه وسلم- يعني: بذلك أنه يختم القرآن، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وشيئا من البقرة في وقت واحد قلت: أصل الحديث ضعيف كما سبق ثم زاد بعضهم فيه: التفسير غير منسوب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فحملناه على أن بعض رواته المذكورين في سنده فسره على ما وقع له في معناه، وهذا الحديث قد بين فيه أن المفسر له هو النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي زيادة غير معروفة فقد روى الأهوازي هذا التفسير بعينه ولم يقل في الحديث: يا رسول الله، ثم ولو صح هذا الحديث والتفسير لكان معناه الحث على الإكثار من قراءة القرآن والمواظبة عليها، فكلما فرغ من ختمة شرع في أخرى؛ أي: إنه لا يضرب عن القراءة بعد ختمة يفرغ منها بل تكون قراءة القرآن دأبه وديدنه، وفي رواية أخرى أخرجها الأهوازي في كتاب الإيضاح: الحال المرتحل الذي إذا ختم القرآن رجع فيه ثم هذا الفعل من التكبير وقراءة الحمد إلى المفلحون مروي عن ابن كثير نفسه مأخوذ به عن طريق البزي وقنبل على ما سنوضحه، قال أبو الطيب بن غلبون ولم يفعل هذا قنبل ولا غيره من القراء أعني التكبير وهذه الزيادة من أول سورة البقرة في قراءة الختمة سوى البزي وحده قال أبو الفتح فارس بن أحمد: ولا نقول إن هذا سنة ولا أنه لا بد لمن ختم أن يفعله فمن فعله فحسن جميل ومن ترك فلا حرج، قال صاحب التيسير: وهذا يسمى الحال المرتحل، وفي جميع ما قدمناه أحاديث مشهورة يرويها العلماء يؤيد بعضها بعضا تدل على صحة ما فعله ابن كثير قلت: لم يثبت شيء من ذلك وأكثر ما في الأمر أن ابن كثير كان يفعله والحديث المسند في ذلك هو في بيان سند قراءة ابن كثير؛ أي: أخذ ابن كثير عن درباس عن ابن عباس عن أبي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه وقرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي فالسند المذكور إنما هو لبيان ذلك، ثم قرأ في آخر الحديث وأنه كان إذا قرأ قل أعوذ برب الناس افتتح من الحمد ثم قرأ البقرة إلى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ثم دعا بدعاء الختم ثم قال: يعني بذلك ابن كثير والله أعلم، وقد قال أبو طالب صاحب أحمد بن حنبل: سألت أحمد إذا قرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} يقرأ من البقرة شيئا قال: لا يقرأ فلم يستحب أن يصل ختمه بقراءة شيء ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه ذكره شيخنا أبو محمد بن قدامة في كتابه المغنى، وذكر أبو الحسن بن غلبون وغيره رواية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن أن يقرءوا من أوله آيات، قلت: ولكل من المذهبين وجه ظاهر.


