حتى اصحوا فبعث زيد القاسم بن عمر التبعي ورجلا آخر اسمه صدام وسعيد بن خثيم ينادون بشعارهم ورفع ابو الجارود زياد بن المنذر الهمداني هردياً من مئذنتهم ونادى بشعار زيد فلما كانوا في صحاري عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي فشد على القاسم وعلى اصحابه فقتل صدام وارتث[١]القاسم فأتي به الحكم بن الصلت فقتله على باب القصر. قال ابو مخنف وقال يوسف بن عمر وهو بالحيرة من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء فيأتينا بخبرهم فقال عبد الله بن العباس المنتوف الهمداني انا آتيك بخبرهم فركب في خمسين فارساً ثم اقبل حتى اتى جبانة سالم فاستخبر ثم رجع الى يوسف فاخبره فلما اصبح يوسف خرج الى تل قريب من الحيرة فنزل معه قريش واشراف الناس وامير شرطته يومئذ العباس بن سعد المرادي وبعث الريان بن سلمة البلوي في نحو من الفي فارس وثلثمائة من القيقانية[٢]رجالة ناشبة[٣]واصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة ٢١٨ رجالة ناشبة فقال زيد سبحان الله فاين الناس قيل هم محصورون في المسجد فقال لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر واقبل نصر بن خزيمة الى زيد فتلقى عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت
[١]ارتث بالبناء للمجهول حمل من المعركة رثيثاً اي جريحاً وبه رمق.
[٢]نسبة الى قيقان كجيران موضعان.
[٣]الناشبة اصحاب النشاب.
عند بعض دور الكوفة فقال يا منصور امت فلم يرد عليه عمر شيئاً فشد نصر عليه وعلى اصحابه فقتله وانهزم من كان معه واقبل زيد حتى انتهى الى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من اهل الشام فحمل عليهم زيد في اصحابه فهزمهم ثم مضى حتى انتهى الى الكناسة فحمل على جماعة من اهل الشام فهرمهم ثم شلهم[١]حتى ظهر الى المقبرة ويوسف ابن عمر على التل ينظر الى زيد واصحابه وهم يكرون ولو شاء زيد ان يقتل يوسف لقتله. ثم ان زيداً اخذ ذات اليمين حتى دخل الكوفة فطلع اهل الشام عليهم فدخلوا زقاقا ضيقاً ومضوا فيه فقال زيد لنصر ابن خزيمة تخاف على اهل الكوفة ان يكونوا فعلوها حسينية فقال جعلني الله فداك اما انا فوالله لاضربن بسيفي هذا معك حتى اموت ثم خرج بهم زيد نحو المسجد فخرج اليه عبيد الله بن العباس الكندي في اهل الشام واقتتلوا فانهزم عبيد الله واصحابه وتبعهم زيد حتى انتهوا الى باب الفيل ( وهو احد ابواب المسجد ) وجعل اصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الابواب ويقولون يا اهل المسجد اخرجوا وجعل نصر بن خزيمة يناديهم يا اهل الكوفة اخرجوا من الذل الى العز الى الدين والدنيا وجعل اهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة. وبعث يوسف بن عمر الربان بن سلمة في خيل الى دار الرزق فقاتلوا زيداً قتالا شديداً وجرح من اهل الشام جرحى كثيرة وشلهم اصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا الى المسجد الاعظم فرجع اهل الشام
[١]شلهم أي طردهم.
مساء يوم الاربعاء وهم أسوأ شيء ظنوا فلما كان غداة يوم الخميس دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمة فافف به وقال له فلك من صاحب خيل ودعا العباس بن سعد المري ( المرادي ) صاحب شرطته فبعثه الى اهل الشام فسار بهم حتى انتهوا الى زيد في دار الرزق وخرج اليه زيد وعلى مجنبته[١]نصر بن خزيمة ومعاوية بن اسحاق فلما رآهم العباس نادى يا اهل الشام الأرض فنزل ناس كثير واقتتلوا فتالا شديداً وكان رجل من اهل الشام اسمه نائل بن مرة العبسي قال ليوسف والله لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لاقتلنه او ليقتلني فاعطاه يوسف سيفاً لا يمر بشيء الا قطعه فلما التقى اصحاب العباس واصحاب زيد ضرب نائل نصراً فقطع فخذه وضربه نصر فقتله ومات نصر ثم ان زيداً هزمهم وانصرفوا باسوأ حال فلما كان العشاء عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد فكشفهم ثم اتبعهم حتى اخرجهم الى السبخة ثم شد عليهم حتى اخرجهم من بني سليم ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق وبني دوس فقاتلهم قتالا شديداً وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له عبد الصمد قال سعيد بن خثيم وكنا مع زيد في خمسمائة واهل الشام اثنا عشر الفاً وكان بايع زيداً اكثر من اثني عشر الفاً فغدروا به اذ فصل رجل من اهل الشام من كلب على فرس له رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وعليها وعليها فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول أما احد يغضب
[١]المجنبة تقال للميمنة وللميسرة.
