بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 738

1128-
وَقَالَ بِهِ البَزِّيُّ مِنْ آخِرِ الضُّحى ... وَبَعْضٌ لَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَصَّلا
اتبع في ذلك ما في كتاب التيسير من نسبة ذلك إلى البزي وحده على ما حكاه أبو الطيب بن غلبون وابنه أبو الحسن، ولا يختص ذلك بالبزي عند جماعة من مصنفي كتب القراءات بل هو مروي عن قنبل كما هو مروي عن البزي لكن شهرته عن البزي أكثر وعنه انتشرت الآثار في ذلك على ما سبق بيانه، وقوله: به؛ أي: بالتكبير بين بهذا البيت أول مواضع التكبير التي أجملها في قوله: قرب الختم فأكثر أهل الأداء على أنه من آخر "والضحي" وهو الصحيح؛ لأن الآثار في ذلك ألفاظها كما سبق مصرحة في بعض الروايات بألم نشرح وذلك آخر "والضحى" وفي بعضها إطلاق لفظ "والضحى"، وهو يحتمل الأول والآخر فيحمل هذا المطلق على ذلك التقييد ويتعين الآخر لذلك قال أبو الحسن ابن غلبون اعلم أن القراء أجمعوا على ترك التكبير من سورة والضحي إلا البزي وحد فإنه روى عن ابن كثير أنه يكبر من خاتمة "والضحى" إلى آخر القرآن، ثم روي عن أبي الحسن اللغوي أجازة قال: أخبرنا ابن مجاهد حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا يعقوب ابن سفيان حدثنا الحميد حدثنا سفيان حدثنا إبراهيم ابن أبي حية أنبأنا حميد عن مجاهد قال: ختمت على ابن عباس بضعا وعشرين ختمة كلها يأمرني أن أكبر من "ألم نشرح"، وبه عن سفيان قال: رأيت حميد الأعرج يقرأ والناس حوله فإذا بلغ والضحى كبر إذا ختم كل سورة حتى يختم، ولم يذكر صاحب التيسير التكبير إلا من آخر "والضحى"، فقول الناظم: وبعض له؛ أي: للبزي وصل التكبير من آخر سورة والليل؛ يعني: من أول "والضحى" فهذا الوجه من زيادة هذه القصيدة وهو قول صاحب الروضة قال: روى البزي التكبير من أول سورة "والضحى" إلى خاتمة "الناس"، ولفظه: الله أكبر تبعه الزينبي عن قنبل بلفظ التكبير وخالفه في الابتداء به فكبر من أول سورة "ألم نشرح" قال: ولم يختلفوا أنه منقطع مع خاتمة الناس، وحكى ابن الفحام وجها عن السوسي أنه يكبر من أول ألم نشرح إلى خاتمة النص والله أعلم، وقال الحافظ أبو العلا: كبر البزي وابن فليح وابن مجاهد وابن الصلت عن قنبل من فاتحة "والضحى" وفواتح ما بعدها من السور إلى سورة الناس، وكبر الباقون من فاتحة "ألم نشرح" إلى سورة الناس قال: وأجمعوا على ترك التكبير بين خاتمة الناس وبين الفاتحة إلا ما رواه فلان عن قنبل زاد بعضهم قراءة أربع آيات من أول البقرة.
قلت: وهكذا حكى الهذلي أن التكبير إلى أول: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وقال بعضهم: إلى خاتمتها فقول الناظم: إذا كبروا في آخر الناس اتبع فيه قول صاحب التيسير وهو يوهم أنه متفق عليه عند كل من يردف ذلك بقراءة الفاتحة وشيء من أول البقرة بل فيه الاختلاف كما ترى.
1129-
فَإِنْ شِئْتَ فَاقْطَعْ دُونَهُ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ ... صِلِ الْكُلَّ دُونَ القَطْعِ مَعْهُ مُبَسْمِلا
ذكر في هذا البيت حكم التكبير في اتصاله بالسورة الماضية أو بالبسملة التي من السورة الآتية فنقل ثلاثة أوجه كلها متجهة وهي مذكور في التيسير وغيره أحدها أنه يقطع آخر السورة من التكبير؛ أي: لا يصل التكبير بآخر السورة فهذا معنى قوله: فاقطع دونه؛ أي: دون التكبير وهذا اختيار صاحب الروضة والحافظ أبي العلاء، وهو الذي اختاره لما فيه من الفصل بين القرآن وغيره وقال صاحب الروضة: اتفق أصحاب ابن كثير على أن التكبير منفصل من القرآن


