بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 752

حرف ندائه؛ أي: يا عمرو نل ما ذكرته لله ثم ذكر أن حروف المد يجمعها قولك: وأي وهي ثلاثة أحرف الواو والألف والياء والوأى بهمزة الألف معناه الوعد ولكنه سهل الهمزة؛ ليأتي بلفظ الألف وسميت حروف المد؛ لامتداد الصوت بها عند ساكن أو همزة، ثم قال: والرخو كملا أي وهذا اللفظ الذي هو وأي كملت حروفه الثلاثة الحروف الرخوة التي هي ضد الشديدة؛ أي: إنها معدودة منها وإنما قال ذلك؛ لأن غيره يجعلها من جملة الحروف التي بين الرخوة والشديدة فلما لم يذكرها من حروف "عمر نل" بيّن أنه لم يخل بتركها وإنما هي عنده من قسم الرخوة والذين جعلوها بين الرخوة والشديدة فيصير حروفها عندهم ثمانية يجمعها قولك: لم يروعنا أو لم يرعونا أو لم يروعنا أو ولينا عمرا ولم يروعنا وهو ظاهر كلام سيبويه فإنه لما عد الحروف الرخوة لم يعد حروف المد، وذكر بعدها العين واللام والنون والميم والراء وبينها واحدة واحدة بعبارة تقتضي أنها بين الشديدة والرخوة لم يتم لصوتها الانحصار ولا الجري، ثم قال: ومنها اللينة فوصفهن، ثم قال: وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخارجها وإخفائهن وأوسعهن مخرجا الألف ثم الياء ثم الواو وظاهر كلام أبي الحسن الرماني في شرح الأصول موافق لما نظمه الشاطبي فإنه قال: وما عدا الشديدة على وجهين شديد يجري فيه الصوت ورخوة أما الشديد الذي يجري فيه الصوت فحرف يشتد لزومه لموضعه ثم يتجافى به اللسان عن موضعه فيجري فيه الصوت؛ لتجافيه وهي الراء واللام والنون والميم والعين وكذا ذكر أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز، وقال: يجمعها قولك: لم يرع، وقال مكي في بعض تصانيفه: الرخاوة فيما عدا الشديدة إلا سبعة أحرف يجمعها قولك يولى عمرو فإنها بين الرخاوة والشدة فأدخل فيها الواو والياء ولم يدخل الألف.
1155-
وَ"قِظْ خُصَّ ضَغْطِ" سَبْعُ عُلُوٍ وَمُطْبَقٌ ... هُوَ الضَّادُ وَالظَّا أُعْجِمًا وَإِنُ اهْمِلا
أي: حروف هذه الكلم الثلاث هي حروف الاستعلاء وهي سبعة سميت بذلك لارتفاع اللسان بها إلى الحنك وما عداها المستفلة؛ لأنها لا يعلو بها اللسان إلى جهة الحنك وقد مضى في باب ترقيق الراءات معنى هذه الكلمات وبعضهم ألحق العين والحاء المهملتين بالحروف المستعلية فصارت تسعا وأضاف سبعا إلى علو كأنه قال حروف العلو؛ أي: حروف الاستعلاء ويجوز ضم عين علو وكسرها وقوله: ومطبق مبتدأ خبره محذوف قبله؛ أي: وفيها مطبق؛ أي: ومن هذه الأحرف السبعة المستعلية حروف الإطباق وهي أربعة ثم بينها بقوله: أهملا الضاد والظاء المعجمتان والمهملتان؛ يعني: الصاد والطاء والمعجم المنقوط والمهمل الذي لا نقط له وألقى حركة همزة أهملا على نون وإن والألف في آخر أهملا ضمير التثنية وسميت هذه الأربعة مطبقة؛ لأنه انطبق على مخرجها من اللسان ما حاذاه من الحنك وما عدا هذه الأربعة من الحروف كلها يقال له المنفتحة؛ لأنك لا تطبق لسانك منها على الحنك، وذكر الشيخ أبو عمرو أن تسمية هذه الحروف بالمطبقة والمنفتحة فيها تجوز؛ لأن المطبق إنما هو اللسان والحنك، أما الحرف فهو مطبق عنده فاختصر فقيل: مطبق كما قيل: للمشترك فيه مشترك وكذا المنفتحة؛ لأن الحرف لا ينفتح وإنما ينفتح عنده اللسان عن الحنك وكذا المستعلية؛ لأن اللسان يستعلي عندها قال ابن مريم الشيرازي ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا والظاء ذالا والصاد سينا ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس من موضعها شيء غيرها وموضعها موضع الإطباق فإذا عدم الإطباق عدمت الضاد ولأجل أنها غير مشاركة في المخرج لم يوجد في شيء من كلام الأمم إلا في العربية وإنما أخذ ذلك من كلام ابن السراج وفي كلام الرماني زيادة فإنه قال: لولا الإطباق لصارت الطاء دالا؛ لأنه ليس بينهما فرق إلا بالإطباق ولم تصر تاء للفرق بينهما من جهة الجهر والهمس وكذلك سبيل الصاد


