قولهم: أدرجت الكتاب؛ أي: طويته وأدرجت الدلو إدراجا إذا متحتها ومتح من باب نفع يقال: متحت الدلو إذا استخرجتها برفق فكأن القارئ إذا قرأ كلمة وتعداها إلى غيرها قد أدرجها وطواها، وقوله: على إعرابه؛ أي: حركة إعرابه وفي حركات أواخر السور المذكورة ما هو حركة إعراب كآخر القدر، والتكاثر، والعصر، والماعون، والكوثر، والناس، وباقيها حركة بناء كالتين، ولم يكن، والزلزلة، والكافرين، والفلق، فلم يرد بقوله: إعرابه إلا مجرد الحركة وكان يغنيه عن ذلك أن يقول: وأدرج على تحريكه ما سواهما.
1132-
وَقُلْ لَفْظُهُ اللَّهُ أَكْبَرْ وَقَبْلَهُ ... لأَحْمَدَ زَادَ ابْنُ الْحُبَابِ فَهَيْللا
أي: لفظ التكبير وسكن الراء من أكبر حكاية للفظ المكبر؛ لأنه واقف عليه فهذا هو المختار في لفظة التكبير، قال ابن غلبون: والتكبير اليوم بمكة الله أكبر لا غير كما ذكرنا في الأحاديث التي تقدمت وهو مشهور في رواية البغي وحده، وقال مكي: الذي قرأت وهو المأخوذ به في الأمصار الله أكبر لا غير وقوله: وقبله؛ يعني: قبل التكبير لأحمد؛ يعني: البزي زاد بن الحباب وهو أبو علي الحسن ابن الحباب بن مخلد الدقاق قرأ على البزي، وروي عنه التهليل قبل التكبير وقوله: فهيللا؛ أي: فقال: لا إله إلا الله، والأصل أن يقال فهللا وأنما الياء بدل من أحد حرفي التضعيف نحو قولهم: تطنيت يقال: قد أكثرت من الهيللة أبدلت الياء من عين الكلمة؛ لتكرير اللامات حكى أبو عمرو الداني في كتاب التيسير عن الحسن بن الحباب قال: سألت البزي عن التكبير كيف هو فقال لي: لا إله إلا الله والله أكبر، قال الداني وابن الحباب: هذا من الإتقان والضبط وصدق اللهجة بمكان لا يجهله أحد من علماء هذه الصنعة، وبهذا قرأت على أبي الفتح وقرأت على غيره بما تقدم، وحكي عن ابن الحباب أيضا أبو طاهر ابن أبي هاشم ذكره الحافظ أبو العلاء فقال: لا إله إلا الله والله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم.
1133-
وَقيل بِهذَا عَنْ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ ... وَعَنْ قُنْبُلْ بَعْضٌ بِتَكْبِيرِهِ تَلا
أي: بما نقله ابن الحباب وهو معنى قول الداني: وبهذا قرأت على أبي الفتح، وقال في غير التيسير: حدثنا أبو الفتح شيخنا حدثنا عبد الباقي بن الحسن حدثنا أحمد بن صالح عن ابن الحباب عنهم؛ يعني: بالتهليل قال أبو عمرو: وبذلك قرأت على فارس أعني بالتهليل والتكبير وأبو الفتح هذا هو فارس بن أحمد بن موسى بن عمران الضرير الحمصي سكن مصر قال الداني في تاريخ الفراء أخذ القراءة عرضا وسماعا عن غير واحد من أصحاب ابن مجاهد وابن شنبوذ وغيرهم، ثم قال: لم يلقَ مثله في حفظه وضبطه وحسن تأديته وفهمه بعلم صناعته واتساع روايته مع ظهور نسكه وفضله وصدق لهجته وسمعته يقول ولدت بحمص سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، وتوفي -رحمه الله- بمصر في ما بلغني سنة إحدى وأربع مائة وقد ذكره أبو عمرو الداني أيضا في أرجوزته التي نظمها في علم القراءة فقال:
ممن أخذت عنهم ففارسوا ... وهو الضرير الحاذق الممارس
أضبط من لقيت للحروف ... وللصحيح السائر المعروف
وجميع ما ذكرناه مأخوذ به في رواية البزي، أما قنبل فلم يذكر له صاحب التيسير تكبيرا، وقال في غيره: وقد قرأت أيضا لقنبل بالتكبير وحده من غير طريق ابن مجاهد قال: وبغير تكبير آخذ في مذهبه فقول الشاطبي: وعن قنبل بعض بتكبيره من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير والهاء في تكبيره عائد على البزي؛ أي: وبعض الشيوخ تلا عن قنبل بمثل تكبير البزي، ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على قنبل أو على بعض، ولكن قوة المعنى على ما ذكرناه أولا وقد حكى صاحب الروضة التهليل أيضا عن قنبل فقال: وروى قنبل في غير رواية الزينبي عنه التهليل والتكبير من أول سورة ألم نشرح إلى خاتمة الناس ولفظه لا إله إلا الله والله أكبر وكذلك حكى الحافظ أبو العلاء التهليل والتكبير للبزي ولقنبل وحكى الهذلي صاحب الكامل رواية عن قنبل في تقديم التسمية على التكبير وهذا مما يقوي أن التكبير للسورة الآتية لا للسابقة وإن كان وجها بعيدا والله أعلم.