صفحه 739

لا يخلط به، وقال أبو العلاء الحافظ: أجمعوا غير المطوعي والفحام على الوقف في آخر كل سورة، ثم الابتداء بالتكبير متصلا بالتسمية فأما المطوعي والفحام فإنهما خيرا بين الوقف على آخر السورة ثم الابتداء بالتكبير وبين وصل آخر السورة بالتكبير قال: والفصل أولى.
قلت: لما ذكرته وينبني على ذلك أن يختار فصل التكبير أيضا من التسمية على المذهب الأصح وهو أن البسملة في أوائل السور من القرآن على ما قررنا في كتاب البسملة، ووجه ذلك ما ذكره صاحب الروضة من أن التكبير منفصل من القرآن لا يخلط به ولا يكون وصل التكبير بالبسملة أولى إلا على رأي من لا يراها من القرآن في أوائل السور فيكون حكمها وحكم التكبير واحدا كلاهما ذكر الله تعالى مأمور به فاتصاله أولى من قطعه الوجه الثاني أنه يصل التكبير بآخر السورة ويقف عليه ثم يبتدئ بالبسملة وهذا معنى قوله: أو عليه؛ يعني: أو تقطع على التكبير ومأخذ هذا الوجه أن التكبير إنما شرع في أواخر السور فهو من توابع السورة الماضية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كبر لما تليت عليه سورة "والضحى"، فرأى صاحب هذا الوجه أن وصله بآخر السورة والقطع عليه أولى؛ لتبين الغرض بذلك، وهذا لا يتجه إلا تعريفا على القول بأن أول مواضع التكبير آخر الضحى، فإن قلنا هو مشروع من أولها فهو للسورة الآتية فيتجه القول الأول، واختار صاحب التيسير هذا الوجه وبدأ به فيه وهو وصل التكبير بآخر السورة لكنه خير بين الوقوف عليه ووصله بالبسملة قال: والأحاديث الواردة عن المكيين بالتكبير دالة عليه؛ لأن فيها "مع" وهي تدل عن الصحبة والاجتماع، وقال في غير التيسير على ما نقله الشيخ في شرحه: الحذاق من أهل الأداء يستحبون في مذهب البزي أن يوصل التكبير بآخر السورة من غير قطع ولا سكت على آخرها دونه ويقطع عليه ثم يقرأ بعد ذلك "بسم الله الرحمن الرحيم" موصلا بالسورة الثانية إلى آخر القرآن، ومنع مكي من هذا الوجه فقال في التبصرة: ولا يجوز أن تقف على التكبير دون أن تصل بالبسملة وقال في الكشف: ليس لك أن تصل التكبير بآخر السورة وتقف عليه الوجه الثالث أن يوصف التكبير بآخر السورة وبالبسملة وهذا هو المراد من قوله: أوصل الكل، واختار هذا الوجه أبو الطيب ابن غلبون وابنه أبو الحسن ومكي مع تجويز غيره، قال أبو الطيب وهو المشهور من هذه الوجوه وبه قرأت وبه آخذ، وقال ابنه أبو الحسن: واعلم أن القارئ إذا أراد التكبير فإنه يكبر مع فراغه من آخر السورة من غير قطع ولا سكت في وصله ولكنه يصل آخر السور بالتكبير، ثم يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" وهو الأشهر الجيد إذ لم يذكر في شيء من الحديث فصل ولا سكت، بل ذكر في حديث ابن عباس مع وهي تدل على الصحبة والاجتماع.
قلتُ: ولا ضرورة إلى هذه المضايقة فالمعية حاصلة وإن قطع على آخر السورة بوقفة يسيرة فلا يراد بالمعية في مثل ذلك إلا الاتصال المعروف في القراءة كما أن وقوف القارئ على مواضع الوقف من أواخر الآي وغيرها لا يخرجه ذلك عن اتصال قراءته بعضها ببعض، فإذا ليس الأولى إلا الوجه الأول وهو فصل السورة من التكبير لما ذكرناه وفصل التكبير من البسملة مبني أيضا على ما ذكرناه من الخلاف في البسملة قال صاحب التيسير: ولا يجوز القطع على التسمية إذا وصلت بالتكبير وهذا صحيح وقد مضى شرح ذلك في آخر باب البسملة وهو قوله: ومهما تصلها مع أواخر سورة فلا تقفن فلا فرق بين وصلها بآخر السورة أو بالتكبير أما إذا لم تصلها بالتكبير بل وقفت عليه فإنه يجوز لك أن تقف على البسملة أيضا كما إذا وقفت على آخر سورة وقد وقع لي في التكبير ثلاث احتمالات عليها تخرج هذه الوجوه كلها أحدها أن التكبير من توابع السورة الماضية فعلى هذا