صفحه 753

والسين؛ لأنهما مهموستان ولم يجب مثل ذلك للزاي؛ لأنها مجهورة، وكذلك الظاء والذال ولم يجب في الثاء؛ لأنها مهموسة.
1156-
وَصَادٌ وَسِينٌ مُهْمَلانِ وَزَايُها ... صَفِيرٌ وَشِينٌ بِالتَّفَشِّي تَعَمَّلا
الذي سبق من الصفات كان له ضد يطلق على باقي الحروف ومن هاهنا صفات لبعض الحروف ليس يطلق على باقيها اسم مشعر بضد تلك الصفات بل يسليها فهذه الثلاثة الصاد والسين المهملتان والزاي تسمى حروف الصفير؛ لأنها يصفر بها وباقي الحروف لا صفير فيها، وهذه الثلاثة هي الحروف الأسلية التي تخرج من أسلة اللسان قال ابن مريم: ومنهم من الحق بها الشين وإنما يقال لها حروف الصفير؛ لأنك تصفر عند اعتمادك على مواضعها قال مكي: والصفر حد الصوت كالصوت الخارج من ضغطة ثقب قال: والتفشي انتشار خروج الريح وانبساطه حتى يتخيل أن الشين انفرشت حتى لحقت بمنشأ الطاء وهي أخص بهذه الصفة من الفاء قال: وقد ذكر بعضهم الضاد من هذا المعنى؛ لاستطالتها لما اتصلت بمخرج اللام، وقال ابن مريم الشيرازي: ومنها حروف التفشي وهي أربعة مجموعة في قولك: مشفر وهي حروف فيها غنة ونفش وتأفف وتكرار، وإنما قيل: لها حروف التفشي وإن كان التفشي في الشين خاصة؛ لأن الباقية مقاربة له؛ لأن الشين بما فيه من التفشي ينتشر الصوت منه ويتفشى حتى يتصل إلى مخارج الباقية وقال الشيخ: سمي الشين المتفشي؛ لأنه انتشر في الفم برخاوته حتى اتصل بمخرج الطاء والتفشي الانتشار، وقوله: صغير؛ أي: ذات صغير والضمير في زايها يرجع إلى الحروف ومهملان نعت صاد وسين وأتى بلفظ صاد وسين وشين على التنكير؛ لأن المعبر عنه لا يختلف منكرا كان أو معرفا ومعنى تعمل هنا اتصف؛ لأن من عمل شيئا اتصف به ولهذا عداه بالياء في قوله: بالتفشي؛ أي: اتصف الشين به ومنه قوله: كن متعملا.
1157-
وَمُنْحَرِفٌ لامٌ وَرَاءٌ وَكُرِّرَتْ ... كَمَا الْمُسْتَطِيلُ الضَّادُ لَيْسَ بِأَغْفَلا
منحرف خبر مقدم؛ أي: وحرف اللام منحرف؛ أي: مسمى بالمنحرف قال سيبويه ومنها المنحرف؛ أي: ومما بين الرخو والشديد وهو حرف شديد جرى فيه الصوت؛ لأنحراف اللسان مع الصوت ولم يعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشديدة وهي اللام إن شئت مددت فيها الصوت وليس كالرخوة؛ لأن طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه وليس يخرج الصوت من موضع اللام ولكنه من ناحيتي مستدق اللسان خولف ذلك قال ابن مريم: مخرج الصوت على الناحيتين وما فوقهما وقال الشيخ أبو عمرو: اللسان عند النطق باللام ينحرف إلى داخل الحنك قليلا ولذلك سمي منحرفا وجرى فيه الصوت وإلا فهو في الحقيقة لولا ذلك حرف شديد إذ لولا الانحراف لم يجر الصوت وهي معنى الشدة ولكنه لما حصل الانحراف مع التصويت كان في حكم الرخوة لجرى الصوت وكذلك جعل بين الشديدة والرخوة، وقوله: وراء؛ أي: والراء لذلك فوصف بالانحراف، قال مكي: والراء انحرف عن مخرج النون الذي هو أقرب المخارج إليه إلى مخرج اللام قال الشيخ والراء أيضا فيها انحراف قليل إلى ناحية اللام ولذلك يجعلها الألثغ لاما.


