بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 87

وشيخنا أبو الحسن زاد في شرحه بآخره أن أصلا منصوب على المصدر كقولك: ما فعلته أصلا، قال: و"أو" بمعنى بل أو بمعنى الواو، فكأنه جعل المجموع علة واحدة والظاهر خلافه.
ثم الصواب أن يقال لا مدخل لهذه الكلمة في هذا الباب بنفي ولا إثبات؛ فإن الياء كما زعم الناظم ساكنة، وباب الإدغام الكبير مختص بإدغام المتحرك، وإنما موضع ذكر هذه قوله: وما أول المثلين فيه مسكن فلا بد من إدغامه ... وعند ذلك يجب إدغامه لسكون الأول وقبله حرف مد فالتقاء الساكنين فيه على حدهما.
على أني أقول[1]سبب الإظهار عدم التقاء المثلين بسبب أن أبا عمرو -رحمه الله- كان يقرأ هذه الكلمة بتليين الهمزة بين بين وعبروا عنه بياء مختلسة الكسرة والهمزة المسهلة كالمحققة، قال أبو بكر بن مهران: ولا تدغم {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} "؛ لأنها ليست بياء خالصة فيدغمها في مثلها إنما هي همزة ملينة ولو كانت ياء خالصة لأدغم.
قلت: ومن عبر من الرواة عن قراءة أبي عمرو بإسكان الياء خفي عنه أمر التسهيل فلم يضبطه والله أعلم، وقد نظمت هذا التعليل الصحيح فقلت:
وقبل يئسن الياء في اللاء همزة ... مليَّنة حقا فأظهر مسهلا
[1]فيه نظر؛ لأن كلام الناظم مفرع على وجه إبدال الهمزة ياء ساكنة؛ ليدخل في المثلين لا على وجه تسهيلها بين بين. وحينئذ فلا حاجة إلى تغيير البيت بما قاله اهـ ضباع.
باب: إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين
هذا أيضًا من جملة الإدغام الكبير، فإنه على ضربين: إدغام المثلين وإدغام المتقاربين كل واحد منهما في كلمة وفي كلمتين، فإدغام المثلين مضى في الباب السابق فلا يحتاج فيه إلى أكثر من أن تسكن الحرف وتدغمه في مثله، وهذا الباب مقصور على إدغام حرف في حرف يقاربه في المخرج، ويحتاج فيه مع تسكينه إلى قبله إلى لفظ الحرف المدغم فيه، فترفع لسانك بلفظ الثاني منهما مشددا ولا تبقي للأول أثرا، إلا أن يكون حرف إطباق أو ذا غنة، فتبقي أثر الإطباق والغنة على تفصيل في ذلك معروف والتقارب كالمثلين تقريبا فساغ الإدغام فيهما؛ وليس ذلك في كل متقاربين، فقد تعرض موانع من الإدغام ومقتضيات الإدغام أبعد منهما، فاعتمد على ما يذكره.
132-
وَإِنْ كِلْمَةٌ حَرْفَانِ فِيهَا تَقَارَبَا ... فإِدْغَامُهُ لِلْقَافِ في الْكافِ مُجْتَلا
كلمة فاعل فعل مضمر: أي وإن وجدت كلمة وكان ينبغي أن يكون بعدها ما يفسر هذا المضمر كقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ}[2]، فالوجه أن يقول: وإن كلمة وجد فيها حرفان تقاربا فيكون حرفان فاعل فعل مضمر، أو نقول: حرفان مبتدأ وتقاربا خبره، ولك أن تجعل حرفان بدلا من كلمة بدل بعض من كل فيكون تقاربا نعت حرفان وهو تفسير للمضمر المقدر؛ أي: وإن تقارب حرفان في كلمة والهاء في فإدغامه تعود على أبي عمرو وهو مبتدأ
[1]فيه نظر؛ لأن كلام الناظم مفرع على وجه إبدال الهمزة ياء ساكنة؛ ليدخل في المثلين لا على وجه تسهيلها بين بين. وحينئذ فلا حاجة إلى تغيير البيت بما قاله اهـ ضباع.
[2]سورة التوبة، آية: 6.