صفحه 738

1128-
وَقَالَ بِهِ البَزِّيُّ مِنْ آخِرِ الضُّحى ... وَبَعْضٌ لَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَصَّلا
اتبع في ذلك ما في كتاب التيسير من نسبة ذلك إلى البزي وحده على ما حكاه أبو الطيب بن غلبون وابنه أبو الحسن، ولا يختص ذلك بالبزي عند جماعة من مصنفي كتب القراءات بل هو مروي عن قنبل كما هو مروي عن البزي لكن شهرته عن البزي أكثر وعنه انتشرت الآثار في ذلك على ما سبق بيانه، وقوله: به؛ أي: بالتكبير بين بهذا البيت أول مواضع التكبير التي أجملها في قوله: قرب الختم فأكثر أهل الأداء على أنه من آخر "والضحي" وهو الصحيح؛ لأن الآثار في ذلك ألفاظها كما سبق مصرحة في بعض الروايات بألم نشرح وذلك آخر "والضحى" وفي بعضها إطلاق لفظ "والضحى"، وهو يحتمل الأول والآخر فيحمل هذا المطلق على ذلك التقييد ويتعين الآخر لذلك قال أبو الحسن ابن غلبون اعلم أن القراء أجمعوا على ترك التكبير من سورة والضحي إلا البزي وحد فإنه روى عن ابن كثير أنه يكبر من خاتمة "والضحى" إلى آخر القرآن، ثم روي عن أبي الحسن اللغوي أجازة قال: أخبرنا ابن مجاهد حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا يعقوب ابن سفيان حدثنا الحميد حدثنا سفيان حدثنا إبراهيم ابن أبي حية أنبأنا حميد عن مجاهد قال: ختمت على ابن عباس بضعا وعشرين ختمة كلها يأمرني أن أكبر من "ألم نشرح"، وبه عن سفيان قال: رأيت حميد الأعرج يقرأ والناس حوله فإذا بلغ والضحى كبر إذا ختم كل سورة حتى يختم، ولم يذكر صاحب التيسير التكبير إلا من آخر "والضحى"، فقول الناظم: وبعض له؛ أي: للبزي وصل التكبير من آخر سورة والليل؛ يعني: من أول "والضحى" فهذا الوجه من زيادة هذه القصيدة وهو قول صاحب الروضة قال: روى البزي التكبير من أول سورة "والضحى" إلى خاتمة "الناس"، ولفظه: الله أكبر تبعه الزينبي عن قنبل بلفظ التكبير وخالفه في الابتداء به فكبر من أول سورة "ألم نشرح" قال: ولم يختلفوا أنه منقطع مع خاتمة الناس، وحكى ابن الفحام وجها عن السوسي أنه يكبر من أول ألم نشرح إلى خاتمة النص والله أعلم، وقال الحافظ أبو العلا: كبر البزي وابن فليح وابن مجاهد وابن الصلت عن قنبل من فاتحة "والضحى" وفواتح ما بعدها من السور إلى سورة الناس، وكبر الباقون من فاتحة "ألم نشرح" إلى سورة الناس قال: وأجمعوا على ترك التكبير بين خاتمة الناس وبين الفاتحة إلا ما رواه فلان عن قنبل زاد بعضهم قراءة أربع آيات من أول البقرة.
قلت: وهكذا حكى الهذلي أن التكبير إلى أول: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وقال بعضهم: إلى خاتمتها فقول الناظم: إذا كبروا في آخر الناس اتبع فيه قول صاحب التيسير وهو يوهم أنه متفق عليه عند كل من يردف ذلك بقراءة الفاتحة وشيء من أول البقرة بل فيه الاختلاف كما ترى.
1129-
فَإِنْ شِئْتَ فَاقْطَعْ دُونَهُ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ ... صِلِ الْكُلَّ دُونَ القَطْعِ مَعْهُ مُبَسْمِلا
ذكر في هذا البيت حكم التكبير في اتصاله بالسورة الماضية أو بالبسملة التي من السورة الآتية فنقل ثلاثة أوجه كلها متجهة وهي مذكور في التيسير وغيره أحدها أنه يقطع آخر السورة من التكبير؛ أي: لا يصل التكبير بآخر السورة فهذا معنى قوله: فاقطع دونه؛ أي: دون التكبير وهذا اختيار صاحب الروضة والحافظ أبي العلاء، وهو الذي اختاره لما فيه من الفصل بين القرآن وغيره وقال صاحب الروضة: اتفق أصحاب ابن كثير على أن التكبير منفصل من القرآن