باب: مخارج الحروف وصفاتها التي يحتاج القارئ إليها
هذا الباب من زيادات هذه القصيدة على ما في التيسير ولكن ذكره أبو عمرو الداني في آخر كتاب الإيجاز وعلى ما فيه نظم الشاطبي رحمهما الله تعالى ولا تعلق له بعلم القراءات إلا من جهة التجويد وهو علم مخارج الحروف مقدمة له وهي جمع مخرج وهو موضع خروج الحرف من الفم وهي مختلفة على ما يأتي بيانه قال مكي: اللحن لحنان جلي وخفي، فالجلي ترك الإعراب والخفي ترك إعطاء الحروف حقوقها وذلك إنما يكون بإخراجها من غير مخارجها وإدراجها في غير مدراجها وتحليتها بغير صفاتها الواردجة على ألسنة القراء الذين خصهم الله تعالى بنقل شريعة القراءة وإقامتهم لضبط ما اشتمل عليه من الألفاظ، فالقراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ولا عذر للجاهل؛ لأن فرضه السؤال.
1134-
وَهَاكَ مَوَازِينُ الْحُرُوفِ وَمَا حَكَى ... جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ فِيها مُحَصَّلا
هاك؛ أي: خذها اسم فعل والكاف للخطاب والموازين جمع ميزان وموازين الحروف مخارجها سماها بذلك؛ لأنها إذا أخرجت منها لم يشارك صوتها شيء من غيرها فهي تميزها وتعرف مقدارها كما يفعل الميزان وقوله: وما حكى في موضع نصب عطفا على موازين؛ أي: وخذ الذي حكى فيها الجهابذة من التعبير عنها واستخراج صفاتها والجهابذة جمع جهبذ وهو الحاذق في النقد والنقاد جمع ناقد يقال: نقدت الدراهم إذا استخرجت منها الزيف وكنى بجهابذة النقاد عن الحاذقين بهذا العلم المتضلعين منه ومحصلا بفتح الصاد حال من مفعول حكى؛ أي: والذي حكاه العلماء محصلا وحسنت استعارة لفظ النقاد والجهابذة بعد ذكر الموازين وللشيخ -رحمه الله- في علم التجويد قصيدة يقول:
للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان
1135-
وَلا رِيَبةٌ فِي عَيْنِهِنَّ وَلا رِبا ... وَعِنْدَ صَلِيلِ الزَّيْفِ يَصْدُقُ الاِبْتِلا
في عينهن؛ أي: في نفسهن والريبة الشك والربا الزيادة؛ أي: لا شك في أنهن متعينات مخارج وصفات يتميز بها بعضها من بعض يدرك ذلك بالحس فهو ضروري لا شك فيه ولا يمكن الزيادة في التعريف بها بما يكذبه الحس وكذا النقصان وإنما ترك ذكره لظهوره فإن لفظ الزيادة يدل عليه فهو من باب قوله تعالى: تقيكم الحر؛ أي: والبرد وإلا فلا مناسبة بين قوله: ولا ريبة ولا ربا إلا المجانسة اللفظية؛ يعني: أنه أتى بها خالصة العبارة في الدلالة على المقصود ثم تمم البيت بما معناه أن هذا الذي ادعيته لا يخفى؛ لأن الزيف صليله شاهد عليه وها هي معروضة عليك؛ أي: عند نطق الناطق بالحرف يبين للناقد العارف بالمخارج والصفات أن نطقه به على صحة أو فيه خلل فصوت المختل كصليل الزيف والصليل الصوت والزيف مصدر زاف الدرهم إذا رديء ويقال أيضا درهم زائف وزيف؛ أي: رديء وصفوه بالمصدر وغلب ذلك عليه نحو: رجل عدل، فيجوز أن يكون الزيف في البيت بمعنى الزائف ويجوز أن يكون المصدر والابتلاء الاختبار؛ أي: الناقد إذا اختبره وهما ينقده عند الريبة فيه فيظهر فيه صوت
الرداءة صدق اختباره والاستعارات التي في هذا البيت أيضا تابعة للمجازاة السابقة فهو من باب المجاز المرشح وله نظائر.