صفحه 88

ومجتلى خبره: أي إدغام أبي عمرو للقاف في الكاف مكشوف منظور إليه: أي أنه مشهور ظاهر ويجوز أن يكون الخبر قوله للقاف: في الكاف كما تقول إكرامي لزيد أي أخصه بذلك دون غيره فكذا ههنا أي إدغام أبي عمرو في الحرفين المتقاربين في كلمة كائن للقاف في الكاف لا غير، ومجتلى على هذا في موضع نصب على الحال.
ومعنى البيت أنه لم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة سوى القاف في الكاف بشطرين يأتي ذكرهما في البيت الآتي، فنحو: متجاورات ويتدبرون والمتطهرين ويتذكرون والمتصدقين لا يدغمه وإن كانت التاء تدغم في الجيم والدال والطاء والذال والصاد على ما سيأتي في هذا الباب وغيره، ثم ذكر الشرطين فقال:
133-
وَهذَا إِذَا مَا قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ ... مُبِينٌ وَبَعْدَ الْكافِ مِيمٌ تَخَلَّلا
ما زائدة مثلها في قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ}[1].
أي وهذا الإدغام كائن إذا استقر قبل القاف حرف متحرك ووقع بعد الكاف ميم وإنما اشترطا؛ ليكونا على منهاج ما أدغم من المثلين في كلمة وهو: "مناسككم"، "وما سلككم"، وقوله: "مبين" أي بين ولم يحترز به من شيء وإنما هو صفة مؤكدة، ومعنى تخلل من قولهم: تخلل المطر إذا خص ولم يكن عاما أي تخلل أبو عمرو بإدغامه ذلك ولم يعم جميع ما التقت فيه القاف بالكاف، وقيل: الضمير في تخلل للميم من تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم أي تخلل الميم الحروف التي قبله وبعده والله أعلم.
134-
كَيَرْزُقْكُّمُ وَاثقَكُّمُو وَخَلَقكُّمُو ... وَمِيثَاقَكُمْ أظْهِرْ وَنَرْزُقُكَ انْجلا
مثل في النصف الأول من البيت ما وجد فيه الشرطان من التحريك والميم فأتى بثلاثة أمثلة فالكلمة الأولى يمكن أن تقرأ في البيت مدغمة وغير مدغمة وما بعدها لا يتزن الشعر إلا بقراءتهما مدغمتين ويلزم الإدغام في الثلاثة صلة الميم بواو، ثم قال: وميثاقكم أظهر ... لأجل فقْد أحد الشرطين وهو تحريك ما قبل القاف ونرزقك أيضا أظهره؛ لفقد الشرط الثاني وهو عدم وجود الميم في آخره، ومعنى انجلى انكشف أي ظهر الأمر بتمثيل المدغم وغير المدغم وميثاقكم في البيت بفتح القاف؛ لأنه مفعول أظهر، وقد جاء في القرآن منصوبا في البقرة ومرفوعا في الحديد على قراءة أبي عمرو فلم يمكن أن تجعله حكاية؛ إذ يعم المحكي في الموضعين، وقد روي إدغام ما قبله ساكن، وروي ترك الإدغام في المتحرك أيضا، وأما قوله في سورة المرسلات: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ} فمجمع على إدغامه.
135-
وَإِدْغَامُ ذِي التَّحْرِيمِ طَلَّقَكُنَّ قُلْ ... أَحَقُّ وَبِالتَّأْنِيثِ وَالْجَمْعِ أُثْقِلا
أي وقل إدغام طلقكن أحق مما تقدم ذكره من يرزقكم ونحوه: أي أولى بالإدغام منه؛ لأن الإدغام أريد به التخفيف وكلما كانت الكلمة أثقل كان أشد مناسبة للإدغام مما هو دونها في الثقل، وقد وجد فيه أحد الشرطين
[1]سورة التوبة، آية: 122.


