فإن هو فعلها فقدرت عليه، فقطّعه إربا إربا، إلاّ أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل و احقن دماء قومك ما استطعت»[1].
خلافة يزيد
و آل الأمر-على هذا النحو-إلى يزيد في سنة ستّين للهجرة، و هو بين الرابعة و الثلاثين و الخامسة و الثلاثين، و لكنّه دون أنداده في تجارب الأيام، و ليس حوله من المشيرين و النصحاء أمثال: المغيرة[2]، و زياد[3]، و عمرو بن العاص[4]، و غيرهم من القروم[5]الذين كانوا حول أبيه.
فتهيّب ما هو مقدم عليه، و كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان[6]: «أن خذ حسينا و عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا، و السلام» .
[1]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 392-393، الأخبار الطوال 226، تاريخ الطبري 4:
534، العقد الفريد 5: 122، المنتظم 5: 320، الكامل في التاريخ 3: 259-260، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 341.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (17) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (18) .
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (19) .
[5]القرم: السيّد. و أصله: البعير المكرم، لا يحمل عليه و لا يذلّل، و لكن يكون للفحلة.
(صحاح اللغة 5: 2009) .
[6]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (20) .
فبعث الوليد إلى مروان بن الحكم يستشيره، و كان مروان يريد الخلافة لنفسه، و لكنّه علم-بعد موت معاوية و قيام يزيد-أنّ الأمر اليوم أمر بني أميّة، فإن خرج منهم فقد خرج منهم أجمعين، فنصح للوليد نصيحة ذات وجهين: ظاهرها الشدّة في الدعوة ليزيد، و باطنها السعي إلى الخلاص من يزيد و منافسيه.
فقال: «أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر، فتدعوهم إلى البيعة.
أمّا ابن عمر فلا أراه يرى القتال، و لكن عليك بالحسين و عبد اللّه بن الزبير فإن بايعا، و إلاّ فاضرب أعناقهما» .
و ضرب عنق الحسين و ابن الزبير معناه الخلاص من أعظم المنافسين ليزيد، ثمّ الخلاص من يزيد نفسه بإثارة النفوس و إيغار الصدور عليه!
و قد ذهب رسول الوليد إلى الحسين و ابن الزبير، فوجدهما في المسجد، فعلم الحسين ما يراد منه، و جمع طائفة من مواليه يحملون السلاح، و قال لهم-و هو يدخل بيت الوليد-: «إن دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فاقتحموا عليّ بأجمعكم، و إلاّ فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم» .
فلمّا عرضوا عليه البيعة ليزيد قال: «أمّا البيعة فإنّ مثلي لا يعطي بيعته سرّا، و لا أراك تقنع بها منّي سرّا» .
قال الوليد: «أجل» .
قال الحسين: «فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم، فكان الأمر واحدا» .
ثمّ انصرف و مروان غاضب صامت لا يتكلّم.
و ما هو إلاّ أن توارى الحسين حتّى صاح بالوليد: «عصيتني و اللّه!لا قدرت منه على مثلها أبدا حتّى تكثر القتلى بينكم و بينه» .
فأنكر الوليد لجاجته، و قال له: «أتشير عليّ بقتل الحسين؟!و اللّه إنّ الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند اللّه»[1].
و هكذا انتهت المنافسة بين بني أميّة و بني هاشم إلى مفترق طريق لا سبيل فيه إلى توفيق، و لم تنقطع قط سلسلة هذه المنافسة منذ أجيال و إن غلبها الإسلام في عهد النبوّة، و في عهد الصدّيق و الفاروق.
و كفى بالإسلام فضلا في هذا المجال أنّه غلب العصبيّة بالعقيدة، فجعلها تابعة لها غير قادرة على الجهر بمخالفتها، و لكنّ العصبيّة المكبوحة عصبيّة موجودة غير معدومة.
و كثيرا ما يفلت المكبوح من عنانه و إن طالت به الرياضة و الانقياد.
فاتّفق كثيرا في مساجلات[2]شتّى بين كبار الصحابة أن بدرت إلى
[1]ذكرت هذه الحادثة بتفاصيلها في: تاريخ خليفة 144، الأخبار الطوال 227-228، تاريخ الطبري 4: 548-550، الإرشاد 2: 32-34، إعلام الورى 1: 434-435، المنتظم 5: 323، الكامل في التاريخ 3: 263-264، البداية و النهاية 8: 146-147، سمط النجوم العوالي 3: 163.