صفحه 740

وصله بها أولى، الثاني: أنه من مقدمات السورة الآتية فعلى هذا قطعه من الأولى ووصله بالثانية أولى، والثالث أنه ذكر مشروع بين كل سورتين من هذه السور فعلى هذا يجوز وصله بهما وقطعه عنهما فمن كبر من أول والضحى لحظ الوجه الثاني ومن كبر من آخرها لحظ الأول وعلى هذا يبين الخلاف في انتهاء التكبير إلى أول الناس أو آخرها، فإن قلت فما وجه من كبر من أول الضحى وكبر آخر الناس.
قلت: كأنه أعطى لسورة الناس حكم ما قبلها من السور؛ إذ كل سورة منها بين التكبيرتين وليس التكبير في آخر الناس لأجل أول الفاتحة؛ لأن الختمة قد انقضت ولو كان للفاتحة لشرع التكبير بين الفاتحة والبقرة ولم يفعله هؤلاء؛ لأن التكبير للختم لا لافتتاح أول القرآن والله أعلم.
وقوله: معه مبسملا؛ أي: مبسملا مع التكبير فنصب مبسملا على الحال من فاعل صل الكل.
1130-
وَمَا قَبْلَهُ مِنْ سَاكِنٍ أَوْ مُنَوَّنٍ ... فَلِلسَّاكِنَيْنِ اكْسِرْهُ فِي الْوَصْلِ مُرْسَلا
المذكور في هذا البيت مفرع على قولنا إن التكبير يوصل بآخر السورة وهو معنى قوله: في الوصل ومعنى مرسلا مطلقا؛ أي: الحكم في الكسر مطلقا في النوعين أما إذا قلنا لا يوصل وهو الوجه المختار كما سبق فلا حاجة إلى ما في هذا البيت والذي بعده فإن الكسر يبتديء بفتح همزته وكذا إن قلنا إن التهليل يشرع قبل التكبير ووصلناه بآخر السورة فلا يتغير أمر مما يتعلق بأواخر السور؛ لأن أول التهليل حرف متحرك وأول التكبير همز وصل قبل ساكن فهمزة الوصل تسقط في الدرج فيبقى الساكن فينظر في أواخر السور وهي على أربعة أقسام ما آخره متحرك أو هاء ضمير، وهذان القسمان يأتي ذكرهما في البيت الآتي، وذكر في هذا البيت قسمين ما آخره ساكن وما آخره تنوين فالذي آخره ساكن: الضحى، ألم نشرح، اقرأ، والذي آخره تنوين: العاديات، القارعة، الهمزة، الفيل، قريش، النصر، تبت، الإخلاص؛ فحكم هذين القسمين كسر ما قبل التكبير؛ لالتقاء الساكنين وهذان القسمان كقسم واحد؛ لاتحاد حكمهما ولأن سكون التنوين كسكون غيره، وإنما أراد أن ينص على ساكن مرسوم حرفا في الخط وساكن يثبت لفظ لا خطا وهو التنوين ونزل تغيير أواخر هذه السورة لأجل ساكن أول التكبير منزلة تغييره إذا وصل آخر سورة بأول أخرى على قراءة حمزة فإن تنوين آخر: "والعاديات" يكسر وكذا ورش إذا وصل ويفتح آخر الضحى ويكسر آخر "اقرأ" بإلقاء حركة همزة ما بعدهما عليهما والله أعلم.
1131-
وَأَدْرِجْ عَلَى إِعْرَابِهِ مَا سِوَاهُما ... وَلا تَصِلَنْ هَاءَ الضَّمِيرِ لِتُوصَلا
يعني: ما سوى الساكن والمنون وهو المحرز أنزله على إعرابه؛ أي: وصله على حركته سواء كانت فتحة كآخر: التين، والماعون، والفلق، أو كسرة كآخر: القدر، والتكاثر، والعصر، والكافرين، والناس، أو ضمة كآخر: الكوثر، ولم يكن، والزلزلة، ولكن هاتان السورتان آخرهما هاء الضمير فلا يصلها؛ لأجل الساكن بعدهما على ما تمهد في شرح قوله: ولم يصلوها مضمر قبل ساكن فإذا لم تصلها وصلت ولم تقطع؛ لأن ذلك يدل على علمك وفضلك، وإن وصلتها قطعت؛ لدلالة ذلك على الجهل، فما أحلى ما وافقه، ولا تصلن لتوصلا والنون في ولا تصلن للتأكيد قوله: وأدرِجْ من


