{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}[1].
وما ذكر معها في سورتها، واختار أبو طاهر بن أبي هاشم الإظهار كما هو مذهب سائر القراء قال: لأن فيه إيتاء كل حرف حقه من إعرابه أو حركة بنيته التي استحقها، والإدغام يلبس على كثير من الناس وجه الإعراب، ويوهم غير المقصود من المعنى نحو قوله تعالى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}[2]، {الْمُصَوِّرُ لَهُ}[3].
ولم يذكر أبو عبيد الإدغام في كتابه وقال في: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ}[4]: القراءة عندنا هي الأولى يعني الإظهار لكراهتنا الإدغام إذا كان تركه ممكنا:
117-
فَفِي كِلْمَةٍ عَنْهُ مَنَاسِكَكُمْ وَمَا ... سَلَككُّمْ وَبَاقِي الْبَابِ لَيْسَ مُعَوَّلاَ
الأولى أن يقرأ مناسككم في هذا البيت من غير إدغام؛ لأنه إن قرئ مدغما لزم ضم الميم وصانتها بواو وليست قراءة أبي عمرو ولا غيره، هكذا نعم يجوز من حيث اللغة فلهذا نقول: إن اضطررنا إليه جاز ارتكابه كقوله فيما بعد: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[5]؛ لأن البيت لا يتزن إلا بالصلة وأما سلككم فلا يستقيم التلفظ به في البيت إلا مدغما ساكن الميم وأراد قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}[6]في البقرة {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}[7]في سورة المدثر: أي لم يأتِ الإدغام من أبي عمرو في حرفين في كلمة واحدة إلا في هذين الموضعين، ويرد عليه نحو: {يَرْزُقُكُمْ}[8]، كما سيأتي في أول الباب الآتي؛ فإنه أدغم ذلك وشبهه وجميعه من باب الإدغام الكبير في كلمة واحدة وإنما خصص هذين من باب التقاء المثلين في كلمة واحدة، وما أوردناه هو من باب المتقاربين، وإنما ورد عليه من جهة أنه لم يقيد بالمثلين بل قال: ففي كلمة عنه ولم يتقدم قبل هذا البيت سوى أنه حضنا على الإدغام الكبير ولم يعرفنا ما هو، ووقع لي أنه لو قال عوض البيت السابق:
أبو عمرو البصري يدغم أن تحر ... ركا والتقى المثلان في الثانِ الَاوَّلا
[1]سورة الصافات، آية: 1.
[2]سورة النمل، آية: 40.
[3]سورة الحشر، آية: 24.
[4]سورة النساء، آية: 81.
[5]سورة التوبة، آية: 87.
[6]سورة البقرة آية: 120.
[7]آية: 42.
[8]سورة سبأ، آية: 24.
لكان شرحا للإدغام الكبير الواقع في المثلين ويأتي قوله: ففي كلمة عنه بعد تمهيد قاعدته وقولنا: تحركا والتقى من باب قاما وقعد الزيدان وهو الوجه المختار للبصريين في باب توجه الفعلين إلى فاعل واحد، فاعلم أن الإدغام الكبير ضربان؛ أحدهما: إدغام حرف في مثله وهو الذي ذكره في جميع هذا الباب، والآخر: إدغام حرف في مقاربه وسيأتي في الباب الآخر، وشرطهما معا أن يكونا متحركين فإن سكن أول المثلين وجب له إدغام لكل بشرط أن لا يكون حرف مد ولين، ثم الحرف الذي يدغم في مثله لا يخلو هو والذي يدغم فيه إما أن يلتقيا في كلمة أو في كلمتين، فإن التقيا في كلمة لم يدغم إلا في هاتين الكلمتين المذكورتين في هذا البيت، ثم قال: وباقي الباب ليس معولا أي على إدغامه أو لا معول عليه بإدغام أو التقدير: وإدغام باقي الباب ليس معولا عليه، فحذف المضاف كما أن التقدير: ففي كلمة عنه إدغام مناسككم وباقي الباب مثل قوله تعالى: "بأعيننا" و"أتعدانني" و"جباههم" و"وجوههم" و"بشرككم" وقد روي إدغام ذلك، وهو في بأعيننا أقوى لتحرك ما قبل المثلين، وفي بشرككم ضعيف لسكونه وهو حرف صحيح، وقد أدغم أبو عمرو وغيره مواضع تأتي في سورها مثل: {مَا مَكَّنِّي} ، و {تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} ، و {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} ورو إدغام: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ}[1].