صفحه 754

قلت: وأكثر المصنفين من النحاة والقراء لا يصفون بالانحراف إلا اللام وحدها، وعبارة سيبويه دالة على ما قال الناظم فإنه قال لما ذكر اللام والنون والميم وبين أنها من الرخوة والشديدة ومنها المكرر وهو حرف شديد جرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافى الصوت كالرخوة ولو لم يكرر لم يجر فيه الصوت وهو الراء فهذا معنى قول الناظم وراء وكررت؛ أي: جمعت بين صفتي الانحراف والتكرير، قال مكي: التكرير تضعيف يوجد في جسم الراء لارتعاد طرف اللسان بها ويقوى مع التشديد ولا يبلغ به حد بفتح وقال ابن مريم إذا وقف الواقف على الراء وجد طرف اللسان يتير بما فيه من التكرير ولذلك يعد في الإمالة بحرفين والحركة فيه تنزل منزلة حركتين وقال الشيخ أبو عمرو: والمكرر الراء لما تحسه من شبه ترديد اللسان في مخرجه عند النطق به ولذلك أجرى مجرى الحرفين في أحكام متفددة فحسن إسكان: ينصركم ويشعركم ولم يحسن إسكان يقتلكم ويسمعكم، وحسن إدغام مثل: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم أحسن منه في إن يمسكم ولم يمل طالب وغانم وأميل طارد وغارم وامتنعوا من إمالة راشد ولم يمتنعوا من إمالة راشد وكل هذه الأحكام راجعة في المنع والتسويغ إلى التكرير الذي في الراء قال الشيخ وسمى الضاد مستطيلا؛ لأنه استطال حتى اتصل بمخرج اللام قال مكي: والاستطالة تمدد عند بيان الضاد للجهر والإطباق والاستعلاء وتمكنها من أول حافة اللسان إلى منتهى طرفه فاستطالت بذلك فلحقت بمخرج اللام ومعنى ليس بأغفلا؛ أي: معجم احترز بذلك من الاشتباه بالصاد.
1158-
كَمَا اْلأَلِفُ الْهَاوِي وَ"آوِي" لِعِلَّةٍ ... وَفِي "قُطْبِ جَدٍّ" خَمْسُ قَلْقَلَةٍ عُلا
أي: ويقال لحرف الألف الهاوي قال سيبويه هو حرف تسع لهواء الصوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو؛ لأنك قد تضم شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك وقال الشيخ أبو عمرو: الهاوي الألف؛ لأنه في الحقيقة راجع إلى الصوت الهاوي الذي بعد الفتحة وهذا وإن شاركه الواو والياء فيه إلا أنه يفارقها من وجهين أحدهما ما تحسه عند الواو والياء من التعرض لمخرجيهما والآخر اتساع هواء الألف؛ لأنه صوت بعد الفتحة فيكون الفم فيه مفتوحا بخلاف الضمة والكسرة فإنه لا يكون كذلك فلذلك اتسع هواء صوت الألف أكثر في الواو والياء وقوله: وآوى لعلة؛ أي: حروف كلمة آوى وهو فعل مضارع للإخبار عن المتكلم من آوى ويؤاوي فهو أربعة أحرف همزة ثم ألف وواو وياء ومعنى لعلة؛ أي: هي حروف العلة؛ أي: متهيئة لذلك معدة له يريد أنها حروف العلة؛ أي: الاعتلال لما يعتريها من القلب والإبدال على ما هو معروف في علم التصريف ولم يعد أكثر المصنفين حروف العلة إلا ثلاثة، وزاد الناظم فيها الهمزة لما يدخلها من أنواع التخفيف بالحذف والتسهيل والقلب، ومنهم من عد الهاء منها؛ لانقلابها همزة في نحو ماء وأيهات، وتسمى أيضا الحروف الثلاثة الهوائية؛ لأنها تخرج في هواء الفم قال ابن مريم الشيرازي: وقد يقال لها أيضا الهاوية؛ لأنها تهوى في الفم وليس لها حياز من الفم يعتمد في خروجها عليها قال وبعض النحويين يجعل الألف وحده هو الهاوي قال ولا شك في أن الألف أشد هويا في الفم؛ لأنه أشد امتدادا واستطالة فهو يتمحض للمد، ثم ذكر الناظم حروف القلقلة وهي خمسة وجمعها في قوله: قطب جد وهذا جمع حسن، وقال غيره: جد بطق وقد طبج، ومعنى طبج حمق وهو بكسر الباء ومنهم من يفتحها وفسره بعاب وأضاف خمس إلى القلقلة كما أضاف في سبع ما سبق علو وعلا نعت لقوله: خمس قلقلة؛ أي: خمس عالية؛ أي: معروفة ظاهرة؛ لأن العالي أبدا ظاهرا قال الداني هي حروف مشربة ضغطت من مواضعها فإذا وقف عليها خرج معها صوت من الفم ونبا اللسان عن موضعه وقال مكي القلقلة صويت حادث عند خروج حرفها لضغطه عن موضعه ولا يكون إلا عند