صفحه 741

قولهم: أدرجت الكتاب؛ أي: طويته وأدرجت الدلو إدراجا إذا متحتها ومتح من باب نفع يقال: متحت الدلو إذا استخرجتها برفق فكأن القارئ إذا قرأ كلمة وتعداها إلى غيرها قد أدرجها وطواها، وقوله: على إعرابه؛ أي: حركة إعرابه وفي حركات أواخر السور المذكورة ما هو حركة إعراب كآخر القدر، والتكاثر، والعصر، والماعون، والكوثر، والناس، وباقيها حركة بناء كالتين، ولم يكن، والزلزلة، والكافرين، والفلق، فلم يرد بقوله: إعرابه إلا مجرد الحركة وكان يغنيه عن ذلك أن يقول: وأدرج على تحريكه ما سواهما.
1132-
وَقُلْ لَفْظُهُ اللَّهُ أَكْبَرْ وَقَبْلَهُ ... لأَحْمَدَ زَادَ ابْنُ الْحُبَابِ فَهَيْللا
أي: لفظ التكبير وسكن الراء من أكبر حكاية للفظ المكبر؛ لأنه واقف عليه فهذا هو المختار في لفظة التكبير، قال ابن غلبون: والتكبير اليوم بمكة الله أكبر لا غير كما ذكرنا في الأحاديث التي تقدمت وهو مشهور في رواية البغي وحده، وقال مكي: الذي قرأت وهو المأخوذ به في الأمصار الله أكبر لا غير وقوله: وقبله؛ يعني: قبل التكبير لأحمد؛ يعني: البزي زاد بن الحباب وهو أبو علي الحسن ابن الحباب بن مخلد الدقاق قرأ على البزي، وروي عنه التهليل قبل التكبير وقوله: فهيللا؛ أي: فقال: لا إله إلا الله، والأصل أن يقال فهللا وأنما الياء بدل من أحد حرفي التضعيف نحو قولهم: تطنيت يقال: قد أكثرت من الهيللة أبدلت الياء من عين الكلمة؛ لتكرير اللامات حكى أبو عمرو الداني في كتاب التيسير عن الحسن بن الحباب قال: سألت البزي عن التكبير كيف هو فقال لي: لا إله إلا الله والله أكبر، قال الداني وابن الحباب: هذا من الإتقان والضبط وصدق اللهجة بمكان لا يجهله أحد من علماء هذه الصنعة، وبهذا قرأت على أبي الفتح وقرأت على غيره بما تقدم، وحكي عن ابن الحباب أيضا أبو طاهر ابن أبي هاشم ذكره الحافظ أبو العلاء فقال: لا إله إلا الله والله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم.
1133-
وَقيل بِهذَا عَنْ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ ... وَعَنْ قُنْبُلْ بَعْضٌ بِتَكْبِيرِهِ تَلا
أي: بما نقله ابن الحباب وهو معنى قول الداني: وبهذا قرأت على أبي الفتح، وقال في غير التيسير: حدثنا أبو الفتح شيخنا حدثنا عبد الباقي بن الحسن حدثنا أحمد بن صالح عن ابن الحباب عنهم؛ يعني: بالتهليل قال أبو عمرو: وبذلك قرأت على فارس أعني بالتهليل والتكبير وأبو الفتح هذا هو فارس بن أحمد بن موسى بن عمران الضرير الحمصي سكن مصر قال الداني في تاريخ الفراء أخذ القراءة عرضا وسماعا عن غير واحد من أصحاب ابن مجاهد وابن شنبوذ وغيرهم، ثم قال: لم يلقَ مثله في حفظه وضبطه وحسن تأديته وفهمه بعلم صناعته واتساع روايته مع ظهور نسكه وفضله وصدق لهجته وسمعته يقول ولدت بحمص سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، وتوفي -رحمه الله- بمصر في ما بلغني سنة إحدى وأربع مائة وقد ذكره أبو عمرو الداني أيضا في أرجوزته التي نظمها في علم القراءة فقال:
ممن أخذت عنهم ففارسوا ... وهو الضرير الحاذق الممارس
أضبط من لقيت للحروف ... وللصحيح السائر المعروف