في آخر الأعراف وهو ضعيف؛ لأن الحرف المدغم مشدد، وسيأتي؛ لأنه لا يدغم مثل ذلك نحو:
{مَسَّ سَقَرَ}[2]والله أعلم.
118-
وَمَا كَانَ مِنْ مِثْلَيْنِ في كِلْمَتَيْهِمَا ... فَلاَ بُدَّ مِنْ إدْغَامِ مَا كانَ أَوَّلاَ
أي وما وجد من هذا القبيل وهو التقاء مثلين في كلمتين ويلزم من ذلك أن يكون أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة بعدها فلا بد من إدغام الأول في الثاني إلا ما يأتي استثناؤه مما أجمع عليه أو اختلف فيه وشرطهما أن يتحركا، فإن سكن الأول أدغم للجميع، وإن سكن الثاني فلا إدغام للجميع، مثال الأول:
{إِذْ ذَهَبَ}[3]، {وَقَدْ دَخَلُوا}[4]ومثال الثاني: {إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا}[5]، {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ}[6].
ثم هذا الإدغام في المثلين من كلمتين يأتي في القرآن في سبعة عشر حرفا؛ لأن عشرة من باقي الحروف لم يلتق منها مثلان متحركان في القرآن، وهي: الجيم والخاء المعجمة والدال والذال والزاي والشين المعجمة والصاد والضاد والطاء الظاء، وأما الألف فلا يتأتى إدغامها؛ لأنها لا تزال ساكنة، وأما الهمزتان إذا التقتا فأبو عمرو يسقط الأولى إن اتفقتا ويسهل الثانية إن اختلفتا على ما سيأتي بيانه فلا إدغام فيها.
وأما الحروف التي تدغم في مقاربها فستة عشر حرفا ستأتي في الباب الآتي وأما نحو قوله: {أَنَا نَذِيرٌ}[7].
[1]سورة الأعراف، آية: 196.
[2]سورة القمر، آية: 48.
[3]سورة الأنبياء، آية: 87.
[4]سورة المائدة، آية: 57.
[5]سورة المائدة، آية: 58.
[6]سورة العنكبوت، آية: 41.
[7]سورة الملك، آية: 26.
فإن المثلين التقيا لفظا ولا إدغام محافظة على حركة النون ولهذا تعمد بألف في الوقف ومما يدغم آخر سورة الرعد وإبراهيم إذا وصلا بالنسبة عند من يرى ذلك لأبي عمرو، وقد ذكر فيه خلاف والله أعلم.
119-
كَيَعْلَمُ مَا فِيهِ هُدًى وَطُبِعْ عَلَى ... قُلُوبِهِمُ وَالْعَفْوَ وَأْمُرْ تَمَثَّلاَ
مثَّل التقاء المثلين في كلمتين، وقد تقدم أن ذلك واقع في سبعة عشر حرفا وهي الباء والتاء والثاء والحاء المهملة والراء والسين المهملة والعين وعشرة الأحرف بعدها مثال ذلك: {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}[1]، {الشَّوْكَةِ تَكُونُ}[2]، {ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}[3]، {لا أَبْرَحُ حَتَّى}[4]، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ}[5]، {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى}[6]، {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}[7]، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ}[8]. وليس في القرآن للغين غيره: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ}[9]، {الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ}[10]، {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا}[11]، {جَعَلَ لَكُمُ}[12]، {تَعْلَمُ مَا}[13]، {أَحْسَنُ نَدِيًّا}[14]، {إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ}[15]، {إِنَّهُ هُوَ}[16]ولا تمنع صلة الهاء. {نُودِيَ يَا مُوسَى}[17].
