بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 128

كدأب علي في المواطن قبله # -أبي حسن-و الغصن من حيث يخرج

كأنّي أراه إذ هوى عن جواده # و عفّر بالترب الجبين المشجّج

فحبّ به جسما إلى الأرض إذ هوى # و حبّ به روحا إلى اللّه تعرج‌[1]

و قد أصاب ابن الرومي الوصف و التعليل، فما كان كلّ من يحيى و لا أسلافه من قبله إلاّ عليّا صغيرا يتأسّى بعلي الكبير، أو غصنا زاكيا يخرج من دوحته الكبرى، «و الغصن من حيث يخرج» كما قال، و لو لا قوّة هذه الطبائع في أساس الأسرة الطالبيّة لما انحدرت على هذه الصورة الواضحة بعد ستّة أجيال.

فنحن نرى يحيى بن عمر بعد هذه الأجيال-و هو بعموده الحديدي و جرأته التي لا تتزعزع و يقينه الذي لا يلوى به الإغراء و الوعيد-كأنّما هو نسخة أخرى من جدّه الكبير الذي يحمل باب خيبر و قد أعيا حمله الرجال‌[2]، و ينهد لعمرو بن ود و قد تهيّبه مئات الأبطال، و يتوسّط الصفوف

[1]وردت الأبيات مع بعض الاختلافات في: ديوان ابن الرومي 1: 307، مقاتل الطالبيين 426.

[2]لاحظ: المغازي للواقدي 2: 655، تاريخ أبي الفداء 1: 201، غزوة خيبر 85 و 98.


صفحه 129

حاسرا و قد برزوا له بشكّة القتال و دروع النزال‌[1].

و لم يكن لبني أميّة-على نقيض هذا-نصيب ملحوظ من الخلائق المثاليّة و الشمائل الدينيّة، و لا كان ظهور النبوّة في أسرة منافسة لأسرتهم من شأنه أن يعزّز مناقبها فيهم كما يعتزّ بها أبناء بيتها و فروع أرومتها، بل لعلّه كان من شأنه أن يجنح بهم من طرف خفي إلى صفات تقابل تلك الصفات، و مزايا تعوّض لهم ما فاتهم من تلك المزايا.. فتمكّنت فيهم-قبل ظهور النبوّة و بعدها-خلائقهم العمليّة التي درّبتهم عليها المساومات التجاريّة و راضهم عليها مراس المطامع السياسيّة. فاشتهر أناس من رؤوسهم بمحاسن هذه الخلائق و معائبها على سواء، و شاعت عنهم صفات:

الحلم‌[2]و الصبر و الحنكة و الدهاء، كما شاعت عنهم صفات: المراوغة و الجشع و الإقبال على الترف و مناعم الحياة.

و لقد تقابل الحسين بن علي و يزيد بن معاوية في تمثيل الأسرتين، كما تقابلا في كثير من الخلائق و الحظوظ، و لكنّهما تفاوتا في تمثيل أسرتيهما كما تفاوتا في غير ذلك من وجوه الخلاف بينهما. فكان الحسين بن علي نموذجا

[1]قارن: المغازي للواقدي 1: 470-471، الإرشاد 1: 98-99 و 100، إعلام الورى 1: 192 و 380-382، الكامل في التاريخ 2: 124، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 200-201، تاريخ أبي الفداء 1: 195-196.

[2]تمكن المناقشة في هذه الصفة، لاحظ ما ذكره محمّد بن عقيل العلوي في النصائح الكافية 203 و ما بعدها.


صفحه 130

لأفضل المزايا الهاشميّة، و لم يكن يزيد بن معاوية نموذجا لأفضل المزايا الأمويّة، بل كان فيه الكثير من عيوب أسرته و لم يكن له من مناقبها المحمودة إلاّ القليل.

و ليس بنا هنا أن نفصّل القول في أحوال كلّ من الرجلين و خصائص كلّ من النموذجين، و لكنّنا نجتزئ منهما بما يملأ الكفّتين في هذا الميزان، و هو ميزان الأريحيّة و النفعيّة في حادث كبير من حوادث التأريخ العربي يندر نظيره في جميع التواريخ.

مكانة الحسين‌

و إذا كانت المعركة كلّها هي معركة الأريحيّة و النفعيّة، فالمزية الأولى التي ينبغي توكيدها هنا للحسين بن علي رضي اللّه عنه هي مزية نسبه الشريف و مكانه من محبّة النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

إنّ المؤرّخ الذي يكتب هذا الحادث قد يكون عربيّا مسلما أو يكون من غير العرب و المسلمين، و قد يؤمن بمحمّد أو ينكر محمّدا و غيره من الأنبياء.. و لكنّه يخطئ دلالة الحوادث التأريخيّة إذا استخفّ بهذه المزية التي قلنا: إنّها أحقّ مزايا الحسين بالتوكيد في الصراع بينه و بين يزيد.