1136-
وَلا بُدَّ فِي تَعْيِينِهِنَّ مِنَ الأُلَى ... عُنُوا بِالْمَعانِي عَامِلينَ وَقُوَّلا
أي: لا بد لنا في حصول تعيينهن والتعريف بهن من نقل أقوال الذين اعتنوا بالمعاني فاستنبطوها وأحكموها؛ أي: إني أذكر ما ذكر أئمة العلماء بذلك، فالأولى بمعنى الذين وعاملين حال منهم، وقولا عطف عليه وهو جمع قائل؛ أي: قائلها عاملين بها والضمير في تعيينهن قال الشيخ: للموازيين وكذا ولا ريبة في عينهن ويجوز أن يكون للحروف على معنى ولا بد في تعيين ما تتميز به من المخارج والصفات من الاستعانة بعبارة المتقدمين وإن كان الحس يشهد بذلك.
1137-
فَابْدَأْ مِنْها بِالْمَخَارِجِ مُرْدِفًا ... لَهُنَّ بِمَشْهُورِ الصِّفَاتِ مُفَصِّلا
منها؛ أي: من المعاني إن كان أراد بقوله: عنوا بالمعاني المخارج والصفات، وإن كان أراد مطلق المعاني فالهاء في منها عائدة على الحروف وهذا مما يقوي أن الضمير في تعيينهن للحروف وفي قوله: وما هاك موازين الحروف ويكون منها على حذف مضاف؛ أي: في أحكام الحروف وقوله: مردفا لهن للمخارج بذكر ما اشتهر من صفات الحروف مفصلا ذلك؛ أي: مبينا ثم شرع في ذكر المخارج وقال:
1138-
ثَلاثٌ بِأَقْصَى الْحَلْقِ وَاثْنانِ وَسْطَهُ ... وَحَرْفَانِ مِنْها أَوَّلَ الْحَلْقِ جُمِّلا
أي: منها ثلاثة أحرف حلت بأقصى الحلق وحرفان في وسطه وحرفان أوله وجملا نعت لحرفان فالألف ضمير التثنية ذكر في هذا البيت سبعة أحرف وهي المسماة حروف الحلق وإنما قال: ثلاث ولم يقل ثلاثة ومراده ثلاثة أحرف؛ لأن الأحرف عبارة عن حروف المعجم وتلك يجوز معاملة ألفاظها بالتأنيث والتذكير فقال: ثلاث بلفظ التأنيث العددي اعتبارا لذلك المعنى ثم قال واثنان فاعتبر اللفظ فذكر وقد تقدم الكلام في ذلك أيضا في شرح قوله في الأصول: غير عشر ليعدلا، ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: ثلاث شخوص كاعبات ومعصرا أنث عدد شخوص وهو لفظ مذكر لما أراد به نساء ذكر سيبويه -رحمه الله- أن مخارج الحروف ستة عشر مخرجا وهي دائرة على ثلاثة الحلق والفم والشفة ويقال الحلق واللسان والشفتان والمعنى واحد وكل ذلك على التقريب وإلحاق ما اشتد تقاربه بمقاربه وجعله معه من مخرج واحد والتحقيق أن كل حرف له مخرج يخالف الآخر باعتبار الصفات وإلا كان إياه فللحلق ثلاثة مخارج أقصاه وأوسطه وأدناه إلى الفم وهو المراد بقوله: أول الحلق ولهذا سميت هذه الحروف السبعة لحروف الحلق إضافة لها إلى مخرجها فالثلاثة التي لأقصى الحلق الهمزة والألف والهاء وهي على هذا الترتيب فالهمزة أقصى الحروف مخرجا تكاد تخرج من الصدر والحلق فإن اللذان من أوسط الحلق هما العين والحاء