لفاطمة بنت رسول الله أما أحد يغضب لرسول الله (ص) أما احد يغضب لله ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة قال سعيد فجئت الى مولى لي فاخذت منه مشملا[١]كان معه ثم استترت من خلف النظارة حتى اذا صرت من ورائه ضربت عنقه وانا متمكن منه بالمشعل فوقع رأسه بين يدي بغلته ثم رميت جيفته عن السرج وشد اصحابه علي حتى كادوا يرهقوني وكبر اصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني فركبت واتيت زيداً فجعل يقبل بين عيني ويقول ادركت والله ثأرنا ادركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرهما ونغلني البغلة. وجعلت خيل اهل الشام[٢]لا تثبت لخيل زيد فبعث العباس بن سعد الى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية وسأله ان يبعث اليه الناشبة[٣]فبعث اليه سليمان ابن كيسان في القيقانية[٤]وهم بخارية وكانوا رماة فجعلوا يرمون اصحاب زيد وقاتل معاوية بن اسحق الانصاري يومئذ قتالا شديداً فقتل بين يدي زيد وثبت زيد في اصحابه حتى اذا كان عند جنح
[١]المشمل كمنبر سيف قصير يتغطى بالثوب.
[٢]جاء في هذه الاخبار في غير موضع ما يدل على ان العسكر الذي كان يحارب زيداً كان اكثره او جملة منه من اهل الشام والظاهر ان العسكر الشامي كان موجوداً دائماً لقلة ثقة الامويين باهل الكوفة.
[٣]اصحاب النشاب.
[٤]مر تفسيره.
الليل رمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ فرجع ورجع اصحابه ولا يظن اهل الشام انهم رجعوا الا للمساء والليل فدخل داراً من دور ارحب وشاكر وجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دوس فقال له ان نزعته من رأسك مت قال الموت ايسر علي مما أنا فيه فاخذ الكلبتين فانتزعه فساعة انتزاعه مات وفي عمدة الطالب قال سعيد بن خثيم تفرق اصحاب زيد عنه حتى بقي في ثلثمائة رجل وقيل جاء يوسف بن عمر الثقفي في عشرة آلاف[١]فصف اصحابه صفاً بعد صف حتى لا يستطيع احدهم ان يلوي عنقه فجعلنا نضرب فلا نرى الا النار تخرج من الحديد فجاء سهم فاصاب جبين زيد بن علي يقال رماه مملوك ليوسف بن عمر الثقفي يقال له راشد فاصاب عينيه فانزلناه وكان رأسه في حجر محمد ابن مسلم الخياط فجاء يحيى بن زيد فاكب عليه فقال يا ابتاه ابشر ترد على رسول الله وعلي وفاطمة وعلى الحسن والحسين فقال اجل يا بني ولكن اي شيء تريد ان تصنع قال اقاتلهم والله ولو لم اجد الا نفسي فقال افعل يا بني فانك على الحق وانهم على الباطل وان قتلاك في الجنة وان قتلاهم في النار ثم نزع السهم فكانت نفسه معه.
وقال المسعودي حال المساء بين الفريقين فراح زيد مثخناً بالجراح وقد اصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل فاتي بحجام
[١]مر عن سعد بن خثيم ان زيداً بقي في خمسمائة واهل الشام اثنا عشر الفاً.
من بعض القرى فاستكتموه امره فاستخرج النصل فمات من ساعته فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش واجري الماء على ذلك وحضر الحجام مواراته فعرف الموضع فلما اصبح مضى الى يوسف متنصحا فدله على موضع قبره فاستخرجه يوسف وبعث برأسه الى هشام فكتب اليه هشام ان اصلبه عرياناً فصلبه يوسف كذلك وبنى تحت خشبته عموداً ثم كتب هشام الى يوسف باحراقه وذروه في الرياح.