وقوله: تمثلا، أي تمثل المذكور وهو إدغام أول المثلين إذا التقيا في كلمين، ومعنى تمثلا أي تشخص وتشكل وتصور وتبين وقد تضمن ما مثل به في هذا البيت ثلاثة أنواع عليها مدار الباب، وذلك أن الحرف المدغم إما أن يكون قبله متحرك أولا فإن كان فمثاله: {يَعْلَمُ مَا}[18]، {وَطُبِعَ عَلَى}[19].
وإن لم يكن متحركا فإما أن يكون حرف مد أو لا فإن كان فمثاله: {فِيهِ هُدى}[20].
وإن لم يكن حرف مد فهو حرف صحيح ومثاله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ}[21].
[1]سورة البقرة، آية: 20.
[2]سورة الأنفال، آية: 7.
[3]سورة المائدة، آية 72.
[4]سورة الكهف، آية: 60.
[5]سورة ص، آية: 24.
[6]سورة الحج، آية: 2.
[7]سورة التوبة، آية: 87.
[8]سورة آل عمران، آية: 85.
[9]سورة المطففين، آية: 24.
[10]سورة يونس، آية: 90.
[11]سورة طه، آية: 35.
[12]سورة النحل، آية: 89.
[13]سورة المائدة، آية: 116.
[14]سورة مريم، آية: 73.
[15]سورة آل عمران آية: 18.
[16]سورة الإسراء، آية: 1.
[17]سورة طه، آية: 11.
[18]سورة النحل آية: 19.
[19]سورة التوبة، آية: 87.
[20]سورة البقرة، آية: 2.
[21]سورة الأعراف، آية: 199.
وهذا القسم إطلاق الإدغام عليه فيه مسامحة بخلاف النوعين المتقدمين، وسيأتي تحقيق ذلك في آخر باب إدغام المتقاربين، ثم ذكر ما استثني إدغامه من المثلين فقال:
120-
إِذَا لَمْ يَكُنْ تَا مُخْبِرٍ أَوْ مُخَاطَبٍ ... أوِ الْمُكْتَسِي تنْوِينُهُ أَوْ مُثَقَّلا
الضمير في "يكن" عائد إلى قوله: ما كان أولا أي: إذا لم يكن ذلك الأول من المثلين تاء مخبر أي ضميرا هو تاء دالة على المتكلم أو يكن تاء مخاطب أو يكن الذي اكتسى تنوينه أي منونا، وأشار بذلك إلى أن نون التنوين كالحلية والزينة فلا ينبغي أن يعدم وقصر لفظ تا، وأسكن ياء المكتسي ضرورة وهما منصوبان خبرين لقوله: يكن، ولهذا نصب أو مثقلا وعلة استثناء المنون والمثقل ظاهرة، أما المنون فلأن التنوين حاجز بين المثلين وهو حرف صحيح معتد به في زنة الشعر، وتنقل إليه حركة الهمزة ويكسر لالتقاء الساكنين، وأما المثقل فيستحيل إدغامه بدون حذف أحد الحرفين من المشدد، وقد حكى بعضهم إدغامه على لغة تخفيف المشدد وحكى بعضهم إدغام: {مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا}[1]. ولم يعتد بالتنوين لذهابه في الوقف وحكى بعضهم إدغام: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ}[2]. وفيه المانعان الخطاب والتشديد والعلة في استثناء تاء المخبر والمخاطب كونهما كناية عن الفاعل أو شبهه والإدغام تقريب من الحذف والفاعل لا يحذف نحو: {كُنْتُ تُرَابًا}[3]، {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو}[4].
وألحق بذلك التاء من أنت[5]تكره وشبهه ليكون الباب واحدا وذكر لذلك علل أخر هي في الشرح الكبير.
121-
كَكُنْتُ تُرَاباً أَنتَ تُكْرِهُ وَاسِعٌ ... عَلِيمٌ وَأَيْضاً تَمَّ مِيقاَتُ مُثِّلاَ
هذه أمثلة ما تقدم استثناؤه في البيت السابق على ترتيبه وقوله: وأيضا أي: أمثل النوع الرابع ولا أقتصر على تمثيل الأنواع الثلاثة وهو مصدر آض إذا رجع والضمير في مثّلا عائد على المذكورات أي مثل جميع المستثنى أو يكون عائدا على لفظ: {تَمَّ مِيقَاتُ}[6]. أي: وأيضا ثم ميقات مثل به كما مثل بالثلاثة الأول ومثله: {مَسَّ سَقَرَ}[7]، {وَخَرَّ رَاكِعًا}[8]، {وَأُحِلَّ لَكُمْ}[9].