صفحه 739

لا يخلط به، وقال أبو العلاء الحافظ: أجمعوا غير المطوعي والفحام على الوقف في آخر كل سورة، ثم الابتداء بالتكبير متصلا بالتسمية فأما المطوعي والفحام فإنهما خيرا بين الوقف على آخر السورة ثم الابتداء بالتكبير وبين وصل آخر السورة بالتكبير قال: والفصل أولى.
قلت: لما ذكرته وينبني على ذلك أن يختار فصل التكبير أيضا من التسمية على المذهب الأصح وهو أن البسملة في أوائل السور من القرآن على ما قررنا في كتاب البسملة، ووجه ذلك ما ذكره صاحب الروضة من أن التكبير منفصل من القرآن لا يخلط به ولا يكون وصل التكبير بالبسملة أولى إلا على رأي من لا يراها من القرآن في أوائل السور فيكون حكمها وحكم التكبير واحدا كلاهما ذكر الله تعالى مأمور به فاتصاله أولى من قطعه الوجه الثاني أنه يصل التكبير بآخر السورة ويقف عليه ثم يبتدئ بالبسملة وهذا معنى قوله: أو عليه؛ يعني: أو تقطع على التكبير ومأخذ هذا الوجه أن التكبير إنما شرع في أواخر السور فهو من توابع السورة الماضية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كبر لما تليت عليه سورة "والضحى"، فرأى صاحب هذا الوجه أن وصله بآخر السورة والقطع عليه أولى؛ لتبين الغرض بذلك، وهذا لا يتجه إلا تعريفا على القول بأن أول مواضع التكبير آخر الضحى، فإن قلنا هو مشروع من أولها فهو للسورة الآتية فيتجه القول الأول، واختار صاحب التيسير هذا الوجه وبدأ به فيه وهو وصل التكبير بآخر السورة لكنه خير بين الوقوف عليه ووصله بالبسملة قال: والأحاديث الواردة عن المكيين بالتكبير دالة عليه؛ لأن فيها "مع" وهي تدل عن الصحبة والاجتماع، وقال في غير التيسير على ما نقله الشيخ في شرحه: الحذاق من أهل الأداء يستحبون في مذهب البزي أن يوصل التكبير بآخر السورة من غير قطع ولا سكت على آخرها دونه ويقطع عليه ثم يقرأ بعد ذلك "بسم الله الرحمن الرحيم" موصلا بالسورة الثانية إلى آخر القرآن، ومنع مكي من هذا الوجه فقال في التبصرة: ولا يجوز أن تقف على التكبير دون أن تصل بالبسملة وقال في الكشف: ليس لك أن تصل التكبير بآخر السورة وتقف عليه الوجه الثالث أن يوصف التكبير بآخر السورة وبالبسملة وهذا هو المراد من قوله: أوصل الكل، واختار هذا الوجه أبو الطيب ابن غلبون وابنه أبو الحسن ومكي مع تجويز غيره، قال أبو الطيب وهو المشهور من هذه الوجوه وبه قرأت وبه آخذ، وقال ابنه أبو الحسن: واعلم أن القارئ إذا أراد التكبير فإنه يكبر مع فراغه من آخر السورة من غير قطع ولا سكت في وصله ولكنه يصل آخر السور بالتكبير، ثم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" وهو الأشهر الجيد إذ لم يذكر في شيء من الحديث فصل ولا سكت، بل ذكر في حديث ابن عباس مع وهي تدل على الصحبة والاجتماع.
قلتُ: ولا ضرورة إلى هذه المضايقة فالمعية حاصلة وإن قطع على آخر السورة بوقفة يسيرة فلا يراد بالمعية في مثل ذلك إلا الاتصال المعروف في القراءة كما أن وقوف القارئ على مواضع الوقف من أواخر الآي وغيرها لا يخرجه ذلك عن اتصال قراءته بعضها ببعض، فإذا ليس الأولى إلا الوجه الأول وهو فصل السورة من التكبير لما ذكرناه وفصل التكبير من البسملة مبني أيضا على ما ذكرناه من الخلاف في البسملة قال صاحب التيسير: ولا يجوز القطع على التسمية إذا وصلت بالتكبير وهذا صحيح وقد مضى شرح ذلك في آخر باب البسملة وهو قوله: ومهما تصلها مع أواخر سورة فلا تقفن فلا فرق بين وصلها بآخر السورة أو بالتكبير أما إذا لم تصلها بالتكبير بل وقفت عليه فإنه يجوز لك أن تقف على البسملة أيضا كما إذا وقفت على آخر سورة وقد وقع لي في التكبير ثلاث احتمالات عليها تخرج هذه الوجوه كلها أحدها أن التكبير من توابع السورة الماضية فعلى هذا