صفحه 755

الوقف ولا يستطاع أن يوقف عليه دونها مع طلب إظهار ذاته وهي مع الروم أشد، قال الشيخ: سميت بذلك؛ لأنك إذا وقفت عليها تقلقل اللسان حتى تسمع عند الوقف على الحرف منها نبرة تتبعه، وقال الشيخ أبو عمرو: سميت بذلك إما؛ لأن صوتها صوت أشد الحروف أخذا من القلقلة التي هي صوت الأشياء اليابسة وإما؛ لأن صوتها لا يكاد يتبين به سكونها ما لم يخرج إلى شبه التحريك يشبه أمرها من قولهم: قلقله إذا حركه، وإنما حصل لها ذلك لاتفاق كونها شديدة مجهورة فالجهر يمنع النفس أن يجري معها، والشدة تمنع أن يجري صوتها فلما اجتمع لها هذان الوصفان وهو امتناع جري النفس معها وامتناع جري صوتها احتاجت إلى التكلف في بيانها فلذلك يحصل من الضغط للمتكلم عند النطق بها ساكنة حتى تكاد تخرج إلى شبه تحركها؛ لقصد بيانها؛ إذ لولا ذلك لم يتبين؛ لأنه إذا امتنع النفس والصوت تقدر بيانها ما لم يتكلف بإظهار أمرها على الوجه المذكور، وقال ابن مريم الشيرازي: وهي حروف مشربة في مخارجها إلا أنها لا تضغط ضغط الحروف المطبقة غير أنها قريبة منها فإن فيها أصواتا كالحركات تتقلقل عند خروجها؛ أي: تضطرب، ولهذا سميت حروف القلقلة قال: وزعم بعضهم أن الضاد والزاي والذال والطا منها؛ لثبوتها وضغطها في مواضعها إلا أنها وإن كانت مشربة في مخارجها فإنها غير مضغوطة كضغط الحروف الخمسة المذكورة ولكن يخرج معها عند الوقف عليها شبه النفخ قال: وامتحان حروف القلقلة أن تقف عليها فإذا وقفت خرج منها صويت كالنفح لنشرها في اللها واللسان.
1159-
وَأَعْرَفُهُنَّ القَافُ كُلُّ يَعُدُّهَا ... فَهذَا مَعَ التَّوْفِيقِ كَافٍ مُحَصِّلا
أي: أعرف القلقلة القاف؛ أي: هي المشهورة بذلك المتضح فيها هذا الوصف فاعرف هذا الموضع هو من التفضيل في باب المفعول وهو مما شذ في كلامهم مثل هو أحد منه وأشهر ثم قال: كي يعدها؛ أي: هي مجمع على عدها من حروف القلقلة، قال الشيخ أبو الحسن: قالوا: أصل القلقلة للقاف؛ لأن ما يحس به من شدة الصوت المتصعد من الصدر مع الضغط والحقر فيه أكثر من غيره قال: وعد المبرد منها الكاف إلا أنه جعلها دون القاف؛ لأن حصر القاف أشد قال المبرد: وهذه القلقلة بعضها أشد من بعض فإذا وصلت ذهبت تلك النبرة؛ لأنك أخرجت لسانك عنها إلى صوت آخر فحال بينه وبين الاستقرار، فهذا آخر الكلام في صفات الحروف التي تعرض الناظم لذكرها وهي منقسمة إلى ما يشعر بقوة وإلى ما يشعر بضعف والجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والصفير والقلقلة والتكرير والتفشي والاستطالة والانحراف علامات القوة، أما الهمس والرخاوة والتسفل والانفتاح والمد والاعتلال والهوى فعلامات الضعف فلا تغفل في تطلب تجويد القراءة من مراتب الحروف على حسب تمكنها من القوة والضعف وليست صفات القوة ولا صفات الضعف متساوية فكل قسم منها مختلف المراتب، وقد اتفق له اللفظ بجميع الحروف في هذه الصفات التي ذكرها سوى الزاي المعجمة، وفيها من الصفات ما ذكره في البيت الأول وهو وجهر ورخو وانفتاح صفاتها ومستفل، وعرف ذلك وغيره من ضد ما ذكره والله أعلم، وقوله: فهذا مع التوفيق كاف؛ أي: فهذا الذي ذكرته إذا وفق الله من عرفه يكفيه في هذا العلم ومحصلا مفعول كاف؛ أي: يكفي الطالب المشتغل المحصل ويجوز أن يكون حالا من الضمير في كاف؛ أي: في حال كونه محصلا لغرض الطالب محتويا عليه.