فليس المهمّ أن يؤمن المؤرّخون بقيمة ذلك النسب الشريف في نفوسهم أو قيمته في علوم العلماء و أفكار المفكّرين، و لكنّما المهمّ أنّ أتباع يزيد كانوا يؤمنون بحقّ ذلك النسب الشريف في الرعاية و المحبّة، و أنّهم- مع هذا-غلبتهم منافعهم على شعورهم، فكانوا من حزب يزيد و لم يكونوا من حزب الحسين.


صفحه 131

فلولا هذه المزية في الحسين لما وضح الصراع بين الأريحيّة و النفعيّة عند الفريقين، و لا كان المصطرعون هنا و هناك من مزاجين مختلفين، و لا للمعركة كلّها تلك الدلالة التي كشفت النفس الإنسانيّة في جانبين منها قوّيين، يتنازعان حوادث الأمم و الأفراد من زمان بعيد، و سيظلان على نزاعهما هذا إلى زمان بعيد.

و لقد كان الحسين بن علي بهذه المزية أحبّ إنسان إلى قلوب المسلمين، و أجدر إنسان أن تنعطف إليه القلوب.

كان النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم هو الذي سمّاه، و سمّى من قبله أخاه.

قال علي رضي اللّه عنه: «لمّا ولد الحسن سمّيته حربا، فجاء رسول اللّه فقال:

أروني ابني، ما سمّيتموه؟قلت: حرب!فقال: بل هو حسن. فلمّا ولد الحسين سمّيته حربا، فجاء رسول اللّه فقال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟قلت:

حرب!فقال: بل هو حسين‌[1].

و ذهب إلى الحسين و إخوته كلّ ما في فؤاد النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من محبّة البنين، و هو مشوّق الفؤاد إلى الذرّية من نسله. فكان7لا يطيق أذاهما، و لا يحبّ أن يستمع إلى بكاء[أحد]منهما في طفولتهما، على كثرة ما يبكي

[1]مسند أحمد 1: 98 و 118، الأدب المفرد 245، الذرية الطاهرة 120، المستدرك على الصحيحين 3: 180 و 183، السنن الكبرى للبيهقي 6: 166 و 7: 63، الاستيعاب 1: 436، المناقب لابن شهر آشوب 3: 397، إعلام الورى 1: 427-428، مطالب السؤول 2: 51، كنز العمّال 13: 660 و 665، الإتحاف بحبّ الأشراف 34.


صفحه 132

الأطفال الصغار.

و خرج من بيت عائشة يوما، فمرّ على بيت فاطمة، فسمع حسينا يبكي، فقال: «ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني؟»[1].

و كان يقول لها: «ادعي إليّ ابنيّ»[2]، فيشمّهما و يضمّهما إليه، و لا يبرج حتّى يضحكهما و يتركهما ضاحكين.

و روى أبو هريرة: أنّه كان7يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه، فيهشّ إليه، و كان عيينة بن بدر شهده في بعض هذه المجالس، فقال متعجبا: «يصنع هذا بهذا؟فو اللّه إنّ لي الولد، و ما قبّلته قط!» .

قال7: «من لا يرحم لا يرحم!»[3].

و خرج ليلة في إحدى صلاتي العشاء و هو حامل حسنا أو حسينا، فوضعه، ثمّ كبّر للصلاة، فأطال سجدة الصلاة. قال راوي الحديث:

«فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول اللّه و هو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلمّا قضى الصلاة قيل: يا رسول اللّه، إنّك سجدت بين ظهري

[1]تاريخ مدينة دمشق 14: 171، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، ذخائر العقبى 143، مجمع الزوائد 9: 201، نور الأبصار 254، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 311.

[2]سنن الترمذي 5: 658، تاريخ مدينة دمشق 14: 153، مطالب السؤول 2: 12، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 132، الدرّ النظيم 778.

[3]ذخائر العقبى 126، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 313.


صفحه 133

صلاتك سجدة أطلتها حتّى ظنّنا أنّه قد حدث أمر أو أنّه يوحى إليك» قال: «كلّ ذلك لم يكن، و لكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله»[1].

و قام7يخطب المسلمين، فجاء الحسن و الحسين و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران، فنزل7من المنبر، فحملهما و وضعهما بين يديه، ثمّ قال: «صدق اللّه!أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ[2]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران، فلم أصبر حتّى قطعت حديثي و رفعتهما»[3].