صفحه 742

وجميع ما ذكرناه مأخوذ به في رواية البزي، أما قنبل فلم يذكر له صاحب التيسير تكبيرا، وقال في غيره: وقد قرأت أيضا لقنبل بالتكبير وحده من غير طريق ابن مجاهد قال: وبغير تكبير آخذ في مذهبه فقول الشاطبي: وعن قنبل بعض بتكبيره من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير والهاء في تكبيره عائد على البزي؛ أي: وبعض الشيوخ تلا عن قنبل بمثل تكبير البزي، ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على قنبل أو على بعض، ولكن قوة المعنى على ما ذكرناه أولا وقد حكى صاحب الروضة التهليل أيضا عن قنبل فقال: وروى قنبل في غير رواية الزينبي عنه التهليل والتكبير من أول سورة ألم نشرح إلى خاتمة الناس ولفظه لا إله إلا الله والله أكبر وكذلك حكى الحافظ أبو العلاء التهليل والتكبير للبزي ولقنبل وحكى الهذلي صاحب الكامل رواية عن قنبل في تقديم التسمية على التكبير وهذا مما يقوي أن التكبير للسورة الآتية لا للسابقة وإن كان وجها بعيدا والله أعلم.


صفحه 743

باب: مخارج الحروف وصفاتها التي يحتاج القارئ إليها
هذا الباب من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير ولكن ذكره أبو عمرو الداني في آخر كتاب الإيجاز وعلى ما فيه نظم الشاطبي رحمهما الله تعالى ولا تعلق له بعلم القراءات إلا من جهة التجويد وهو علم مخارج الحروف مقدمة له وهي جمع مخرج وهو موضع خروج الحرف من الفم وهي مختلفة على ما يأتي بيانه قال مكي: اللحن لحنان جلي وخفي، فالجلي ترك الإعراب والخفي ترك إعطاء الحروف حقوقها وذلك إنما يكون بإخراجها من غير مخارجها وإدراجها في غير مدراجها وتحليتها بغير صفاتها الواردجة على ألسنة القراء الذين خصهم الله تعالى بنقل شريعة القراءة وإقامتهم لضبط ما اشتمل عليه من الألفاظ، فالقراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ولا عذر للجاهل؛ لأن فرضه السؤال.
1134-
وَهَاكَ مَوَازِينُ الْحُرُوفِ وَمَا حَكَى ... جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ فِيها مُحَصَّلا
هاك؛ أي: خذها اسم فعل والكاف للخطاب والموازين جمع ميزان وموازين الحروف مخارجها سماها بذلك؛ لأنها إذا أخرجت منها لم يشارك صوتها شيء من غيرها فهي تميزها وتعرف مقدارها كما يفعل الميزان وقوله: وما حكى في موضع نصب عطفا على موازين؛ أي: وخذ الذي حكى فيها الجهابذة من التعبير عنها واستخراج صفاتها والجهابذة جمع جهبذ وهو الحاذق في النقد والنقاد جمع ناقد يقال: نقدت الدراهم إذا استخرجت منها الزيف وكنى بجهابذة النقاد عن الحاذقين بهذا العلم المتضلعين منه ومحصلا بفتح الصاد حال من مفعول حكى؛ أي: والذي حكاه العلماء محصلا وحسنت استعارة لفظ النقاد والجهابذة بعد ذكر الموازين وللشيخ -رحمه الله- في علم التجويد قصيدة يقول:
للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان
1135-
وَلا رِيَبةٌ فِي عَيْنِهِنَّ وَلا رِبا ... وَعِنْدَ صَلِيلِ الزَّيْفِ يَصْدُقُ الاِبْتِلا
في عينهن؛ أي: في نفسهن والريبة الشك والربا الزيادة؛ أي: لا شك في أنهن متعينات مخارج وصفات يتميز بها بعضها من بعض يدرك ذلك بالحس فهو ضروري لا شك فيه ولا يمكن الزيادة في التعريف بها بما يكذبه الحس وكذا النقصان وإنما ترك ذكره لظهوره فإن لفظ الزيادة يدل عليه فهو من باب قوله تعالى: تقيكم الحر؛ أي: والبرد وإلا فلا مناسبة بين قوله: ولا ريبة ولا ربا إلا المجانسة اللفظية؛ يعني: أنه أتى بها خالصة العبارة في الدلالة على المقصود ثم تمم البيت بما معناه أن هذا الذي ادعيته لا يخفى؛ لأن الزيف صليله شاهد عليه وها هي معروضة عليك؛ أي: عند نطق الناطق بالحرف يبين للناقد العارف بالمخارج والصفات أن نطقه به على صحة أو فيه خلل فصوت المختل كصليل الزيف والصليل الصوت والزيف مصدر زاف الدرهم إذا رديء ويقال أيضا درهم زائف وزيف؛ أي: رديء وصفوه بالمصدر وغلب ذلك عليه نحو: رجل عدل، فيجوز أن يكون الزيف في البيت بمعنى الزائف ويجوز أن يكون المصدر والابتلاء الاختبار؛ أي: الناقد إذا اختبره وهما ينقده عند الريبة فيه فيظهر فيه صوت