صفحه 756

1160-
وَقَدْ وَفقَ اللهُ الكَرِيمُ بِمَنِّهِ ... لإِكْمَالِهَا حَسْنَاءَ مَيْمُونَةَ الْجِلا
المن الأنعام وحسناء ميمونة حالان ومعنى ميمونة الجلا مباركة البروز؛ أي: كما ظهرت للناس كانت مباركة الطلعة وقد صدق -رضي الله عنه- فإن بركتها عمت كل من حفظها وأتقنها ولو لم يكن إلا كثرة الفوائد الحاصلة من ناظمها:
1161-
وَأَبْيَاتُهَا أَلْفٌ تَزِيدُ ثَلاثَةً ... وَمَعْ مائَةٍ سَبْعِينَ زُهْرًا وَكُمَّلا
فاعل تزيد ضمير راجع إلى الأبيات لا إلى الألف؛ فإن الألف تذكر وثلاثة نصب على التمييز وسبعين عطف عليه، والتقدير: وتزيد أيضا سبعين مع مائة فصار المجموع ألفا ومائة وثلاثة وسبعين وزهرا وكملا حالان من الضمير في تزيد الراجع إلى الأبيات؛ أي: هي زاهرة كاملة؛ يعني: مضيئة كاملة الأوصاف ويجوز أن يكونا صفتين للتمييز؛ أي: تزيد أبياتها على الألف أبياتا زاهرة وكاملة والوجه الأول أولى؛ لأنه أعم وصفا؛ لأنه يفيد وصف الجميع بخلاف الوجه الثاني:
1162-
وَقَدْ كُسِيَتْ مِنْهَا الْمَعَانِي عِنَايَةً ... كَمَا عَرِيَتْ عَنْ كُلِّ عَوْرَاءَ مِفْصَلا
أثنى في هذا البيت على معانيها وألفاظها فنصب عناية على أنه فعولي كسيت؛ أي: أنه اعتنى بها فجاءت شريفة المعاني حسنة المباني، وقابل بين الكسوة والعري فقال: كسيت معانيها عناية وعريت في التعبير عنها عن كل جملة عورا؛ أي: لا تنبيء عن المعنى المقصود فهي ناقصة معينة ونصب مفصلا على التمييز؛ أي: عن كل جملة عابت مفصلا والمفصل العضو؛ أي: عن كل ما قبح مفصله ويجوز أن يكون فاعل عريت ضميرا عائدا على القصيدة ومفصلا تمييز منه؛ أي: كما عريت مفاصلها عن العيوب وعني بذلك القافية أو جميع أجزاء القصيدة جعلها عروسا حسناء ميمونة الجلوة منزهة المفاصل عن العيوب على طولها وصعوبة مسلكها قال الشيخ -رحمه الله- وغيره ينظم أرجوزة؛ يعني: على قواف شتى فيضطره النظم إلى أن يأتي في قوافيها ومقاطعها وأجزائها بما تمجه الأسماع.
1163-
وَتَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ فِي الْخَلْقِ سَهْلَةً ... مُنَزَّهَةً عَنْ مَنْطِقِ الْهُجْرِ مِقْوَلا
سهولة خلقها انقيادها لمن طلبها؛ أي: إن كل أحد ينقل منها القراءات إذا عرف رموزها من غير صعوبة ولا كلفة ونصب سهلة ومنزهة على الحال ومقولا تمييز وهو اللسان والهجر الفحش؛ أي: ليس فيها كلمة قبيحة يستحي من سماعها.
1164-
وَلكِنَّهَا تَبْغِي مِنَ النَّاسِ كُفْؤَهَا ... أَخَائِقَةٍ يَعْفُو وَيُغْضِي تَجَمُّلا