المهملتان والحرفان اللذان من أدنى الحلق هما الغين والخاء المعجمتان ويتبين لك مخرج كل حرف بأن تنطق بالحرف ساكنا وقبله همزة وصل، ثم شرع في الحروف التي تخرج من الفم وفيه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا في أربعة مواضع من اللسان أقصاه ووسطه وحافته وطرفه ففي الأقصى مخرجان وفي الوسط واحد وفي الحافة مخرجان وفي الطرف خمسة مخارج فقال:
1139-
وَحَرْفٌ لَهُ أَقْصَى اللِّسَانِ وَفَوْقَهْ ... مِنَ الْحَنَكِ احْفَظْهُ وَحَرْفٌ بِأَسْفَلا
أي: ومنها حرف مخرجه أقصى اللسان وهو الذي يلي أول الحلق فقوله: "وفوقه"؛ أي: وما فوقه في الحنك، فحذف الموصول ضرورة، وهذا الحرف هو القاف ثم قال: وحرف بأسفلا؛ أي: ومنها حرف بأسفل الحنك مع كونه في أقصى اللسان وهو الكاف يقال لها أقصى اللسان وما تحته من الحنك ومنهم من يقول وما فوقه من الحنك مما يلي مخرج القاف قال الشيخ أبو عمرو -رحمه الله: والأمر في ذلك قريب؛ لأنه قد يوجد على كل واحد من الأمرين بحسب اختلاف الأشخاص مع سلامة الذوق فعبر كل واحد على حسب وجدانه.
1140-
وَوَسْطُهُمَا مِنْهُ ثَلاثٌ وَحَافَةُ الْـ ... ـلِسَانِ فَأَقْصَاهَا لِحَرْفٍ تَطَوَّلا
أي: وسط اللسان والحنك منه يخرج ثلاثة أحرف وهي الجيم والشين المعجمة والياء المثناة من تحت فقوله: منه ثلاث جملة ابتدائية هي خبر وسطها ثم ابتدأ قائلا: وحافة اللسان لحرف تطولا، وقوله: فأقصاها بدل من حافة اللسان على زيادة الفاء ويعني بذلك أولا حافة اللسان كما ذكر الأئمة والحرف الذي يطول هو الضاد المعجمة؛ لأنه استطال حتى اتصل بمخرج اللام على ما سيأتي بيانه وهو يخرج من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس فهذا معنى قوله: لحرف تطولا إلى ما يلي الأضراس على ما تراه في البيت الآخر وهو.
1141-
إِلى مَا يَلِي الأَضْرَاسَ وَهْوَ لَدَيْهِمَا ... يَعِزُّ وَبِاليُمْنَى يَكُونُ مُقَلَّلًا
أي: تطول إلى الموضع الذي يلي الأضراس وقوله: وهو؛ يعني: أيضا ولديهما؛ أي: لدى الجهتين اليمنى واليسرى فاضمر ما لم يجر له ذكر؛ لأن في قوة الكلام دليلا عليه، وهو قوله: ما يلي الأضراس؛ فإن الأضراس موجودة في الجانبين وقوله: يعز؛ أي: يقل ويضعف خروجها منهما ولهذا قال سيبويه إنها تتكلف من الجانبين بل من الناس من يخرجها من الجانب الأيمن وهو قليل وهو معنى قوله: وباليمنى؛ أي: وبالجهة اليمنى يكون مقللا والأكثر على إخراجها من الجانب الأيسر على حسب ما يسهل على المتكلم وقيل: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يخرجها من الجانبين ومنهم من يجعل مخرج الضاد قبل مخرج الجيم والشين والياء.