صفحه 89

وهو تحريك ما قبل القاف وفقد الشرط الثاني وهو الميم، ولكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون؛ لأنها متحركة ومشددة ودالة على التأنيث والميم ساكنة خفيفة دالة على التذكير، فهذا وجه الأحقية بذلك، والناظم جعله قد ثقل بالتأنيث والجمع، أما التأنيث فهو ما أشرنا إليه وهو أحد أسباب الترجيح الثلاثة، وأما الجمع فمشترك فإن الميم أيضا دالة على الجمع فإن أردت نظم المرجحات الثلاثة فقل:
وطلقكن ادغم أحق فَنُونُه ... محركة جمع المؤنث ثقلا
أي هو أحق: يعني الإدغام ومحركة وما بعدها أخبار لقوله: فنونه والنون تؤنث وتذكر فلهذا أنث محركة وذكر ثقلا، وكان ابن مجاهد وعامة أصحابه يظهرونه لما يلزم في الإدغام من توالي ثلاثة أحرف مشددة اللام والكاف والنون.
واختلف الرواة عن أبي عمرو في إدغامه، واختلف المشايخ في الاختيار من ذلك؛ فمنهم من أظهره للاستثقال المذكور ومنهم من دغمه، وقال: هو أحق لما تقدم ذكره، وقول الناظم: ذي التحريم أي صاحب التحريم أي الحرف الذي في سورة التحريم، وقوله: {طَلَّقَكُنّ} بيان له.
136-
وَمَهْماَ يَكُونَا كِلْمَتَيْنِ فَمُدْغِمٌ ... أَوَائِلِ كِلْمِ البَيْتِ بَعْدُ عَلَى الوِلاَ
أي ومهما يكن المتقاربان ذوي كلمتين: أي إذا التقيا في كلمتين على حد التقاء المثلين فيما تقدم فأبو عمرو مدغم من ذلك الحروف التي هي أوائل كلم البيت الآتي عقيب هذا البيت فهذا معنى قوله: بعد على الولا أي بعد هذا البيت وهو الذي يليه، والولاء المتابعة، وهو ممدود وقف عليه، وأبدل همزه فانقصر وأراد خذ كلم هذا البيت الآتي على الولاء أي استوعبها يتلو بعضها بعضا، والكلم جمع كلمة كلاهما بفتح الكاف، فكسر اللام ويجوز فيهما إسكان اللام ونقل حركتها إلى الكاف فتكسر فعلى هذا استعملهما في هذا البيت وغيره والكلمة في عرف القراء الحروف المتصلة ما لم يحسن قطع شيء منها مما قبلها فنحو: "خلقكم، وطلقكن" كلمة وهي كلمات عند أهل النحو وبما ومنه كل واحدة عندهم كلمتان وهي في العرف كلمة.
والغرض من هذا أن تعلم أن كلمات البيت الآتي التي تأخذ حروفها الأوائل ست عشرة كلمة فخذ منها ستة عشر حرفا ثم ذكرها فقال:
137-
"شِـ"ـفَا "لَـ"ـمْ "تُـ"ـضِقْ "نَـ"ـفْسًا "بِـ"ـهَا "رُ"مْ "دَ"وَا "ضَـ"ـنٍ
"ثَـ"ـوَى "كَـ"ـانَ "ذَ"ا "حُـ"سْنٍ "سَـ"ـأى "مِـ"ـنْهُ "قَـ"ـدْ "جَـ"ـلاَ
اعلم[1]أنه أتى في مثل هذا البيت الذي يذكر فيه كلما لأجل حروف أوائلها تضمنها معاني قصدها من غزل ومواعظ؛ لئلا يبقى كلاما منتظما صورة لا معنى تحته وقد ضمن هذا البيت التغزل بامرأة من نساء الآخرة وسماها شفا، وقد سمت العرب بذلك النساء، وكثر في أمهات القرشيين وهو ممدود وقصره ضرورة، ولم ينونه؛ لأنه جعله علما على مؤنث، وقوله: لم تضق نفسا أي أنها حسنة الخلق ونصب نفسا على التمييز، ورم أي اطلب بها أي بوصلها وقربها دواء ضن وقصر دواء ضرورة أي دواء رجل ضن على أنه اسم منقوص، ولو قال
1 "قوله: اعلم ... إلخ" كذا بالنسخ التي بأيدينا، ولعل الصواب أن مثل هذا البيت يذكر فيه إلخ فيكون بذكر خبر أن اهـ ضباع.