صفحه 757

الكفؤ المماثل، وأخائفة صفة للكفؤ أو بدل منه والإغضاء الستر، ونصب تجملا على أنه مفعول من أجله جعل كفؤها من كان بهذه الصفة؛ لأنه لثقته يعترف بأحسن ما فيها ويقف ويقضي عن الازدراء لما لا بد للبشر منه، قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} ، ثم إذا كان هذا الكفؤ أهلا لانتقادها فهو عالم وحينئذ يرى فيها من الفوائد والغرائب ما يغضي معه عن شيء يراه ولا يعجبه منها إلا أن يذكره على سبيل التنبيه على الفائدة كما أشرنا إليه في مواضع منها فإن هذه طريقة العلماء نصحا لمن يقف عليه ممن لا يبلغ درجته في العلم ذلك والمعاملة مع الله سبحانه، والأعمال بالنيات سهل الله تعالى لمن يقف على كامنا أن يعاملنا تلك المعاملة لكن الزمان قد فسد وكثر من أهله النكد فما يرضون عن أحد والمستعان عليهم ربنا الواحد الصمد.
1165-
وَلَيْسَ لَهَا إِلا ذُنُوبُ وَلِيِّهَا ... فَيَا طَيِّبَ الأَنْفَاسِ أَحْسِنْ تَأَوُّلا
وليها؛ أي: ناظمها؛ أي: أنها لما تكاملت صفات حسنها يعرو مفاصلها عن كل عوراء وكونها سهلة الخلق واعتنى بمعانيها ابتغت عند ذلك كفؤا يصلح للاتصال بها فما فيها ما يمنع الكفؤ منها إلا ذنوب وليها المتولي أمرها وكل هذه استعارات حسنة ملائم بعضها لبعض؛ يعني: أن صد الناس عنها أمر فما هو إلا ما يعلمه وليها في نفسه وإنما قال ذلك -رحمه الله- تواضعا لله والمؤمن يهجم نفسه بين يدي الله تعالى ويعترف بتقصيره في طاعته ولو بلغ منها ما بلغ وإلا فوليها -رحمه الله- كان أحد أولياء الله تعالى وقد لقيت جماعة من أصحابه مشايخ أئمة أكابر في أعيان هذه الأمة بمصر والشام وكلهم يعتقد فيه ذلك وأكثر منه مع إجلال له وتعظيم وتوقير حتى حملني ذلك منهم على أن قلت:
لقيت جماعة فضلاء فازوا ... بصحبة شيخ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه كثيرا ... كتعظيم الصحابة للنبي
وكأنه -رحمه الله- أشار بقوله: فيا طيب الأنفاس أحسن تأولا إلى ذلك؛ أي: احمل كلامي على أحسن محامله وهو ما حملناه عليه من التواضع وهو كما قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وليت عليكم ولست بخيركم وكقول عمر ابن عبد العزيز -رضي الله عنه- في خطبته بعد ما وعظ، وذكر أما أني أقول لكم ولا أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي أو كما قال، وكان الناظم يقول الغرض بها أن ينفع الله بها عباده وينفع بالتعب عليها قائلها فإذا كان مذنبا عاصيا خشي أن يخمد الله علمه فلا ينتفع به أحد ثم إنه -رحمه الله- قال فيما أخبرني عنه شيخنا أبو الحسن وغيره لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله تعالى بها؛ لأني نظمتها لله وتأولا مفعول أحسن أو تمييز كما تقول طب نفسا وقر عينا لتطيب نفسك ولتقر عينك وليحسن تأويلك للكلام وذلك بحمله على أحسن محامله.
1166-
وَقُلْ رَحِمَ الرَّحمنُّ حَيًّا وَمَيِّتًا ... فَتًى كَانَ لِلإِنْصَافِ وَالْحِلْمِ مَعْقِلا
فتى مفعول رحم وحيا وميتا حالان منه متقدمان عليه وهذا اللفظ وجدته للإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل لما أرسل إليه آدم بن أبي إياس يعظه ويقوي نفسه على الصبر في أيام المحنة إذ كان محبوسا فقال أحمد حيا وميتا؛ يعني: آدم ذكره الخطيب أبو بكر في تاريخه في ترجمة آدم ثم وصف المفتي بقوله: للإنصاف والحلم معقلا؛ أي: حصنا