1142-
وَحَرْفٌ بِأَدْنَاهَا إِلى مُنْتَهاهُ قَدْ ... يَلِي الْحَنَكَ الأَعْلى وَدُونَهُ ذُو وِلا
أي: بأدنى حافة اللسان إلى منتها طرف اللسان بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ومنهم من يزيد على هذا فيقول فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية وهو حرف اللام، قال الشيخ أبو عمرو: وكان يغني أن يقال: فويق الثنايا إلا أن سيبويه ذكر ذلك فمن أجل ذلك عددوا وإلا فليس في الحقيقة فوق؛ لأن مخرج النون يلي مخرجها وهي فوق الثنايا فكذلك هذا على أن الناطق باللام يبسط جوانب طرفي لسانه مما فوق الضاحك إلى الضاحك الآخر وإن كان المخرج في الحقيقة ليس إلا فوق الثنايا وإنما ذاك يأتي لما فيها من شبه الشدة ودخول المخرج في ظهر اللسان، فيبسط الجانبان لذلك فلذلك عدد الضاحك والناب والرباعية والثنية، وقوله: ودونه بقصر الهاء؛ أي: دون هذا الحرف وهو حرف اللام حرف ذو ولاء؛ أي: متابعة له؛ يعني: النون مخرجها مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا وهي تخرج قليلا من مخرج اللام، وقال مكي: ومن أدنى طرفه وما يليه في الحنك الأعلى تخرج النون والتنوين ومن ذلك الأدنى داخلا إلى ظهر اللسان قليلا تخرج الراء، ثم ذكر مخرج الراء فقال:
1143-
وَحَرْفٌ يُدَانِيهِ إِلَى الظَّهْرِ مَدْخَلٌ ... وَكَمْ حَاذِقٍ مَعْ سِيبَويْهِ بِهِ اجْتَلا
يعني: يداني النون وهو الراء يخرج من مخرجها، لكنه أدخل في ظهر اللسان قليلا من مخرج النون؛ لانحرافه إلى اللام، فهذا معنى قوله: إلى الظهر مدخل؛ أي: وحرف مدخل إلى الظهر يدانيه، وأورد الشيخ أبو عمرو أن هذه العبارة تقتضي أن يكون مخرج الراء قبل النون؛ لأن الراء أدخل منها إلى ظهر اللسان، وأجاب بأن المخرج بعد مخرج النون وإنما يشاركه ذلك لا على أنه يستقل به ألا ترى أنك إذا نطقت بالنون والراء ساكنتين وجدت طرف اللسان عند النطق بالراء فيما هو بعد مخرج النون هذا هو الذي يجده المستقيم الطبع قال وقد يمكن إخراج الراء مما هو داخل من مخرج النون أو من مخرجها ولكن يتكلف لا على حسب إجراء ذلك على الطبع المستقيم والكلام في المخارج إنما هو على حسب اشتقاق الطبع لا على التكلف، والهاء في به يعود على الظهر؛ أي: إن سيبويه وجماعة من الحذاق يجعلون الراء من ظهر اللسان وأنهم ثم اجتلوه؛ أي: كشفوه، هكذا قال الشيخ، ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على المذكور؛ أي: وكم من حاذق في صناعة العربية؛ أي: ماهر بها اجتلا هذا الحرف بهذا المخرج المذكور وهو نص ما في كتاب سيبويه الذي هو إمام نحاة البصريين قال -رحمه الله: ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا؛ لانحرافه إلى اللام مخرج الراء زاد غيره وقال: غير أن في الراء تكريرا وكذا ما ذكرناه في اللام والنون هو قول سيبويه ثم قال:
1144-
وَمِنْ طَرَفٍ هُنَّ الثَّلاثُ لِقُطْرُبٍ ... وَيَحْيى مَعَ الْجَرْمِيِّ مَعْناهُ قُوِّلا
قال أبو عمرو الداني: وقال الفراء: وقطرب والجرمي وابن كيسان مخارج الحروف أربعة عشر مخرجا فجعلوا اللام والراء والنون من مخرج واحد وهو طرف اللسان قلت: أما قطرب فهو أبو علي محمد بن المستنير البصري أحد العلماء بالنحو واللغة أخذ عن سيبويه وغيره، ويقال: إن سيبويه لقبه قطربا لمباكرته إياه في الأسحار قال له يوما: ما أنت إلا قطرب ليل والقطرب دويبة تدب ولا تفتر، ومنه حديث ابن مسعود: لا أعرفن أحدكم جيفة ليل قطرب نهار، قال أبو عبيد: يقال إن القطرب دويبة لا تستريح نهارها سعيا، وحكى ثعلب أن القطرب الخفيف وكان
محمد بن المستنير يبكر إلى سيبويه فيفتح سيبويه بابه فيجده هنالك فيقول له: ما أنت إلا قطرب ليل، فلقب بذلك، أما يحيى فهو أبو زكريا بن يحيى بن زياد الفراء إمام نحاة الكوفة بعد الكسائي ذكر الخطيب أنه كان ثقة إماما وأنه كان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو، أما الجرمي فهو أبو عمرو صالح بن إسحاق أحد نحاة البصرة قرأ على الأخفش وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وكان ذا دين وورع فهذا معنى قوله: ومن طرف اللسان، والثلاث بدل من قوله: هن أو عطف بيان كقولك في الدار هو زيد أضمرته أولا اعتمادا على أن السامع يعرفه، ثم اعترضك شك في معرفته به فأتيت بما يكشفه ويوضحه ويؤكده ومعنى لقطرب؛ أي: في قوله: ومذهبه فهي لام البيان نحو "هيت لك" ثم ابتدأ قوله: ويحيى وفي قولا ضمير تثنية راجع إلى يحيى والجرمي؛ أي: نسب إليهما قول بمعنى ما ذكر قطرب، وقال صاحب العين: هذه الحروف الثلاثة ذلقية تبتدئ من ذلق اللسان وهو تحديد طرفه.