صفحه 90

ضنا بالفتح على أنه مقصور لكان معناه أيضا حسنا، والضنا بالقصر المرض يقال منه ضنى بالكسر ضنا شديدا فهو رجل ضنا وضن مثل حرا وحر قاله الجوهري، ومعنى ثوى أقام، وسأى على وزن رأى مقلوب ساء على وزن جاء، وهو بمعناه، ومثله له نأى وناء أي ساءت حاله من أجل الضنا أو كانت مساءته ناشئة من الضنا وقوله: قد جلا أي كشف الضنا أمره فالضمير في ثوى ومنه وجلا للضنا الدال عليه لفظ ضن وفي كان وسأى لضن، وهذه جمل أتى بها من غير حرف عطف استئنافا لا أخبارا بعد أخبار كقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ}[1]، {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}[2].
وقيل: المعنى سأى من يرى ذلك منه أو ساءه الضنا على أن من زائدة، وسيذكر كل حرف من هذه الستة عشر فيما ذا يدغم ولكن لم يلتزم ترتيب ما في هذا البيت بل أتى به على ترتيب صاحب التيسير، ولم يمكنه جمع الحروف على ذلك الترتيب في بيت له معنى مستقيم، فخالف الترتيب في جميع حروفها ثم شرط في إدغام هذه الحروف الستة عشر أن تكون سالمة من أربعة أوصاف فقال:
138-
إِذَا لَمْ يُنَوَّنْ أَوْ يَكُنْ تَا مُخَاطَبٍ ... وَمَا لَيْسَ مَجْزُومًا وَلاَ مُتَثَقِّلا
أي إذا لم يكن الحرف المدغم موصوفا بإحدى هذه الصفات الأربع فالمنون وتاء المخاطب والمثقل مضى الكلام عليها في باب المثلين، وإذا امتنع إدغام ذلك هناك فهنا أولى. فمثال المنون: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ}[3]، {شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ}[4]، {رَجُلٌ رَشِيدٌ}[5]، {نَذِيرٌ لَكُمْ}[6]، ومثال الخطاب: {كُنْتَ ثَاوِيًا}[7]، {فَلَبِثْتَ سِنِينَ}[8]، {دَخَلْتَ جَنَّتَكَ}[9]، {خَلَقْتَ طِينًا}[10]ومثال المثقل {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}[11]، {لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}[12]، {لا يَضِلُّ رَبِّي}[13]، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ}[14].
ولم يقع في القرآن تاء متكلم عند مقارب لها فلهذا لم يذكرها في المستثنى.
وأما المجزوم فنحو: {لَمْ يُؤْتَ سَعَةً}[15].
لم يدغم بلا خلاف وإن كان المجزوم في باب المثلين فيه وجهان؛ لأن اجتماع المثلين أثقل من اجتماع المتقاربين، وسيأتي خلاف في قراءة قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ}[16]، {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى}[17]؛ لأن الطاء والدال أقرب إلى التاء من السين ويأتي خلاف في:
[1]سورة الرعد، آية: 2.
[2]سورة الرحمن، آية: 1-4.
[3]سورة الزمر، آية: 6.
[4]سورة الحشر، آية: 14.
[5]سورة هود، آية: 78.
[6]سورة سبأ، آية: 46.
[7]سورة القصص، آية: 45.
[8]سورة طه، آية: 40.
[9]سورة الكهف، آية: 39.
[10]سورة الإسراء، آية: 63.
[11]سورة البقرة، آية: 200.
[12]سورة المؤمنون، آية: 70.
[13]سورة طه، آية: 52.
[14]سورة الأعراف، آية: 134.
[15]سورة البقرة، آية: 247.
[16]سورة النساء، آية: 102.
[17]سورة الإسراء، آية: 26.