وقال ابو الفرج قال القوم اين ندفنه واين نواريه ( خوفاً من بني امية وعمالهم ان يمثلوا به لما يعلمون من خبث سرائرهم وعادتهم في التمثيل التي ابتدأت من يوم احد ) فقال بعضهم نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء وقال بعضهم لا بل نحتز رأسه ثم نلقيه بين القتلى فقال يحيى ابن زيد لا والله لا يأكل لحم ابي السباع وقال بعضهم نحمله الى العباسية فندفنه فيها ( وهي على ما في القاموس بلدة بنهر الملك ).
وقال سلمة بن ثابت فاشرت عليهم ان ينطلقوا الى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها فقبلوا رأيي فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير حتى اذا نحن مكنا له دفناه ثم اجرينا عليه الماء ومعنا عبد سندي وقيل حبشي كان مولى لعبد الحميد الرواسي وكان معمر بن خشم قد اخذ صفقته لزيد وقيل هو مملوك سندي لزيد وكان حضرهم وقيل كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس فرآهم حيث دفنوه فلما اصبح اتى الحكم بن الصلت فدلهم على موضع قبره
وقال ابن عساكر اخذه رجل فدفنه في بستان له وصرف الماء عن الساقية وحفر له تحتها ودفنه واجرى عليه الماء وكان غلام له سندي في بستان له ينظر فذهب الى يوسف فاخبره. وقال ابن الاثير رآهم قصار فدل عليه فبعث اليه يوسف بن عمر الثقفي فاستخرجوه وحملوه على بعير قال ابو الفرج قال نصر بن قابوس فنظرت والله اليه حين اقبل به على جمل قد شد بالحبال وعليه قميص اصفر هروي فالقي من البعير على باب القصر كأنه جبل وقطع الحكم بن الصلت رأسه وسيره الى يوسف بن عمر وهو بالحيرة فامر يوسف ان يصلب زيد بالكناسة هو ونصر بن خزيمة ومعاوية ابن اسحق وزياد النهدي وامر بحراستهم وبعث بالرأس الى الشام فصلب على باب مدينة دمشق ثم ارسل الى المدينة. ثم ان يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور قال المسعودي ففي ذلك ( اي صلب زيد ) يقول بعض شعراء بني امية ( وهو الحكم « الحكيم » بن العباس الكلبي ) يخاطب آل ابي طالب وشيعتهم من ابيات :
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة
ولم ار مهدياً على الجذع يصلب
وبعد البيت
وقستم بعثمان عليا سفاهة
وعثمان خير من علي واطيب
وفي البحار ان الصادقعليهالسلاملما بلغه قول الحكم رفع يديه الى السماء وهما يرعشان فقال اللهم ان كان عبدك كاذباً فصلط عليه كلبك فبعثه بنو أمية الى الكوفة فبينما هو يدور في سككها
اذ افترسه الاسد واتصل خبره بجعفر فخر لله ساجداً ثم قال الحمد لله الذي انجزنا ما وعدنا. ورواه ابن حجر ايضاً في صواعقه. وقد نظم المؤلف قصيدة في الرد على الحكيم الكلبي وتوجد في القسم الاول من الرحيق المختوم ونورد هنا شيئاً منها اولها :
لقد لامني فيك الوشاة واطنبوا
وراموا الذي لم يدركوه فخيبوا
ارقت وقد نام الخلي ولم ازل
كأني على جمر الغضى اتقلب
عجبت وفي الايام كم من عجائب
ولكنما فيها عجيب واعجب
تفاخرنا قوم لنا الفخر دونها
على كل مخلوق يجيء ويذهب
وما ساءني الا مقالة قائل
الى آل مروان يضاف وينسب
( صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة
ولم ار مهدياً على الجذع يصلب )
فان تصلبوا زيداً عناداً لجده
فقد قتلت رسل الاله وصلبوا
وانا نعد القتل أعظم فخرنا
بيوم به شمس النهار تحجب
فما لكم والفخر بالحرب انها
اذا ما انتمت تنمى الينا وتنسب
هداة الورى في ظلمة الجهل والعمى
اذا غاب منهم كوكب بان كوكب
كفاهم فخاراً ان احمد منهم
وغيرهم ان يدعوا الفخر كذبوا
وفي امالي الصدوق في الحديث الثاني من المجلس ٦٢ حدثنا احمد ابن زياد بن جعفر الهمداني;حدثنا علي بن ابراهيم بن هاشم عن ابيه عن محمد بن ابي عمير عن حمزة بن حمران دخلت الى الصادق جعفر بن محمدعليهالسلامفقال لي يا حمزة من اين اقبلت قلت من