1145-
وَمِنْهُ وَمِنْ عُلْيَا الثَّنَايَا ثَلاثَةٌ ... وَمِنْهُ وَمِنْ أَطْرَافِها مِثْلُها انْجَلى
يعني: ومن طرف اللسان ومن الثنايا العليا؛ يعني: بينهما ثلاثة أحرف وهي الطاء والدال المهملتان والتاء المثناة من فوق وعبارة سيبويه مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا زاد غيره: مصعدا إلى الحنك، وقال الشيخ أبو عمرو: وقوله: وأصول الثنايا ليس بحتم بل قد يكون ذلك من أصول الثنايا، ويكون مما بعد أصولها قليلا مع سلامة الطبع من التكليف ثم قال: ومنه -يعني: ومن طرف اللسان- ومن أطرافها -أي: أطراف الثنايا المذكورة- أي: مما بينهما وهي عبارة سيبويه مثلها؛ أي: ثلاثة أحرف وهي الظاء والذال المعجمتان والثاء المثلثة فهي مثلها في العدية، وقال مكي ومن طرفه وما يليه من أطراف الثنايا علياها وسفلاها تخرج الظاء والذال والثاء ومعنى انجلا انكشف؛ أي: انجلا المذكور بمعنى بأن كل فريق من هذه الستة وظهر مخرجه، ويجوز أن يكون الضمير في انجلا عائدا على لفظ مثل؛ لأنه مفرد وإن عنى به ثلاثة؛ أي: انجلا مثلها من المخرج المذكور وقوله: عليا الثنايا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها والأصل الثنايا العليا، ولم يذكر سيبويه في عبارته العليا وهي مراده وهذه إضافة صحيحة؛ لأن الثنايا قسمان سفلى وعليا، فميز بالإضافة نحو علماء القوم وفضلاء الرجال وليس في كل جهة إلا ثنيتان فالمجموع أربع، وجوز التعبير عن المثنى بالجمع تخفيفا وهو هنا أولى من غيره لا من الإلباس، ونظيره قولهم: هو عظيم المناكب وغليظ الحواجب وشديد المرافق وضخم المناخر.