[1]سورة آل عمران، آية: 192.
[2]سورة الإسراء، آية: 74.
[3]سورة النبأ، آية: 40.
[4]سورة العنكبوت، آية: 48.
5 "قوله رحمه الله: وألحق بذلك التاء من أنت ... " فيه إشارة إلى أن أنت ليست بضمير بالإجماع، وإنما الضمير "أن" اهـ.
[6]سورة الأعراف، آية: 143.
[7]سورة القمر، آية: 48.
[8]سورة ص، آية: 24.
[9]سورة النساء، آية: 24.
وقد أورد على استثناء المنون الهاء الموصولة بواو أو ياء نحو: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ}[1]، {مِنْ فَضْلِهِ}[2]، {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ}[3].
وقيل: يلزم استثناؤه أيضا فإن الواو والياء حرف حاجز بين المثلين، زعم أبو حاتم وغيره أن الإدغام فيها غير جائز.
والفرق بينهما أن التنوين حرف مستقل مقصود في نفسه دالٌّ على تمكن الاسم وصرفه، والصلة عبارة عن إشباع حركة الهاء فلم يكن لها استقلال ولهذا تحذف للساكن والتنوين يحرك، وإذا اجتمع التنوين وحرف العلة حذف حرف العلة وبقي التنوين نحو قاضٍ وغازٍ فهو أولى بالاعتداد فضلا عن الصلة والله أعلم.
122-
وَقَدْ أَظْهَرُوا فِي الْكَافِ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... إِذِ النُّونُ تُخْفَى قَبْلَهَا لِتُجَمَّلا
أراد قوله تعالى في سورة لقمان: {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}[4]، استثناه بعضهم للعلة التي ذكرها[5]، وبعضهم أدغمه جريا على الأصل والضمير في أظهروا يعود إلى بعض المصنفين والرواة وأهل الاختيار لا إلى جميعهم؛ لأنهم مختلفون في ذلك على ما نقلناه في الشرح الكبير، وهذه العلة ذكرها أبو طاهر بن أبي هاشم وغيره وهي أن الإخفاء تقريب من الإدغام والنون تخفى قبل الكاف على ما سيأتي تقريره في باب أحكام النون الساكنة والتنوين وإذا كان الإخفاء كالإدغام فكأن الكاف الأولى مدغم فيها، فتكون كالحرف المشدد في: {مَسَّ سَقَرَ} ونحوه وذلك ممتنع الإدغام فكذا هذا، وهذه العلة تقوي استثناء تاء المخبر والمخاطب في نحو كنت وأنت؛ لأن النون أيضا مخفاة قبل التاء فكأن الناظم أراد بهذه العبارة الاستدلال على صحة استثناء تاء المخبر والمخاطب فقال: إنهم أظهروا الكاف من "يحزنك" لهذه العلة، وهي موجودة في تاءي المخبر والمخاطب، وإذ ظرف فيه معنى التعليل، وقوله: لتجملا تعليل لإخفاء النون أو للإظهار والضمير فيه للكلمة أي لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها والله أعلم.
123-
وَعِنْدَهُمُ الْوَجْهَانِ في كُلِّ مَوْضِعٍ ... تَسَمَّى لِأَجْلِ الْحَذْفِ فِيهِ مُعَلَّلا
أي: وعند المصنفين من المشايخ الوجهان من الإظهار والإدغام في كل موضع التقى فيه مثلان بسبب حذف وقع في آخر الكلمة الأولى لأمر اقتضى ذلك، وقد يكون المحذوف حرفا أو حرفين، فمن نظر إلى أصل الكلمة فيظهر إذ لم يلتقِ في الأصل مثلان ومن نظر إلى الحالة الموجودة فيدغم، وقوله: تسمى فعل ماضٍ وقع صفة لموضع وأضاف التسمية إليه تجوزا؛ لأجل أنه وجد فيه ما اقتضى تلقينه بذلك، ولو قال: يسمى بضم الياء المثناة من تحت لكان حسنا وهو حقيقة الكلام، ومعللا مفعول به على الوجهين، وكل كلمة فيها حرف العلة وهي:
[1]سورة الزمر، آية: 4.