[2]المساجلة: المفاخرة. (لسان العرب 6: 181) .
اللسان بوادر العصبيّة و النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حاضر.
فلمّا أشار عمر بقتل أبي سفيان-على خلاف رأي العبّاس في استبقائه و تألّفه-قال العبّاس: «مهلا يا عمر!فو اللّه لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، و لكنّك قد عرفت أنّه من رجال عبد مناف»[1].
و لما توثّب أسيد بن حضير[2]لضرب أعناق المفترين على السيّدة عائشة[3]ثار به سعد بن عبادة[4]و صاح به: «كذبت لعمر اللّه!ما تضرب أعناقهم. أما و اللّه ما قلت هذه المقالة إلاّ أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج، و لو كانوا من قومك-الأوس-ما قلت هذا»[5].
و قد مات الفاروق و هو يوصي عليّا، فيقول: «اتّق اللّه يا علي إن ولّيت شيئا، فلا تحملنّ بني هاشم على رقاب المسلمين» .
ثمّ يلتفت إلى عثمان، فيقول له: «اتّق اللّه إن ولّيت شيئا، فلا تحملنّ بني أميّة على رقاب المسلمين»[6].
[1]لاحظ: الكامل في التاريخ 2: 165، البداية و النهاية 4: 289-290.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (21) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (22) .
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (23) .
[5]قارن: السيرة النبويّة لابن هشام 3: 328، المنتظم 3: 223، البداية و النهاية 4: 161.
[6]راجع: الإمامة و السياسة 1: 43، الكامل في التاريخ 3: 27.
و من عجائب الحيل التي تحاول بها الغرائز الإنسانيّة أن تبقى وجودها و تمضي لطيّتها، أنّ بني أميّة انتفعوا من حرب الإسلام للعصبيّة في تعزيز عصبيتهم، فجعلوها حجّة على بني هاشم: أنّ النبوّة لا تحصر الأمر فيهم، و أنّ الأنبياء لا يورّثون[1].
و إذا نهضت هذه الحجّة على بني هاشم، فبنو أميّة أقوى المنتفعين بها من بطون عبد مناف!
و قد أوجبت الضرورة قبل المجاملة في هذه المنافسات فترة من الزمن على عهد معاوية بن أبي سفيان، فكان يلطف القول إلى أبناء علي و يواليهم بالهدايا و المجاملات، و لكنّه كان مضطرا إلى مجاملة آل علي و مضطرا إلى تنقّص علي و الغضّ من دعواه، فكان بذلك مضطرا إلى النقيضين في آن [واحد].
إنّه ملك، و بايع بالملك ليزيد و هو يعلم أنّه غالب بالسلاح و المال
[1]هذه هي مقالة الخليفة أبي بكر لفاطمة الزهراء عند ما طالبته بحقّها في فدك. لا حظ تاريخ اليعقوبي 2: 127.
و لا يخفى أنّ القول: بأنّ الخلافة خرجت عن بني هاشم و أهل البيت لئلا يقال: إنّ خلافتهم ملك متوارث، و ما في معناه.
مردود: بأنّ الخلافة مقام و منصب ديني، و لن يتم و يحصل منها الغرض إلاّ إذا قام بها أخصّ الناس بالدين و أولاهم بالمسلمين، و لو كان لمثل هذا التخرّص حكم لما أوجب اللّه تعالى الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و آل بيته:، و لما جعل لهم الخمس، و لما افترض على الأمّة حبّهم، فالجواب عن هذه الأمور هو الجواب عن الخلافة.
هذا على نحو الاختصار، و إلاّ فالمقام مقام كلام طويل جدّا طويت عنه كشحا.
مغلوب بالسمعة و الشعور.
فكان الناس يفضّلون عليّا عليه، و هو لا يملك أن يفاضله بقرابة النبي، و لا بالسابقة إلى الإسلام، و لا بالعراقة في قريش.
فتجنّب النسب و السابقة، و عمد إلى شخص علي في منازعات الخلافة، فاتّهمه بتفرّقة الكلمة بين المسلمين، و أمر بلعنه على المنابر[1]عسى أن يضعف من تلك المكانة التي هو مغلوب بها، و يستبقي الدولة التي هو بها غالب.
و لجّ في ذلك حتّى قتل أناسا لم يطيعوه في لعن علي و اتّهامه[2]، و أبى أن يجيب الحسن بن علي إلى شرطه الذي أراد به أن يرفع اللعن عن أبيه[3].