صفحه 758

أو موضعا لعقل الإنصاف والحلم وقد حمل الشيخ وغيره هذا البيت على أن الناظم عنى بالفتى نفسه ومدحها بذلك فاستبعدت ذلك من جهة أنه غير ملائم لتواضعه بقوله: وليس إلا ذنوب وليها ولا هو مناسب لطلب الترحم عليه فإن اللائق أن يقال: اللهم ارحم عبدك الفقير إليك وهو ذلك فيما إذا أريد به شخص معين ولا نزكي ذلك الشخص أما إذا كان الدعاء لعموم من اتصف بتلك الصفة فإنه سائغ نحو اللهم ارحم أهل الحلم والكرم والعلم فاستنبطت له وجهين آخرين أحدهما أنه أمر بالترحم على من كانت هذه صفته؛ لأنه ندب إلى الإنصاف بنحو ذلك من قبل حين قال أخائقة يعفو ويغضي تجملا وبقوله:
فيا طيب الأنفاس أحسن تأولا
فكأنه قال: وقل رحم الله من كان بهذه الصفة ثم قال: عسى الله يدني سعيه؛ أي: سعى وليها المذكور في قوله: وليس لها إلا ذنوب وليها فيكون الابتداء ترج منه أو يكون داخلا في المقول؛ أي: قل هذا وهذا؛ أي: ادع لمن اتصف بتلك الصفة وادع لناظم القصيدة، ووليها الوجه الثاني أن يكون المأمور به في قوله: وقل البيت الآخر وهو عسى الله يدني سعيه؛ أي: قل ذلك وترجه من الله تعالى ويكون قوله: رحم الرحمن حيا وميتا دعاء من المصنف لمن اتصف بهذه الصفات وهو كلام معترض بن فعل الأمر والمأمور به وكلاهما وجه حسن.
1167-
عَسَى اللهُ يُدْنِي سَعْيَهُ بِجِوَارِهِ ... وَإِنْ كَانَ زَيْفًا غَيْرَ خَافٍ مُزَلَّلا
يدني؛ أي: يقرب سعيه؛ أي: ما سعى له من عمل البر بجوازه؛ أي: بأن يجعله جائزا فلا يرده بل يتقبله على ما فيه من الخلل فأومأ إلى ذلك بقوله: وإن كان زيفا؛ أي: رديئا يقال للدرهم الرديء: زيف وزايف، وأراد بقوله: غير خاف؛ أي: زيفه ظاهر لا يخفى على من له بصيرة بالأعمال الصالحة ومزللا مثل زيفا يقال زلت الدراهم؛ أي: نفقت في الوزن فمزلل بمعنى منقوص هذا كله إن كان اسم كان ضميرا عائدا على السعي وإن عاد على الناظم صاحب السعي فالمعنى أنها منسوب إلى الزلل والزلة الخطيئة وكل ما ذكرناه على أن تكون الهاء في بجوازه للسعي، ويجوز أن تكون للساعي؛ أي: يدني سعيه بأن يجوز وليه الصراط يقال جزت الموضع أجوزه جوازا إذا سلكته فالمصدر في بجوازه مضافا إلى فاعله ويجوز أن يكون مضافا إلى مفعوله على أن يكون من الجواز بمعنى السقي؛ أي: لسقيه من الحوض يوم العطش الأكبر؛ أي: يكون ذلك من علامة إدناء سعيه وتقريبه وقبوله جعلنا الله كذلك آمين.
1168-
فَيا خَيْرَ غَفَّارٍ وَيَا خَيْرَ رَاحِمٍ ... وَيا خَيْرَ مَأْمُولٍ جَدًا وَتَفَضُّلا
الجد بالقصر العطية وبالمد الغنا والنفع فيجوز أن يكون قصر الممدود وهو تفضلا منصوبان على التمييز.
1169-
أَقِلْ عَثْرَتِي وَانْفَعْ بِها وَبِقَصْدِها ... حَنَانَيْكَ يَا اللهُ يَا رَافِعَ الْعُلا
العبرة الزلة والإقالة فيها الخلاص من تبعها وأنفع بها؛ أي: بهذه القصيدة من طلب النفع بها وبقصدها يعني