صفحه 91

{جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}[1].
ولم يذكر الناظم تمثيلا لما استثنى من المتقاربين كما ذكر في المثلين وكان ذكر المتقاربين أولى لعسر أمثلته وقد نظمت فيه بيتا فقلت:
نذير لكم مثل به كنت ثاويا ... ولم[1]يؤت قبل السين هم بها انجلا
أراد يؤت سعة من المال ولم يمكن نظمه؛ لكثرة حركاته فقال: قبل السين.
139-
فَزُحْزِحَ عَنِ النَّارِ الَّذِي حَاهُ مُدْغَمٌ ... وَفي الْكاَفِ قَافٌ وَهْوَ في الْقَافِ أُدْجِلاَ
شرع من هنا يبين المواضع التي أدغمت فيها تلك الحروف الستة عشر فبدأ بالحاء أي أدغمت في العين في قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ}[3].
فقط لطول الكلمة وتكرر الحاء فيها، وهذا هو المشهور، ورواية الجمهور، وروي ترك إدغامه، وروي إدغامها في العين حيث التقيا مطلقا نحو: {ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}[4]، "والمسيح عيسى"، {فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا}[6].
وقوله: فزحزح عن النار بالفاء أراد فمنها أي من الكلمات المدغمات زحزح الذي أدغم حاؤه وقصر الحاء ضرورة، ثم ذكر أن القاف والكاف يدغم كل واحد منهما في الآخر بشرط أن يتحرك ما قبل كل واحد منهما، وقد بين ذلك في البيت الآتي، ولم يذكر في الكلمة الواحدة إلا إدغام القاف في الكاف فقط؛ لأن عكسه لم يوجد في القرآن، ثم مثل ذلك فقال:
140-
خَلَقْ كُلَّ شَيْءٍ، لَكْ قُصُوراً وأَظْهِرَا ... إِذَا سَكَنَ الْحَرْفُ الَّذِي قَبْلُ أُقْبِلا
نطق بالحرفين مدغمين في هذين المثالين ثم قال: وأظهرا يعني القاف والكاف إذا سكن الحرف الذي قبلهما نحو: {وَفَوْقَ كُلّ}[7]، {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}[8].
ويقال أقبلته الشيء: إذا جعلته يلى قبالته، يقال: أقبلنا الرماح نحو القوم، وأقبلنا الإبل أفواه الوادي فهذه ثلاثة أحرف من الستة عشر الحاء والقاف والكاف، ثم ذكر الجيم فقال:
141-
وَفي ذِي المَعَارِجْ تَعْرُجُ الجِيمُ مُدْغَمٌ ... وَمِنْ قَبْلُ أَخْرَجْ شَطْأَهُ قَدْ تَثَقَّلاَ
أي أدغم حرف الجيم في حرفين: التاء في:
[1]سورة مريم، آية: 27.
2 لو قال: وقبل سعة لم يؤت هم بها انجلا، لكان أوضح اهـ من هامش الأصل.
[3]سورة آل عمران، آية: 185.
[4]سورة المائدة، آية: 3.
5 سورة النساء، آية: 17.
[6]سورة البقرة، آية: 229.
[7]سورة يوسف، آية: 76.
[8]سورة الجمعة، آية: 11.