[2]سورة النساء، آية: 32.
[3]سورة آل عمران، آية: 180.
[4]سورة لقمان، آية، 23.
[5]لا داعي إلى هذا التفصيل؛ إذ لا يستفاد الخلاف من لفظ الناظم مع أن الإجماع عن أبي عمرو من طريق السوسي على الإظهار. قال السخاوي: روي إدغامه من طريق الدوري عن أبي عمرو، وروى غيره الإظهار، وبه أخذ أبو عمرو الحافظ، وعليه عول ناظم القصيدة اهـ ضباع.
الألف والياء والواو موضع أحد حروفها الأصول تسمى معلة فإن طرأ عليها ما يغير حرف العلة فيها من حذف أو قلب يقال هذه كلمة معتلة وقد أعلت كأنه حصل بها إعلال ومرض، فقوله معللا لا يجيء من أعله إنما هو اسم مفعول من علله، ولا يبعد استعماله بمعناه مثل نزل وأنزل ثم مثل ذلك فقال:
124-
كَيَبْتَغِ مَجْزُوماً وَإِنْ يَكُ كاذِباً ... وَيَخْلُ لَكُمْ عَنْ عَالِمٍ طَيِّبِ الْخَلاَ
أراد: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا}[1].
كان الأصل يبتغي بالياء فحذف للجزم، وقوله: مجزوما حال نبه بها على أن هذا اللفظ فرع عن غيره، وإن يك أصله يكون فسكنت النون للجزم، فحذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون؛ تخفيفا فهذه الكلمة حذف منها حرفان.
{يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}[2].
أصله يخلو بالواو وإنما حذفت جوابا للأمر، وقوله: عن عالم متعلق بقوله في البيت السابق وعندهم الوجهان أي عند أهل الأداء الوجهان مرويان عن عالم طيب الخلا وأراد به أبا عمرو بن العلاء نفسه؛ لأنه قطب ذلك كما سبق أو أراد به أبا محمد اليزيدي؛ لأنه هو الذي شهر ذلك عنه، والخلا بالقصر الرطب من الحشيش، وكني به عن العلم؛ لأن الناس يقتبسونه كما يختلون الخلا، ويقال: هو طيب الخلا أي حسن الحديث، وقال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: أراد بالعالم الطيب نفسه أو صاحب التيسير أي خُذه أو أخذته أنا عنه والله أعلم.
125-
وَيَا قَوْمِ مَا لِي ثُمَّ يَا قَوْمِ مَنْ بِلا ... خِلاَفٍ عَلَى الإِدْغَامِ لاَ شَكَّ أُرْسِلا
أراد: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ}[3]، {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ}[4].
أرسلا أطلقا على الإدغام بلا خلاف لا شك في ذلك؛ إذ ليس فيهما ما يمنع الإدغام، وإن توهم متوهم أنه من باب المعتل؛ لأن أصله يا قومي بالياء ثم حذفت رد عليه وهمه فإن اللغة الفصيحة يا قوم بحذف الياء وصاحبها لا يثبت الياء بحال فصارت الياء كالعدم من حيث التزم حذفها، ولأن الياء المحذوفة من يا قوم ليست من أصل الكلمة بل هي ضمير المضاف إليه بخلاف المحذوف من يبتغ ونحوه، وكأن الناظم أورد هذا البيت في صورة الاحتجاج على ترجيح الإدغام في المعتل، فقال: قد أجمعوا على إدغام هذا فكذا ما سبق، ونص صاحب التيسير على أنه من المعتل مع الإجماع على الإدغام.