صفحه 744

الرداءة صدق اختباره والاستعارات التي في هذا البيت أيضا تابعة للمجازاة السابقة فهو من باب المجاز المرشح وله نظائر.
1136-
وَلا بُدَّ فِي تَعْيِينِهِنَّ مِنَ الأُلَى ... عُنُوا بِالْمَعانِي عَامِلينَ وَقُوَّلا
أي: لا بد لنا في حصول تعيينهن والتعريف بهن من نقل أقوال الذين اعتنوا بالمعاني فاستنبطوها وأحكموها؛ أي: إني أذكر ما ذكر أئمة العلماء بذلك، فالأولى بمعنى الذين وعاملين حال منهم، وقولا عطف عليه وهو جمع قائل؛ أي: قائلها عاملين بها والضمير في تعيينهن قال الشيخ: للموازيين وكذا ولا ريبة في عينهن ويجوز أن يكون للحروف على معنى ولا بد في تعيين ما تتميز به من المخارج والصفات من الاستعانة بعبارة المتقدمين وإن كان الحس يشهد بذلك.
1137-
فَابْدَأْ مِنْها بِالْمَخَارِجِ مُرْدِفًا ... لَهُنَّ بِمَشْهُورِ الصِّفَاتِ مُفَصِّلا
منها؛ أي: من المعاني إن كان أراد بقوله: عنوا بالمعاني المخارج والصفات، وإن كان أراد مطلق المعاني فالهاء في منها عائدة على الحروف وهذا مما يقوي أن الضمير في تعيينهن للحروف وفي قوله: وما هاك موازين الحروف ويكون منها على حذف مضاف؛ أي: في أحكام الحروف وقوله: مردفا لهن للمخارج بذكر ما اشتهر من صفات الحروف مفصلا ذلك؛ أي: مبينا ثم شرع في ذكر المخارج وقال:
1138-
ثَلاثٌ بِأَقْصَى الْحَلْقِ وَاثْنانِ وَسْطَهُ ... وَحَرْفَانِ مِنْها أَوَّلَ الْحَلْقِ جُمِّلا
أي: منها ثلاثة أحرف حلت بأقصى الحلق وحرفان في وسطه وحرفان أوله وجملا نعت لحرفان فالألف ضمير التثنية ذكر في هذا البيت سبعة أحرف وهي المسماة حروف الحلق وإنما قال: ثلاث ولم يقل ثلاثة ومراده ثلاثة أحرف؛ لأن الأحرف عبارة عن حروف المعجم وتلك يجوز معاملة ألفاظها بالتأنيث والتذكير فقال: ثلاث بلفظ التأنيث العددي اعتبارا لذلك المعنى ثم قال واثنان فاعتبر اللفظ فذكر وقد تقدم الكلام في ذلك أيضا في شرح قوله في الأصول: غير عشر ليعدلا، ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: ثلاث شخوص كاعبات ومعصرا أنث عدد شخوص وهو لفظ مذكر لما أراد به نساء ذكر سيبويه -رحمه الله- أن مخارج الحروف ستة عشر مخرجا وهي دائرة على ثلاثة الحلق والفم والشفة ويقال الحلق واللسان والشفتان والمعنى واحد وكل ذلك على التقريب وإلحاق ما اشتد تقاربه بمقاربه وجعله معه من مخرج واحد والتحقيق أن كل حرف له مخرج يخالف الآخر باعتبار الصفات وإلا كان إياه فللحلق ثلاثة مخارج أقصاه وأوسطه وأدناه إلى الفم وهو المراد بقوله: أول الحلق ولهذا سميت هذه الحروف السبعة لحروف الحلق إضافة لها إلى مخرجها فالثلاثة التي لأقصى الحلق الهمزة والألف والهاء وهي على هذا الترتيب فالهمزة أقصى الحروف مخرجا تكاد تخرج من الصدر والحلق فإن اللذان من أوسط الحلق هما العين والحاء