و كان معاوية-على حصافته[4]-يجهل أنّه قد أضاع سمعة و شعورا من حيث حارب عليّا في مقام السمعة و الشعور.
[1]انظر: النصائح الكافية 90 و 91، الغدير 10: 312.
[2]كحجر بن عدي، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و رشيد الهجري، و عبد اللّه بن يحيى الحضرمي، و جويرية بن مسهر العبدي، و أوفى بن حصن، و غيرهم من الرجال الصالحين رحمهم اللّه.
قارن: البداية و النهاية 8: 49-55، تاريخ الكوفة 285-292 و 307-309، صلح الحسن لآل ياسين 320-360.
[3]راجع ما نقله آل ياسين في كتابه: (صلح الحسن 315-317) عن ابن أبي الحديد و المسعودي و الطبري و غيرهم.
و لاحظ كذلك: الكامل في التاريخ 3: 207، النصائح الكافية 73 و 97 و 101 و 194.
[4]رجل حصيف العقل و الرأي: سديده. (جمهرة اللغة 1: 540) .
و إنّ مجاملة كهذه التي تحيي الرجل و تغضّ من قدر أبيه لهي أضعف مجاملة بين متلاقيين، فضلا عن خصمين متنافسين قد آل بهما التنافس بعد أجيال إلى مفترق الطريق.
زواج الحسين
و كأنّما كانت هذه المنافسة المؤصّلة الجذور لا تكفي قصاص التاريخ، فأضاف إليها أناس من ثقاتهم قصّة منافسة أخرى هي وحدها كافية للنفرة بين قلبين متآلفين، و هي: قصّة زواج الحسين رضى اللّه عنه بزينب[1]بنت إسحاق التي كان يهواها يزيد هوى أدنفه[2]و أعياه.
و كانت زينب هذه-على ما قيل-أشهر فتيات زمانها بالجمال، و كانت زوجة لعبد اللّه بن سلام القرشي والي العراق من قبل معاوية.
فمرض يزيد بحبّها، و أخفى سرّه عن أهله، حتّى استخرجه منه بعض خصيان القصر[3]الذين يعينونه على شهواته.
فلمّا علم أبوه سرّ مرضه أرسل في طلب عبد اللّه بن سلام، و استدعى إليه أبا هريرة[4]و أبا الدرداء[5]، فقال لهما: إنّ له ابنة يريد زواجها، و لم
[1]في أغلب المصادر سمّيت بـ (أرينب) بدل: (زينب) ، كما سيأتي ذكر ذلك عمّا قريب.
[2]الدنف: المرض الملازم. (صحاح اللغة 4: 1360) .
[3]اسمه رفيف على ما في الإتحاف بحبّ الأشراف 201.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (24) .
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (25) .
يرض لها خليلا غير ابن سلام؛ لدينه و فضله و شرفه و رغبة معاوية في تكريمه و تقريبه.
فخدع ابن سلام بما بلغه، و فاتح معاوية في خطبة ابنته، فوكّل معاوية الأمر إلى أبي هريرة ليبلّغها و يستمع جوابها.
فكان جوابها المتّفق عليه بينها و بين أبيها أنّها لا تكره ما اختاروه، و لكنّها تخشى الضرّ، و تشفق أن يسوقها إلى ما يغضب اللّه.
فطلّق ابن سلام زوجته، و استنجز معاوية وعده، فإذا هو يلويه به، و يقول بلسان ابنته: إنّها توجس من رجل يطلّق زوجته و هي ابنة عمّه و أجمل نساء عصره.
و قيل: إنّ الحسين سمع بهذه المكيدة، فسأل أبا هريرة أن يذكره عند زينب خاطبا.
فصدع أبو هريرة بأمره، و قال لزينب: «إنّك لا تعدمين طلاّبا خيرا من عبد اللّه بن سلام» .
قالت: «من» ؟
قال: «يزيد بن معاوية و الحسين بن علي، و هما معروفان لديك بأحسن ما تبتغينه في الرجال» .
و استشارته في اختيار أيّهما، فقال: «لا أختار فم أحد على فم قبّله رسول اللّه، تضعين شفتيك في موضع شفتيه» .
فقالت: «لا أختار على الحسين بن علي أحدا و هو ريحانة النبي و سيّد شباب أهل الجنّة» .