126-
وَإِظْهَارُ قَوْمٍ آلَ لُوطٍ لِكَوْنِهِ ... قَلِيلَ حُرُوفٍ رَدَّه مَنُْ تَنَبَّلا
عنى بالقوم أبا بكر بن مجاهد وغيره من البغداديين منعوا إدغام [آل لوط] حيث وقع لقلة حروفه وهو في الحجر والنمل والقمر ولا أعلم ما معنى قولهم إنه قليل الحروف فإنهم إن عنوا به أنه في الخط حرفان
[1]سورة آل عمران، آية: 85.
[2]سورة يوسف، آية: 9.
[3]سورة غافر، آية: 41.
[4]سورة هود، آية: 30.
5 سورة القمر وغيرها من السور، آية: 34.
فلا اعتبار بالخط وإنما الاعتبار باللفظ وهو باللفظ ثلاثة أحرف، فهو مثل: "قال لهم" فكما يدغم "قال" يدغم "آل" لأنه مثله وعلى وزنه فيمنع هذا التعليل من أصله ويرد على قائله فقوله: وإظهار قوم مبتدأ خبره قوله: رده من تنبلا يعني به صاحب التيسير وغيره أي من صار نبيلا في العلم أي من رسخت فيه قدمه أو من مات من المشايخ يعني أن هذا رد قديم.
ثم بين الذي رده به فقال:
127-
بِإِدْغاَمِ لَكَ كَيْدًا وَلَوْ حَجَّ مُظْهِرٌ ... بِإِعْلاَلِ ثَانِيهِ إِذَا صَحَّ لاَعْتَلا
قال صاحب التيسير رحمه الله: قد أجمعوا على إدغام لك كيدا في يوسف، وهو أقل حروفا من آل؛ لأنه على حرفين وقيل لا يستقيم هذا الرد؛ لأن ذلك كلمتان اللام حرف والكاف مجرورة المحل بها فهي قائمة مقام اسم مظهر وهو يوسف فكما يدغم: "ليوسف في الأرض"[1]فكذا الكاف التي هي كناية عنه، ثم قال: ولو حج مظهر أي ولو احتج من اختار الإظهار استعمل حج بمعنى احتج مثل قرأ واقترأ وكسب واكتسب، والمعروف أن حج بمعنى غلب في الحجة في كقوله صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى".
وإن حمل ما في البيت على هذا المعنى لم يبق لقوله لاعتلا فائدة فإن من غلب في حجته معتل أي مرتفع وأراد أن يذكر حجة سائغة غير منقوضة عليه لمن اختار الإظهار في آل لوط وهي حجة قد سبق بها جماعة من المتقدمين مثل ابن أبي هاشم وابن مهران وصاحب التيسير وهي أن ثاني حروف آل قد تغير مرة بعد مرة، والإدغام تغيير آخر فعدل عنه خوفا من أن يجتمع على كلمة قليلة الحروف في نظرهم تغييرات كثيرة فيصير مثل: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا}[2].
وقوله: إذا صح بعد قوله بإعلال ثانيه من محاسن الكلام حيث قابل الإعلال بالصحة يعني إذا صح له الإظهار من جهة النقل فإن أبا عمرو الداني قال في غير التيسير: لا أعلم الإظهار فيه من طريق اليزيدي، ثم بين إعلال ثانيه فقال:
128-
فَإِبْدَالُهُ مِنْ هَمْزَةٍ هَاءٌ اصْلُهَا ... وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ وَاوٍ ابْدِلا
أي: إبدال ثاني إبدال حروف آل وهو الألف من حمزة أصل تلك الهمزة هاء يعني هذا القائل أن أصل الكلمة أهل فأبدلت الهاء همزة كما قيل أرقت في هرقت فاجتمعت همزة ساكنة بعد همزة مفتوحة فوجب قلبها ألفا على القياس المطرد المعروف الذي بينه في آخر باب الهمز المفرد، وهذا القول وإن اعتمد عليه جماعة فهو مجرد دعوى وحكمة لغة العرب تأبى ذلك إذ كيف يبدل من الحرف السهل وهو الهاء حرف مستثقل وهو الهمزة التي من عادتهم الفرار منها حذفا وإبدالا وتسهيلا على ما عرف في بابه مع أنهم إذا أبدلوا الهاء همزة في هذا المكان فهي في موضع لا يمكن إثباتها بل يجب قلبها ألفا، فأي حاجة إلى اعتبار هذا التكثير من التغيير بلا دليل
[1]سورة يوسف آية: 21.