و لا يوجد مسلم في العصر القديم أو العصر الحديث يحبّ نبيّه كما يحبّ المؤمنون أنبياءهم، ثمّ يصغر عنده حساب هذا الحنان الذي غمر به قلبه الكريم سبطيه و أحبّ الناس إليه.

فبهذا الحنان النبوّي قد أصبح الحسين في عداد تلك الشخوص الرمزيّة التي تتّخذ منها الأمم و الملل عنوانا للحبّ، أو عنوانا للفخر، أو عنوانا للألم و الفداء.. فإذا بها محبوب كلّ فرد و مفخرته و موضع عطفه و إشفاقه، كأنّما تمتّ إليه وحده بصلة القرابة أو بصلة المودّة.

[1]المستدرك على الصحيحين 3: 181، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، كنز العمّال 13: 668.

[2]سورة الأنفال 8: 28.

[3]مسند أحمد 5: 354، سنن أبي داود 1: 290، سنن الترمذي 5: 658، سنن النسائي 3: 192، مناقب علي لابن مردويه 207، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، إعلام الورى 1: 432-433، مطالب السؤول 1: 14، الدرّ النظيم 776، كنز العمّال 13:

663.

غ


صفحه 134

و قد بلغ الحسين بهذا الحنان-مع الزمن-مبلغه من تلك المكانة الرمزيّة، فأوشك بعض واصفيه أن يلحقه في حمله و ولادته و رضاعه بمواليد المعجزات.

فقال بعضهم: «لم يولد مولود لستّة أشهر و عاش، إلاّ الحسين و عيسى بن مريم»[1].

و قال آخرون: «إنّه رضي اللّه عنه لم ترضعه أمّه و لم ترضعه أنثى، و اعتلّت فاطمة لمّا ولدت الحسين و جفّ لبنها، فطلب رسول اللّه مرضعة فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصّه و يجعل اللّه في إبهام رسوله رزقا يغذّيه، ففعل ذلك أربعين يوما و ليلة، فأنبت اللّه سبحانه و تعالى لحمه من لحم رسول اللّه»[2].

و روي عنه غير ذلك كثير من الأساطير التي تحيط بها الأمم تلك الشخوص الرمزيّة التي تعزّها و تغليها[3]فتلتمس لها مولدا غير المولد المألوف و النشأة المعهودة، و تلحقها أو توشك أن تلحقها بالخوارق

[1]الكافي 1: 465، دلائل الإمامة 71، الدرّ النظيم 525، ذخائر العقبى 188، الوافي:

3: 757، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 310.

[2]الكافي 1: 465، المناقب لابن شهر آشوب 4: 50، الوافي 3: 757.

[3]نحن لا نوافق الأستاذ العقّاد في كون ما روي في هذا المجال من الأساطير، و إنّما قد تكون هذه الأمور من الكرامات التي يحبوها و يهبها اللّه سبحانه و تعالى لعباده المخلصين و ليبيّن للناس مكانة هؤلاء العباد و منزلتهم عنده فيتّبعونهم لسلوك طريقة الهدى و الفلاح على متقضى قاعدة اللطف، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.


صفحه 135

و المعجزات.

و لقد كانت حقيقة الحسين الشخصيّة كفؤا لتلك الصورة الرمزيّة التي نسجتها حوله الأجيال المتعاقبة قبل أن يرى منه أبناء جيله غير تلك الحقيقة.

فكان مل‌ء العين و القلب في خلق و خلق، و في أدب و سيرة، و كانت فيه مشابه من جدّه و أبيه، إلاّ أنّه كان في شدّته أقرب إلى أبيه.

قال رضى اللّه عنه مشيرا إلى الحسن: «إنّ ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، أشبه أهلي بي الحسين»[1].

و اتّفق بعض الثقات على أنّ: «الغالب على الحسن الحلم و الأناة كالنبي، و على الحسين الشدّة كعلي»[2].

صفات الحسين‌

و قد تعلّم في صباه خير ما يتعلّمه أبناء زمانه من فنون العلم و الأدب و الفروسيّة، و إليه يرفع كثير من المتصوّفة و حكماء الدين نصوصهم التي يعوّلون عليها و يردّونها إلى علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه‌[3].

و قد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان و حسن بيان و غنّة صوت و جمال إيماء.

[1]تاريخ مدينة دمشق 14: 177.

[2]الدرّ النظيم 489.

[3]لاحظ طبقات الأولياء لابن الملقّن 493.