صفحه 740

وصله بها أولى، الثاني: أنه من مقدمات السورة الآتية فعلى هذا قطعه من الأولى ووصله بالثانية أولى، والثالث أنه ذكر مشروع بين كل سورتين من هذه السور فعلى هذا يجوز وصله بهما وقطعه عنهما فمن كبر من أول والضحى لحظ الوجه الثاني ومن كبر من آخرها لحظ الأول وعلى هذا يبين الخلاف في انتهاء التكبير إلى أول الناس أو آخرها، فإن قلت فما وجه من كبر من أول الضحى وكبر آخر الناس.
قلت: كأنه أعطى لسورة الناس حكم ما قبلها من السور؛ إذ كل سورة منها بين التكبيرتين وليس التكبير في آخر الناس لأجل أول الفاتحة؛ لأن الختمة قد انقضت ولو كان للفاتحة لشرع التكبير بين الفاتحة والبقرة ولم يفعله هؤلاء؛ لأن التكبير للختم لا لافتتاح أول القرآن والله أعلم.
وقوله: معه مبسملا؛ أي: مبسملا مع التكبير فنصب مبسملا على الحال من فاعل صل الكل.
1130-
وَمَا قَبْلَهُ مِنْ سَاكِنٍ أَوْ مُنَوَّنٍ ... فَلِلسَّاكِنَيْنِ اكْسِرْهُ فِي الْوَصْلِ مُرْسَلا
المذكور في هذا البيت مفرع على قولنا إن التكبير يوصل بآخر السورة وهو معنى قوله: في الوصل ومعنى مرسلا مطلقا؛ أي: الحكم في الكسر مطلقا في النوعين أما إذا قلنا لا يوصل وهو الوجه المختار كما سبق فلا حاجة إلى ما في هذا البيت والذي بعده فإن الكسر يبتديء بفتح همزته وكذا إن قلنا إن التهليل يشرع قبل التكبير ووصلناه بآخر السورة فلا يتغير أمر مما يتعلق بأواخر السور؛ لأن أول التهليل حرف متحرك وأول التكبير همز وصل قبل ساكن فهمزة الوصل تسقط في الدرج فيبقى الساكن فينظر في أواخر السور وهي على أربعة أقسام ما آخره متحرك أو هاء ضمير، وهذان القسمان يأتي ذكرهما في البيت الآتي، وذكر في هذا البيت قسمين ما آخره ساكن وما آخره تنوين فالذي آخره ساكن: الضحى، ألم نشرح، اقرأ، والذي آخره تنوين: العاديات، القارعة، الهمزة، الفيل، قريش، النصر، تبت، الإخلاص؛ فحكم هذين القسمين كسر ما قبل التكبير؛ لالتقاء الساكنين وهذان القسمان كقسم واحد؛ لاتحاد حكمهما ولأن سكون التنوين كسكون غيره، وإنما أراد أن ينص على ساكن مرسوم حرفا في الخط وساكن يثبت لفظ لا خطا وهو التنوين ونزل تغيير أواخر هذه السورة لأجل ساكن أول التكبير منزلة تغييره إذا وصل آخر سورة بأول أخرى على قراءة حمزة فإن تنوين آخر: "والعاديات" يكسر وكذا ورش إذا وصل ويفتح آخر الضحى ويكسر آخر "اقرأ" بإلقاء حركة همزة ما بعدهما عليهما والله أعلم.
1131-
وَأَدْرِجْ عَلَى إِعْرَابِهِ مَا سِوَاهُما ... وَلا تَصِلَنْ هَاءَ الضَّمِيرِ لِتُوصَلا
يعني: ما سوى الساكن والمنون وهو المحرز أنزله على إعرابه؛ أي: وصله على حركته سواء كانت فتحة كآخر: التين، والماعون، والفلق، أو كسرة كآخر: القدر، والتكاثر، والعصر، والكافرين، والناس، أو ضمة كآخر: الكوثر، ولم يكن، والزلزلة، ولكن هاتان السورتان آخرهما هاء الضمير فلا يصلها؛ لأجل الساكن بعدهما على ما تمهد في شرح قوله: ولم يصلوها مضمر قبل ساكن فإذا لم تصلها وصلت ولم تقطع؛ لأن ذلك يدل على علمك وفضلك، وإن وصلتها قطعت؛ لدلالة ذلك على الجهل، فما أحلى ما وافقه، ولا تصلن لتوصلا والنون في ولا تصلن للتأكيد قوله: وأدرِجْ من