صفحه 759

من قصد الانتفاع بها وإن لم يقو عليها فانفعه بقصده ويدخل الناظم في هذا الدعاء؛ لأنه قصد نظمها ونفع الناس بها وقد حقق الله رجاءه واستجاب دعاءه ثم قال: حنانيك فطلب التحنن من الله تعالى وهذا أحد المصادر التي جاءت بلفظ التثنية المضافة إلى المخاطب نحو لبيك وسعديك والمراد بها المداومة والكثرة؛ أي: تحنن علينا تحننا بعد تحنن وقطع همزة اسم الله في النداء جائز تفخيما له واستعانة به على مد حرف النداء مبالغة في الطلب والرغبة ثم كرر النداء بقوله: يا رافع العلا؛ أي: يا رافع السموات العلى كما قال تعالى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى.
1170-
وَآخِرُ دَعْوَانَا بِتَوْفِيقِ رَبِّنَا ... أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَحْدَهُ عَلا
ختم دعاءه بالحمد كما قال الله تعالى إخبارا عن أهل الجنة جعلنا الله بكرمه منهم: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فالباء في بتوفيق ربنا يجوز أن يتعلق بدعوانا؛ لأنه مصدر كما تقول دعوت بالرحمة والمغفرة ويجوز أن تكون باء السبب؛ أي: إنما كان آخر دعوانا أن الحمد لله بسبب توفيق ربنا؛ لاتباع هذه السنة التي لأهل الجنة.
1171-
وَبَعْدُ صَلاةُ اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ ... عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ الرضَا مُتَنَخِّلا
أي: وبعد تحميد الله تعالى، وذكره فنصلي ونسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقوله: صلاة الله ثم سلامه مبتدأ وخبره على سيد الخلق؛ أي: حالان عليه والرضى نعت؛ أي: المرتضي ومتنخلا نصب على الحال؛ أي: مختارا ثم بينه فقال:
1172-
مُحَمَّدٌ الْمُخْتَارُ لِلْمَجْدِ كَعْبَةً ... صَلاةً تُبَارِي الرِّيحَ مِسْكًا وَمَنْدَلا
محمد عطف بيان وكعبة ثاني مفعولي المختار؛ لأنه اسم مفعول واقع صلة للألف أو اللام والتقدير: الذي اختير كعبة واللام في للمجد يجوز أن تكون للتعليل؛ أي: اختير كعبة تؤم وتقصد من أجل المجد الحاصل له في الدارين ويجوز أن تكون من تتمة قوله: كعبة؛ أي: كعبة للمجد؛ أي: لا مجد أشرف من محمد كما أن كعبة مكة شرفها الله تعالى أشرف ما فيها أو على معنى أن المجد طائف كما يطاف بالكعبة وقول الناس هو كعبة الكرم إنما يراد به أن يحج إليه ويقصد من أجل كرمه كالكعبة وهذه المعاني كلها موجودة في المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وصلاة نصب على المصدر؛ أي: أصلي صلاة هذه صفتها أو يكون منصوبا على المدح؛ لأن ما تقدم من قوله: صلاة الله يغني عن هذا التقدير: ومعنى تباري الريح تعارضها وتجري جريها في العموم والكثرة ومسكا ومندلا حالان؛ أي: ذات مسك ومندل وهو العود أو صلاة طيبة فيكونان صفة لها والطيب يكنى به عن الثناء الحسن ويجوز أن يكونا تمييز بن كمال يقال فلان تيار الريح سخاء؛ أي: يجري سخاوة جريها وتعم عموم هبوبها فالمعنى تباريها مسكها أو مندلها والريح أيضا تحمل الرائحة الطيبة مما تمر به من النبات الطيب الريح فقد اتضحت مباراة الصلاة للريح في حالة الطيب من الجهتين.