[2]سورة غافر، آية: 420.
وفي لفظ: ماء قام دليل إبدالها همزة لتقوى على الإعراب، وأما أرقت فالهاء فيه بدل من الهمزة وليست الهمزة بدلا من الهاء كذا يقول أهل النحو وهو الموافق للقياس.
ثم قال: وقد قال بعض الناس يعني أبا الحسن بن شنبوذ وغيره: إن ثاني آل أبدل من واو وهذا هو الصحيح الجاري على القياس، وأهل التصانيف من اللغويين وأصحاب الأعزية لا يفسرون هذه الكلمة إلا في فصل الواو بعد الهمزة فيكون أصل الكلمة أول كما أن أصل قال قول فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا في اللفظين على قياس معروف في علم التصريف فهو مشتق من آل يئول إذا رجع أي أن آل الرجل إليه يرجعون في النسب أو الدين والمذهب، وإذا كان من باب قال فله حكم قال فيدغم.
ولم يذكر الشاطبي -رحمه الله- هذا القول الثاني حجة للإظهار فإنه غير مناسب له وإنما بين أن العلماء مختلفون في أصل الكلمة فيعطى كل أصل حكمه.
129-
وَوَاوَ هُوَ الْمَضْمومُ هَاءً َكَهُو وَمَنْ ... فَأَدْغِمْ وَمَنْ يُظْهِرْ فَبِالْمَدِّ عَلَّلا
المضموم بالخفض صفة لهو وهاء منصوب على التمييز: أي الذي ضمت هاؤه نحو: {هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}[1]. احترز بذلك عما سكنت هاؤه في قراءة أبي عمرو وهو ثلاثة مواضع: "فهو وليهم بما"[2]، "وهو وليهم اليوم"[3]، "وهو واقع بهم"[4].
والجمهور على[5]منع الإدغام في هذه المواضع الثلاثة، وبعضهم قال: هي مظهرة بلا خلاف ووجهه أن الكلمة قد خففت بسكون هائها فلم تحتج إلى تخفيف الإدغام.
وقال صاحب التيسير: لا خلاف في الإدغام، قلت: يريد في طرقه التي قرأ بها وإلا فقد ذكر الخلاف فيها أبو علي الأهوازي والحافظ أبو العلا وغيرهما قدس سرهم.
وأما المواضع المضمومة الهاء وهي ثلاثة عشر موضعا فإدغامها ظاهر ولهذا جزم بقوله: فأدغم ... ومنهم
[1]سورة النحل، آية: 76.
[2]سورة الأنعام، آية: 27.
[3]سورة النحل أيضا، آية: 63.
[4]سورة الشورى، آية 22.
[5]حاصل كلامه أن الجمهور من رواة أبي عمرو على عدم إدغام المواضع الثلاثة، لأن الهاء خففت بالسكون فلا تحتاج إلى تخفيف الإدغام، إلا أن صاحب التيسير على أنه لا خلاف في الإدغام، وهذا التقدير يعطي جواز الوجهين في الثلاثة من طريق النظم وجرى على ذلك أيضا شعلة في شرحه، وهو خلاف المفهوم من كلام الناظم، إذ المفهوم منه والذي جرى عليه جمهور الشراح عدم الخلاف فيهن، وذلك أنه لما قيد محل الخلاف بالمضموم الهاء بقى ساكنها على الأصل في اجتماع المثلين من متفق الإدغام، كما أنه لما قيد بواو هو بقي غير واو هو مدغما على الأصل فيه نحو: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ". وأيضا تعليل المظهر بالمد يفهم أنه حيث لا يوجد المد لا يظهر. ويؤيد ما قلناه قول الحافظ الداني في جامعه في إدغام "هو ومن" بالوجهين قرأت ذلك، واختار الإدغام؛ لاطراده وجريه على قياس نظائره. ثم قال: فإن سكن ما قبل الواو سواء كان هاء أو غيرها فلا خلاف في إدغام الواو في مثلها وذلك نحو: "وهو وليهم" و"خذ العفو وأمر" اهـ ضباع.