بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 119

الخصمان‌

موازنة

لخّص المقريزي‌[1]المنافسة التي بين الهاشميين و الأمويين في بيتين، فقال:

عبد شمس قد أضرمت لبني ها # شم حربا يشيب منها الوليد

فابن حرب للمصطفى، و ابن هند # لعلي، و للحسين يزيد[2]

و سنعرض في ختام هذا الفصل عرضا موجزا لهذه المقابلة المتسلسلة بين أفراد الأسرتين؛ لتحقيق الرأي فيها، و لكننا نجتزئ هنا بالمقابلة بين الخصمين المتصاولين من هاشم و عبد شمس في شخصي الحسين و يزيد.

فأيّا كان الميزان الذي يوزن به كلّ من الرجلين، فلا مراء البتّة في خير الرجلين.

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (26) .

[2]النزاع و التخاصم 59. و انظر فصل الحاكم للعلوي 9.

و ورد البيت الأوّل في النصائح الكافية (111) بهذا اللفظ:

آل حرب أوقدتمو نار حرب # ليس يخبو لها الزمان وقود.


صفحه 120

و ما من رجل فاز حيث ينبغي أن يخيب كما قد فاز يزيد بن معاوية في حربه للحسين، و ما اختصم رجلان كان أحدهما أوضح حقّا و أظهر فضلا من الحسين في خصومته ليزيد بن معاوية.

و الموازنة بين هذين الخصمين هي في بعض وجوهها موازنة بين الهاشميين و الأمويين من بداءة الخلاف بين الأسرتين، و هي موازنة حفظت كفّتيها على وضعهما زهاء سبعة قرون، فلم يظهر في هذه القرون أموي قح، إلاّ ظهرت فيه الخصال الأمويّة المعهودة في القبيلة بأسرها، و لم يظهر في خلالها هاشمي قح، إلاّ رأيت فيه ملامح من تلك الخصال التي بلغت مثلها الأعلى في محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

و الهاشميون و الأمويين من أرومة[1]واحدة ترتفع إلى عبد مناف، ثمّ إلى قريش في أصلها الأصيل.

و لكنّ الأسرتين تختلفان في الأخلاق و الأمزجة و إن اتّحدتا في الأرومة.. فبنو هاشم في الأغلب مثاليون أريحيون و لا سيّما أبناء فاطمة الزهراء، و بنو أميّة في الأغلب الأعمّ عمليون نفعيون و لا سيّما الأصلاء منهم في عبد شمس من الآباء و الأمّهات.

و تفسير هذا الاختلاف مع اتّحاد الأرومة غير عسير.. فإنّ الأخوين في البيت الواحد قد يختلفان في الأخلاق و الأعمال، كما يختلف الغريبان من أمّتين بعيدتين تبعا لاختلاف سلسلة الميراث في الأصول و الفروع، على ذلك النحو الذي يأذن أحيانا باختلاف الألوان و الملامح في نسل واحد،

[1]الأروم: أصل الشجرة و القرن. (صحاح اللغة 5: 1860) .


صفحه 121

تأخذ كلّ شعبة منه بناحية من نواحي الوراثة.

و من الثابت الذي لا نزاع فيه أنّ عبد المطّلب و أميّة كانا يختلفان حتّى في الصورة و القامة و الملامح.

و في نسل أميّة شبهة نشير إليها و لا نزيد، فهي محلّ الإشارة و المراجعة في هذا المقام.

دخل دغفل النسّابة[1]على معاوية، فقال له: «من رأيت من علية قريش؟» . فقال: «رأيت عبد المطّلب بن هاشم و أميّة بن عبد شمس» .

فقال: «صفهما لي» . فقال: «كان عبد المطّلب أبيض مديد القامة حسن الوجه في جبينه نور النبوّة و عزّ الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنّهم أسد غاب» . قال: «فصف أميّة» . قال: «رأيته شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا، يقوده عبده ذكوان» . فقال معاوية: «مه!.. ذاك ابنه أبو عمرو» ، فقال دغفل: «ذلك شي‌ء قلتموه بعد و أحدثتموه.. و أمّا الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به»[2].

و ذكر الهيثم بن عدي‌[3]في كتاب المثالب: أنّ أبا عمرو بن أميّة كان عبدا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه.

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (27) .

[2]الروض الآنف 3: 65، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 159.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (28) .