صفحه 741

قولهم: أدرجت الكتاب؛ أي: طويته وأدرجت الدلو إدراجا إذا متحتها ومتح من باب نفع يقال: متحت الدلو إذا استخرجتها برفق فكأن القارئ إذا قرأ كلمة وتعداها إلى غيرها قد أدرجها وطواها، وقوله: على إعرابه؛ أي: حركة إعرابه وفي حركات أواخر السور المذكورة ما هو حركة إعراب كآخر القدر، والتكاثر، والعصر، والماعون، والكوثر، والناس، وباقيها حركة بناء كالتين، ولم يكن، والزلزلة، والكافرين، والفلق، فلم يرد بقوله: إعرابه إلا مجرد الحركة وكان يغنيه عن ذلك أن يقول: وأدرج على تحريكه ما سواهما.
1132-
وَقُلْ لَفْظُهُ اللَّهُ أَكْبَرْ وَقَبْلَهُ ... لأَحْمَدَ زَادَ ابْنُ الْحُبَابِ فَهَيْللا
أي: لفظ التكبير وسكن الراء من أكبر حكاية للفظ المكبر؛ لأنه واقف عليه فهذا هو المختار في لفظة التكبير، قال ابن غلبون: والتكبير اليوم بمكة الله أكبر لا غير كما ذكرنا في الأحاديث التي تقدمت وهو مشهور في رواية البغي وحده، وقال مكي: الذي قرأت وهو المأخوذ به في الأمصار الله أكبر لا غير وقوله: وقبله؛ يعني: قبل التكبير لأحمد؛ يعني: البزي زاد بن الحباب وهو أبو علي الحسن ابن الحباب بن مخلد الدقاق قرأ على البزي، وروي عنه التهليل قبل التكبير وقوله: فهيللا؛ أي: فقال: لا إله إلا الله، والأصل أن يقال فهللا وأنما الياء بدل من أحد حرفي التضعيف نحو قولهم: تطنيت يقال: قد أكثرت من الهيللة أبدلت الياء من عين الكلمة؛ لتكرير اللامات حكى أبو عمرو الداني في كتاب التيسير عن الحسن بن الحباب قال: سألت البزي عن التكبير كيف هو فقال لي: لا إله إلا الله والله أكبر، قال الداني وابن الحباب: هذا من الإتقان والضبط وصدق اللهجة بمكان لا يجهله أحد من علماء هذه الصنعة، وبهذا قرأت على أبي الفتح وقرأت على غيره بما تقدم، وحكي عن ابن الحباب أيضا أبو طاهر ابن أبي هاشم ذكره الحافظ أبو العلاء فقال: لا إله إلا الله والله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم.
1133-
وَقيل بِهذَا عَنْ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ ... وَعَنْ قُنْبُلْ بَعْضٌ بِتَكْبِيرِهِ تَلا
أي: بما نقله ابن الحباب وهو معنى قول الداني: وبهذا قرأت على أبي الفتح، وقال في غير التيسير: حدثنا أبو الفتح شيخنا حدثنا عبد الباقي بن الحسن حدثنا أحمد بن صالح عن ابن الحباب عنهم؛ يعني: بالتهليل قال أبو عمرو: وبذلك قرأت على فارس أعني بالتهليل والتكبير وأبو الفتح هذا هو فارس بن أحمد بن موسى بن عمران الضرير الحمصي سكن مصر قال الداني في تاريخ الفراء أخذ القراءة عرضا وسماعا عن غير واحد من أصحاب ابن مجاهد وابن شنبوذ وغيرهم، ثم قال: لم يلقَ مثله في حفظه وضبطه وحسن تأديته وفهمه بعلم صناعته واتساع روايته مع ظهور نسكه وفضله وصدق لهجته وسمعته يقول ولدت بحمص سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، وتوفي -رحمه الله- بمصر في ما بلغني سنة إحدى وأربع مائة وقد ذكره أبو عمرو الداني أيضا في أرجوزته التي نظمها في علم القراءة فقال:
ممن أخذت عنهم ففارسوا ... وهو الضرير الحاذق الممارس
أضبط من لقيت للحروف ... وللصحيح السائر المعروف


صفحه 742

وجميع ما ذكرناه مأخوذ به في رواية البزي، أما قنبل فلم يذكر له صاحب التيسير تكبيرا، وقال في غيره: وقد قرأت أيضا لقنبل بالتكبير وحده من غير طريق ابن مجاهد قال: وبغير تكبير آخذ في مذهبه فقول الشاطبي: وعن قنبل بعض بتكبيره من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير والهاء في تكبيره عائد على البزي؛ أي: وبعض الشيوخ تلا عن قنبل بمثل تكبير البزي، ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على قنبل أو على بعض، ولكن قوة المعنى على ما ذكرناه أولا وقد حكى صاحب الروضة التهليل أيضا عن قنبل فقال: وروى قنبل في غير رواية الزينبي عنه التهليل والتكبير من أول سورة ألم نشرح إلى خاتمة الناس ولفظه لا إله إلا الله والله أكبر وكذلك حكى الحافظ أبو العلاء التهليل والتكبير للبزي ولقنبل وحكى الهذلي صاحب الكامل رواية عن قنبل في تقديم التسمية على التكبير وهذا مما يقوي أن التكبير للسورة الآتية لا للسابقة وإن كان وجها بعيدا والله أعلم.