صفحه 92

{ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ}[1]والشين في: {أَخْرَجَ شَطْأَهُ}[2].
وهو قبل ذي المعارج في تأليف القرآن وليس لهما نظير وحكى الإظهار فيهما وقوله: قد تثقلا؛ أي: أدغم، ثم ذكر الشين والضاد فقال:
142-
وَعِنْدَ سَبِيلاً شِينُ ذِي الْعَرْشِ مُدْغَمٌ ... وَضَادُ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ مُدْغَمًا تَلاَ
أراد قوله تعالى في سبحان: {إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا}[3].
ولا يجوز عند النحويين إدغام الشين والضاد إلا في مثلهما ولم يلتق منهما مثلان في القرآن، ويجوز في قوله: وضاد الرفع على الابتداء وتلا خبره أي تبع ما قبله في حال كونه مدغما، ويجوز نصبه على أنه مفعول تلا، وفاعله ضمير يعود على أبي عمرو أي تلاه أبو عمرو أي قرأه مدغما.
143-
وَفي زُوِّجَتْ سِينُ النُّفُوسِ وَمُدْغَمٌ ... لَهُ الرَّأْسُ شَيْبًا بِاخْتِلاَفٍ تَوَصَّلاَ
أي وأدغمت سين النفوس في زاي زوجت من قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}[4]وموضع قوله: {الرَّأْسُ شَيْبًا}[5]رفع بالابتداء، وقوله: ومدغم له ... خبر مقدم عليه، والضمير في له لأبي عمرو، ويقال: توصل إليه أي تلطف في الوصول إليه أي وصل الخلاف إلى هذا الحرف ففي هذا البيت إدغام السين في حرفين ثم قال:
144-
وَلِلدَّالِ كَلْمٌ "تُـ"رْبُ "سَـ"ـهْلٍ "ذَ"كَا "شَـ"ـذاً ... "ضَـ"ـفَا "ثُـ"ـمَّ "زُ"هْدٌ "صِـ"ـدْقُهُ "ظَ"ـاهِرٌ "جَـ"ـلا
أي وللدال كلم تدغم عندها وهي ما وافق أوائلها أوائل هذه الكلمات العشر في هذا البيت من قوله: ترب سهل ... إلى قوله: جلا.
وضمن في هذا البيت الثناء على أبي محمد سهل بن عبد الله التستري أحد أولياء الله المشهورين، قال القشيري في رسالته: هو أحد أئمة القوم، ولم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع وكان صاحب كرامات، لقي ذا النون المصري بمكة سنة حج. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين وقيل ثلاث وسبعين. والترب: التراب، وذكا من قولهم: ذكت النار تذكو ذكا مقصور؛ أي: اشتعلت والشذا حدة الرائحة أي فاحت رائحة ترابه يشير بذلك إلى الثناء عليه وما ظهر من كرامته وأعماله الصالحة، وشذا منصوب على التمييز أي ذكا شذاه وضفا: طال يشير إلى كثرة ذلك وثم بفتح الثاء بمعنى هناك: أي دفن في ذلك التراب زهد ظاهر الصدق لم
[1]سورة المعارج، آية: 3.
[2]سورة الفتح، آية: 29.
[3]سورة الإسراء آية: 42.
[4]سورة، التكوير، آية: 7.
[5]سورة مريم، آية: 4.


صفحه 93

يكن عن رياء ولا تصنع، وجلا: بمعنى كشف أي أوضح الزهد أمر سهل رحمة الله عليه وأبان أنه من خيار عباد الله.
وقال الشيخ: أراد جلاء بالمد وهو منصوب على التمييز: أي صدق ذلك الزهد ظاهر أي بين مكشوف جلاء.
مثال إدغام الدال في الحروف العشرة: {فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ}[1]، {عَدَدَ سِنِينَ}[2]، {وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ}[3]، {وَشَهِدَ شَاهِدٌ}[4]، {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ}[5]، {يُرِيدُ ثَوَابَ}[6]، {تُرِيدُ زِينَةَ}[7]، {نَفْقِدُ صُوَاعَ}[8]، {مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ}[9]، {دَاوُدُ جَالُوتَ}[10]وفي {دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً}[11]خلاف[12].
ثم ذكر حكم الدال بعد الساكن فقال:
145-
وَلَمْ تُدَّغَمْ مَفْتُوحَةً بَعْدَ سَاكِنٍ ... بِحَرْفٍ بِغَيْرِ التَّاءِ فَاعْلَمْهُ وَاعْمَلا
تدْغم وتدَّغم لغتان بفتح الدال المشددة وإسكانها: أي إذا انفتحت الدال وقبلها ساكن لم تدغم في غير التاء فالباء في بحرف وفي بغير التاء بمعنى في وبغير التاء بدل من قوله: بحرف على إعادة العامل والألف في واعملا بدل من نون التأكيد، فمثال الدال المفتوحة مع غير الاء: {لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ}[13]، {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}[14]، {آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}[15]، {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا}[16]، {بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ}[17]، {بَعْدَ ظُلْمِهِ}[18]، {بَعْدَ ثُبُوتِهَا}[19].
فهذا كله لا يدغم. ومثالها مع التاء: {كَادَ يَزِيغُ}[20]، {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}[21].
ولا ثالث لهما فهذان يدغمان؛ لأن التاء من مخرج الدال فكأنهما مثلان فإن كسرت الدال أو ضمت بعد ساكن أدغمت نحو:
{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}[22]، {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ}[23].
[1]سورة البقرة، آية: 17.
[2]سورة المؤمنون، آية: 112.
[3]سورة المائدة، آية: 2.
[4]سورة الأحقاف، آية: 10.
[5]سورة فصلت، آية: 50.
[6]سورة النساء، آية: 134.
[7]سورة الكهف، آية: 28.
[8]سورة يوسف، آية: 72.
[9]سورة المائدة، آية: 29.
[10]سورة البقرة، آية: 251.
[11]سورة فصلت، آية: 28.
[12]والصحيح أن هذا الخلاف دائر بين الإدغام المحض الذي هو مذهب المتقدمين والإخفاء الذي ذهب إليه أكثر المتأخرين. اهـ ضباغ.
[13]سورة ص، آية: 30.
[14]سورة القلم، آية: 11.
[15]سورة سبأ، آية: 12.
[16]سورة النساء، آية: 163.
[17]سورة هود، آية: 10.
[18]سورة الشورى، آية: 41.
[19]سورة النحل، آية: 94.
[20]سورة التوبة، آية: 117.
[21]سورة النحل، آية: 94.
[22]سورة التوبة، آية: 127.
[23]سورة البقرة، آية: 251.