صفحه 122

و نقل أبو الفرج الأصبهاني‌[1]-و هو من الأمويين-ما تقدّم‌[2]، فلم يعرض له بتفنيد.

و وضح الفرق بين بني هاشم و بني أميّة في الخلائق و المناقب في الجاهليّة قبل الإسلام.

فكان الهاشميون سراعا إلى النجدة و نصرة الحقّ و التعاون عليه، و لم يكن بنو أميّة كذلك، فتخلّفوا عن حلف الفضول الذي نهض به بنو هاشم و حلفاؤهم، و هو الحلف الذي اتّفق فيه نخبة من رؤساء قريش «ليكوننّ مع المظلوم حتّى يؤدّوا إليه حقّه، و ليأخذنّ أنفسهم بالتآسي في المعاش و التساهم في المال، و ليمنعنّ القوي من ظلم الضعيف و القاطن من عنف الغريب» ، و اتّفقوا على هذا الحلف؛ لأنّ العاص بن وائل‌[3]اشترى بضاعة من رجل زبيدي و لواه‌[4]بثمنها، فنصروا الرجل الغريب على القرشي و أعطوه حقّه‌[5].

و لمّا تنافر عبد المطّلب و حرب بن أميّة إلى نفيل بن عدي قضى لعبد المطلّب، و قال لحرب:

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (29) .

[2]حكي عنه في: الروض الآنف 3: 65، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 159.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (30) .

[4]لواه دينه: مطله. (لسان العرب 12: 368) .

[5]انظر: مروج الذهب 2: 276-277، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 138- 139.


صفحه 123

أبوك معاهر و أبوه عفّ # و ذاد الفيل عن بلد الحرام‌[1]

يشير إلى فيل أبرهة الذي أغار به على مكّة. و قال عن أميّة: إنّه «معاهر» ؛ لأنّه كان يتعرّض للنساء، و قد ضرب بالسيف مرّة؛ لأنّه تعرّض لامرأة من بني زهرة[2]، و كان له تصرّف عجيب في علاقات الزواج و البنوّة، فاستلحق عبده ذكوان و زوّجه امرأته في حياته، و لم يعرف سيّد من سادات الجاهليّة قط صنع هذا الصنيع.

اختلاف النشأة

و ندع اختلاف الطبائع و مغامز النسب، ثمّ ننظر في اختلاف النشأة و العادة-مع اختلاف الخلقة الجسديّة-فنرى أنّهما صالحتان لتفسير الفارق بين أبناء هاشم و أبناء عبد شمس بعد جيلين أو ثلاثة أجيال..

فقد كان بنو هاشم يعملون في الرئاسة الدينيّة، و بنو عبد شمس يعملون في التجارة أو الرئاسة السياسيّة. و هما ما هما في الجاهليّة من الربا و المماكسة و الغبن و التطفيف و التزييف.

فلا عجب أن يختلفا هذا الاختلاف بين أخلاق الصراحة و أخلاق المساومة، و بين وسائل الإيمان و وسائل الحيلة على النجاح.

و يتّفق كثيرا في الكهانات الوثنيّة أن يتّصف رؤساء الأديان بصفات

[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 141، النزاع و التخاصم 41 و 42. و في المصدر: أنّ المتنافر إليه هو نفيل بن عبد العزّى بن رياح.

[2]راجع المصدرين السابقين.

غ


صفحه 124

الرياء و الدهاء و العبث بأحلام الأغرار و الجهلاء، و لكنّهم يتّصفون بهذه الصفة حين يعلمون الكذب فيما يمارسون من شعائر الكهانة و مظاهر العبادة، و يتّخذونها صناعة يروّجونها لمنفعتهم أو لما يقدرون فيها من منفعة أولئك الأغرار و الجهلاء.

أمّا أبناء هاشم فلم يكونوا من طراز أولئك الكهّان المشعوذين، و لا كانوا من المحتالين بالكهانة على خداع أنفسهم و خداع المؤمنين و المصدّقين، بل كانوا يؤمنون بالبيت و ربّ البيت.

و بلغ من إيمانهم بدينهم أنّ عبد المطّلب جدّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أوشك أن يذبح ابنه فدية لربّ البيت؛ لأنّه «نذر لئن عاش له عشرة بنين لينحرنّ أحدهم عند الكعبة» ، و لم يتحلّل من نذره حتّى استوثق من كلام العرّافة بعد[ما]رمى القداح ثلاث مرّات‌[1].