صفحه 745

المهملتان والحرفان اللذان من أدنى الحلق هما الغين والخاء المعجمتان ويتبين لك مخرج كل حرف بأن تنطق بالحرف ساكنا وقبله همزة وصل، ثم شرع في الحروف التي تخرج من الفم وفيه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا في أربعة مواضع من اللسان أقصاه ووسطه وحافته وطرفه ففي الأقصى مخرجان وفي الوسط واحد وفي الحافة مخرجان وفي الطرف خمسة مخارج فقال:
1139-
وَحَرْفٌ لَهُ أَقْصَى اللِّسَانِ وَفَوْقَهْ ... مِنَ الْحَنَكِ احْفَظْهُ وَحَرْفٌ بِأَسْفَلا
أي: ومنها حرف مخرجه أقصى اللسان وهو الذي يلي أول الحلق فقوله: "وفوقه"؛ أي: وما فوقه في الحنك، فحذف الموصول ضرورة، وهذا الحرف هو القاف ثم قال: وحرف بأسفلا؛ أي: ومنها حرف بأسفل الحنك مع كونه في أقصى اللسان وهو الكاف يقال لها أقصى اللسان وما تحته من الحنك ومنهم من يقول وما فوقه من الحنك مما يلي مخرج القاف قال الشيخ أبو عمرو -رحمه الله: والأمر في ذلك قريب؛ لأنه قد يوجد على كل واحد من الأمرين بحسب اختلاف الأشخاص مع سلامة الذوق فعبر كل واحد على حسب وجدانه.
1140-
وَوَسْطُهُمَا مِنْهُ ثَلاثٌ وَحَافَةُ الْـ ... ـلِسَانِ فَأَقْصَاهَا لِحَرْفٍ تَطَوَّلا
أي: وسط اللسان والحنك منه يخرج ثلاثة أحرف وهي الجيم والشين المعجمة والياء المثناة من تحت فقوله: منه ثلاث جملة ابتدائية هي خبر وسطها ثم ابتدأ قائلا: وحافة اللسان لحرف تطولا، وقوله: فأقصاها بدل من حافة اللسان على زيادة الفاء ويعني بذلك أولا حافة اللسان كما ذكر الأئمة والحرف الذي يطول هو الضاد المعجمة؛ لأنه استطال حتى اتصل بمخرج اللام على ما سيأتي بيانه وهو يخرج من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس فهذا معنى قوله: لحرف تطولا إلى ما يلي الأضراس على ما تراه في البيت الآخر وهو.
1141-
إِلى مَا يَلِي الأَضْرَاسَ وَهْوَ لَدَيْهِمَا ... يَعِزُّ وَبِاليُمْنَى يَكُونُ مُقَلَّلًا
أي: تطول إلى الموضع الذي يلي الأضراس وقوله: وهو؛ يعني: أيضا ولديهما؛ أي: لدى الجهتين اليمنى واليسرى فاضمر ما لم يجر له ذكر؛ لأن في قوة الكلام دليلا عليه، وهو قوله: ما يلي الأضراس؛ فإن الأضراس موجودة في الجانبين وقوله: يعز؛ أي: يقل ويضعف خروجها منهما ولهذا قال سيبويه إنها تتكلف من الجانبين بل من الناس من يخرجها من الجانب الأيمن وهو قليل وهو معنى قوله: وباليمنى؛ أي: وبالجهة اليمنى يكون مقللا والأكثر على إخراجها من الجانب الأيسر على حسب ما يسهل على المتكلم وقيل: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يخرجها من الجانبين ومنهم من يجعل مخرج الضاد قبل مخرج الجيم والشين والياء.
1142-
وَحَرْفٌ بِأَدْنَاهَا إِلى مُنْتَهاهُ قَدْ ... يَلِي الْحَنَكَ الأَعْلى وَدُونَهُ ذُو وِلا