صفحه 94

146-
وفِى عَشْرِهَا وَالطَّاءِ تُدْغَمُ تَاؤُهَا ... وَفي أَحْرُفٍ وَجْهَانِ عَنْهُ تَهَلَّلا
أي والتاء تدغم في حروف الدال العشرة، وفي الطاء إلا أن من جملة حروف الدال العشرة التاء، فيكون إدغام التاء فيها من باب المثلين، وإنما لم يستننها لحصول الغرض مع الاختصار من غير إلباس، فإذا أسقطت التاء من العدد عددت الطاء عوضها فيكمل للتاء أيضا عشرة أحرف ولم يلق الدال طاء في القرآن فلهذا لم يذكر الطاء في حروفها، وكذا لم يلق التاء دالا في القرآن إلا والتاء ساكنة نحو: {أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا}[1].
وذلك واجب الإدغام كما سيأتي فلهذا أيضا لم يذكر الدال في حروف التاء والهاء في عشرها للدال وفي تائها يجوز أن يكون للدال ويجوز أن يكون للعشر وأن يكون للحروف السابقة الستة عشر، وفي شرح الشيخ لك أن تعيد الضمير في عشرها على الأحرف السابقة التي للدال وهو مشكل فإنه من إضافة الشيء إلى نفسه وذلك غير جائز فمثال إدغام التاء في الطاء: {الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ}[2]، ومع السين: {بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا}[3]، ومع الذال: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}[4]، ومع الشين: {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء}[5]، ومع الضاد: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}[6]، ولا ثاني له، ومع الثاء: {وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ}[7]، ومع الزاي: {إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا}[8]، ومع الصاد: {وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا}[9]، ومع الظاء: {الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي}[10].
في النساء والنحل ليس غيره ومع الجيم:
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ}[11].
ولم يذكر في التاء ما ذكره للدال من كونها لم تدغم مفتوحة بعد ساكن؛ لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وهو قد علم استثناؤه نحو: {دَخَلْتَ جَنَّتَكَ}[12]، {أُوتِيتَ سُؤْلَكَ}[13].
إلا في مواضع وقعت فيها مفتوحة بعد ألف فهي على قسمين منها ما نقل فيها الخلاف، وهي الأربعة المذكورة في البيت الآتي، وهي المشار إليها بقوله: وفي أحرف وجهان عنه تهللا، والألف في تهللا ضمير الوجهين أي استنارا، وظهرا، ونقلا عن أبي عمرو، ومنها موضع واحد لا خلاف في إدغامه، وهو قوله:
[1]سورة يونس، آية: 89.
[2]سورة النحل، آية: 32.
[3]سورة الفرقان، آية: 11.
[4]سورة الذاريات، آية: 1.
[5]سورة النور، آية: 4.
[6]سورة العاديات، آية: 1.
[7]سورة آل عمران، آية: 79.
[8]سورة الزمر، آية: 73.
[9]سورة النبأ، آية: 38.
[10]سورة النساء، آية: 97.
[11]سورة الملك، آية: 93.
[12]سورة الكهف، آية: 39.
[13]سورة طه، آية: 36.