و الأخلاق المثاليّة توائم الرئاسة الدينيّة التي يدين أصحابها بما يدعون إليه، فإن لم تكن في بني هاشم موروثة من معدن أصيل في الأسرة، فهي أشبه بسمت الرئاسة الدينيّة و العقيدة المتمكّنة و الشعائر المتّبعة جيلا بعد جيل، و هي أخلق أن تزداد في الأسرة تمكّنا بعد ظهور النبوّة فيها، و أن يتلقّاها بالوراثة و القدوة أسباط النبي و أقرب الناس إليه.

و إنّك لتنحدر مع أعقاب الذرّية في الطالبيين أبناء علي و الزهراء مائة

[1]المنتظم 2: 198-200، الكامل في التاريخ 2: 2-4، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 148، البداية و النهاية 2: 248-249.


صفحه 125

سنة و أربع مائة سنة، ثمّ يبرز لك رجل من رجالها، فيخيّل إليك أنّ هذا الزمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع و أصله في الخصال و العادات، كأنّما هو بعد أيام معدودات لا بعد المئات وراء المئات من السنين، و لا تلبث أن تهتف عجبا: إنّ هذه لصفات علوية لا شكّ فيها؛ لأنّك تسمع الرجل منهم يتكلّم و يجيب من يكلّمه، و تراه يعمل و يجزي من عمل له، فلا تخطئ في كلامه و لا في عمله تلك الشجاعة و الصراحة، و لا ذلك الذكاء و البلاغ المسكت، و لا تلك اللوازم التي اشتهر بها علي و آله، و تجمعها في كلمتين اثنتين تدلاّن عليها أوفى دلالة، و هما: «الفروسيّة و الرياضة» .

طبع صريح، و لسان فصيح، و متانة في الأسر يستوي فيها الخلق و الخلق، و نخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنّة المروءة و الإباء.

فمن يحيى بن عمر إلى علي بن أبي طالب خمسة أو ستّة أجيال، و لكن يحيى بن عمر يوصف لك، فإذا هو صورة مصغّرة من صور علي بن أبي طالب على نحو من الأنحاء.

فمن أوصافه التي وصفه بها الكاتب الأموي أبو الفرج الأصبهاني: أنّه كان «رجلا فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب بعيدا عن رهق الشباب و ما يعاب به مثله»[1].

و ممّا روى عنه: «أنّه كان مقيما ببغداد، و كان له عمود حديد ثقيل

[1]مقاتل الطالبيين 420.

و الرهق: الخفّة و العربدة. (لسان العرب 5: 345) .


صفحه 126

يكون معه في منزله، و ربّما سخط على العبد أو الأمة من حشمه، فيلوي العمود في عنقه، فلا يقدر أحد أن يحلّه عنه حتّى يحلّه يحيى رضى اللّه عنه»[1].

و لمّا ضايقه الأمراء و ضنّوا عليه بجرايته في بيت المال كان يجوع و يعرض عليه الطعام، فيأباه و يقول: «إن عشنا أكلنا»[2].

ثمّ ثار و بلغت أنباء ثورته بغداد، فأقبلت عليهم الجموع المحشودة لقتاله، و أسرع إليه بعض الأعراب فصاح به: «أيّها الرجل، أنت مخدوع..

هذه الخيل قد أقبلت» ، فوثب إلى متن فرسه فجال به، و حمل على قائد القوم فضربه ضربة بسيفه على وجهه، فولّى منهزما و تبعه أصحابه، فجلس معهم ساعة و هو لا يبالي ما يكون‌[3].

و لمّا تكاثرت عليه الجموع و قتل بعد ذلك، اتّهم الناس صاحبه الهيضم العجلي أنّه كان مدسوسا عليه، و أنّه غرّر به لينكص عنه عند احتدام القتال. فأقسم الرجل بالطلاق أنّه لم يكن له في الهزيمة صنع مدبّر..

قال: «و إنّما كان يحيى يحمل وحده و يرجع، فنهيته عن ذلك، فلم يقبل..

و حمل مرّة كما كان يفعل، فبصرت عيني به و قد صرع في وسط عسكرهم، فلمّا رأيته قتل انصرفت بأصحابي»[4].

و يحيى الشهيد هذا هو الذي قال ابن الرومي‌[5]جيميّته المشهورة في

[1]مقاتل الطالبيين 420.

[2]تاريخ الطبري 8: 230.

[3]مقاتل الطالبيين 421.

[4]انظر المصدر السابق 422.

[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (31) .