1146-
وَمِنْهُ وَمِنْ بَيْنِ الثنَايَا ثَلاثَةٌ ... وَحَرْفٌ مِنْ اطْرَافِ الثَّنَايا هِيَ الْعُلا
أي: ومن طرف اللسان ومن بين الثنايا لا أصولها ولا أطرافها ثلاثة أخرى وهي الصاد والسين المهملتان والزاي، وقدم سيبويه ذكر هذه الثلاثة التي قبلها وعبارته فيها ومما بين طرف اللسان وفوق الثنايا مخارج الزاي والسين والصاد، قال الشيخ: وعبر عن ذلك غيره فقال: من طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى كذا قال، وسيبويه لم يصف الثنايا في عبارته في جميع هذه المواضع فلم يقل العليا ولا السفلى، وقال الشيخ أبو عمرو: قولهم الثنايا في هذه المواضع إنما يعنون الثنايا العليا وليس ثم إلا ثنيتان، وإنما عبروا عنها بلفظ الجمع؛ لأن اللفظ به أخف مع كونه معلوما وإلا فالقياس
أن يقال وأطراف الثنيتين، وقال في الزاي وأختيها: هي تفارق مخرج الطاء وأختيها؛ لأنها بعد أصول الثنايا أو بعد ما بعد أصولها، وتفارق الطاء وأختيها؛ لأنها قبل أطراف الثنايا، وقال غيره: هي من حانته قليلا من مخرج الظاء بحيث لا تلصق اللسان بالثنايا عند إخراجها ثم بين الناظم مخرج الفاء بقوله:
بيان للثنايا والعلا جمع العليا وبتمام هذا البيت تم الكلام في المخارج المتعلقة بالفم وبقي مخرج الشفة وفيها مخرجان لأربعة أحرف ثم تمم الكلام في مخرج الفاء فقال:
ومنه من بين الثنايا ثلاثة ... وحرف من أطراف الثنايا هي العلا
1147-
وَمِنْ بَاطِنِ السُّفْلَى مِنَ الشَّفَتَيْنِ قُلْ ... وَلِلشَّفَتَيْنِ اجْعَلْ ثَلاثًا لِتَعْدِلا
أي: مخرج الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا هذه عبارة سيبويه وبقي ثلاثة أحرف وهي الواو والفاء الموحدة والميم مخرجها مما بين الشفتين فهذه حروف الشفة وحروف الحلق هي السبعة المبتدأ بذكرها والبواقي حروف الفم والفاء مشتركة بين الثنايا والشفة فمن حيث تعلقها بالثنايا فارقت حروف الشفة ومن حيث لا تعلق لها باللسان فارقت حروف الفم فالتحقيق أنها قسم برأسها ونصب لتعدلا بلام التعليل فإن كانت فتعدلا يكون نصبها بالفاء في جواب الأمر.
1148-
وَفِي أَوَّلِ مِنْ كِلْمِ بَيْتَيْنِ جَمْعُها ... سِوَى أَرْبَعٍ فِيهِنَّ كِلْمَةٌ أَوّلا
لما أجمل ذكر الحروف عند مخارجها أتى بها مضمنة في أوائل كلمات بيتين على ترتيب ما بينه من المخارج فقوله: وفي أول؛ أي: في حروف أول وأول جمع أولى ووجه هذا التأنيث ما سبق ذكره في قوله: ثلاث بأقصى الحلق؛ لأنه نعت لحروف والحروف عبارة عن أسماء حروف التهجي وتلك الأسماء يجوز تأنيثها فكأنه قال وفي أوائل من كلمات بيتين جمع هذه الحروف ذوات هذه المخارج فقوله: كلم بكسر الكاف وسكون اللام هو تخفيف كلم بفتح الكاف وكسر اللام مثل قولهم فخذ في فخذ وكبد في كبد ثم قال سوى أربع؛ أي: سوى أربع أحرف فإنك لا تأخذهما من أوائل الكلمات وإنما تأخذها من مجموع الكلمة الأولى من البيت الأول من البيتين المذكورين، وقوله: فيهن؛ أي: في جمعهن جمع كلمة أول البيتين فأولا مخفوض بإضافة كلمة إليه لكنه لا ينصرف هكذا قال الشيخ وهو مشكل فإن الكلمة حينئذ تبقى مجهولة في البيت الأول فما من كلمة فيه إلا ويصدق عليها هذه العبارة فالوجه أن يكون كلمة منونة وأولا ظرف ألقيت حركة همزته على التنوين فهذا أولى لتتعين الكلمة الأولى من البيتين لجميع الحروف الأربعة على ما نبينه، ثم ذكر البيتين فقال:
1149-
"أَهَاعَ" "حَـ"ـشَا "غَـ"ـاوٍ "خَـ"ـلا "قَـ"ـارِئٍ "كَـ"ـمَا ... "جَـ"ـرَى "شَـ"ـرْطُ "يُـ"ـسْرَى "ضَـ"ـارِعٍ "لَـ"ـاحَ "نَـ"ـوْفَلا
أهاع هي الكلمة المضمنة أربعة أحرف من حروف الحلق وهي الثلاثة التي بأقصى الحلق وواحد من وسطه والثاني أول حشا والحرفان اللذان من أول الحلق هما أول غاو خلا وهكذا أخذ الباقي من الحروف من أوائل الكلمات إلى آخر البيت وهو النون الذي عبر عنه بقوله: ودونه ذو ولا وكان الوجه تقديم ذكر الألف على الهاء