الأطفال الصغار.
و خرج من بيت عائشة يوما، فمرّ على بيت فاطمة، فسمع حسينا يبكي، فقال: «ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني؟»[1].
و كان يقول لها: «ادعي إليّ ابنيّ»[2]، فيشمّهما و يضمّهما إليه، و لا يبرج حتّى يضحكهما و يتركهما ضاحكين.
و روى أبو هريرة: أنّه كان7يدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرة لسانه، فيهشّ إليه، و كان عيينة بن بدر شهده في بعض هذه المجالس، فقال متعجبا: «يصنع هذا بهذا؟فو اللّه إنّ لي الولد، و ما قبّلته قط!» .
قال7: «من لا يرحم لا يرحم!»[3].
و خرج ليلة في إحدى صلاتي العشاء و هو حامل حسنا أو حسينا، فوضعه، ثمّ كبّر للصلاة، فأطال سجدة الصلاة. قال راوي الحديث:
«فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول اللّه و هو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلمّا قضى الصلاة قيل: يا رسول اللّه، إنّك سجدت بين ظهري
[1]تاريخ مدينة دمشق 14: 171، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، ذخائر العقبى 143، مجمع الزوائد 9: 201، نور الأبصار 254، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 311.
[2]سنن الترمذي 5: 658، تاريخ مدينة دمشق 14: 153، مطالب السؤول 2: 12، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 132، الدرّ النظيم 778.
[3]ذخائر العقبى 126، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 313.
صلاتك سجدة أطلتها حتّى ظنّنا أنّه قد حدث أمر أو أنّه يوحى إليك» قال: «كلّ ذلك لم يكن، و لكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله»[1].
و قام7يخطب المسلمين، فجاء الحسن و الحسين و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران، فنزل7من المنبر، فحملهما و وضعهما بين يديه، ثمّ قال: «صدق اللّه!أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ[2]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران، فلم أصبر حتّى قطعت حديثي و رفعتهما»[3].
و لا يوجد مسلم في العصر القديم أو العصر الحديث يحبّ نبيّه كما يحبّ المؤمنون أنبياءهم، ثمّ يصغر عنده حساب هذا الحنان الذي غمر به قلبه الكريم سبطيه و أحبّ الناس إليه.
فبهذا الحنان النبوّي قد أصبح الحسين في عداد تلك الشخوص الرمزيّة التي تتّخذ منها الأمم و الملل عنوانا للحبّ، أو عنوانا للفخر، أو عنوانا للألم و الفداء.. فإذا بها محبوب كلّ فرد و مفخرته و موضع عطفه و إشفاقه، كأنّما تمتّ إليه وحده بصلة القرابة أو بصلة المودّة.
[1]المستدرك على الصحيحين 3: 181، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، كنز العمّال 13: 668.
[2]سورة الأنفال 8: 28.
[3]مسند أحمد 5: 354، سنن أبي داود 1: 290، سنن الترمذي 5: 658، سنن النسائي 3: 192، مناقب علي لابن مردويه 207، المناقب لابن شهر آشوب 4: 71، إعلام الورى 1: 432-433، مطالب السؤول 1: 14، الدرّ النظيم 776، كنز العمّال 13:
663.
غ
و قد بلغ الحسين بهذا الحنان-مع الزمن-مبلغه من تلك المكانة الرمزيّة، فأوشك بعض واصفيه أن يلحقه في حمله و ولادته و رضاعه بمواليد المعجزات.
فقال بعضهم: «لم يولد مولود لستّة أشهر و عاش، إلاّ الحسين و عيسى بن مريم»[1].
و قال آخرون: «إنّه رضي اللّه عنه لم ترضعه أمّه و لم ترضعه أنثى، و اعتلّت فاطمة لمّا ولدت الحسين و جفّ لبنها، فطلب رسول اللّه مرضعة فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه فيمصّه و يجعل اللّه في إبهام رسوله رزقا يغذّيه، ففعل ذلك أربعين يوما و ليلة، فأنبت اللّه سبحانه و تعالى لحمه من لحم رسول اللّه»[2].
و روي عنه غير ذلك كثير من الأساطير التي تحيط بها الأمم تلك الشخوص الرمزيّة التي تعزّها و تغليها[3]فتلتمس لها مولدا غير المولد المألوف و النشأة المعهودة، و تلحقها أو توشك أن تلحقها بالخوارق
[1]الكافي 1: 465، دلائل الإمامة 71، الدرّ النظيم 525، ذخائر العقبى 188، الوافي:
3: 757، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3: 310.
[2]الكافي 1: 465، المناقب لابن شهر آشوب 4: 50، الوافي 3: 757.
[3]نحن لا نوافق الأستاذ العقّاد في كون ما روي في هذا المجال من الأساطير، و إنّما قد تكون هذه الأمور من الكرامات التي يحبوها و يهبها اللّه سبحانه و تعالى لعباده المخلصين و ليبيّن للناس مكانة هؤلاء العباد و منزلتهم عنده فيتّبعونهم لسلوك طريقة الهدى و الفلاح على متقضى قاعدة اللطف، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.
و المعجزات.
و لقد كانت حقيقة الحسين الشخصيّة كفؤا لتلك الصورة الرمزيّة التي نسجتها حوله الأجيال المتعاقبة قبل أن يرى منه أبناء جيله غير تلك الحقيقة.
فكان ملء العين و القلب في خلق و خلق، و في أدب و سيرة، و كانت فيه مشابه من جدّه و أبيه، إلاّ أنّه كان في شدّته أقرب إلى أبيه.
قال رضى اللّه عنه مشيرا إلى الحسن: «إنّ ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، أشبه أهلي بي الحسين»[1].
و اتّفق بعض الثقات على أنّ: «الغالب على الحسن الحلم و الأناة كالنبي، و على الحسين الشدّة كعلي»[2].
صفات الحسين
و قد تعلّم في صباه خير ما يتعلّمه أبناء زمانه من فنون العلم و الأدب و الفروسيّة، و إليه يرفع كثير من المتصوّفة و حكماء الدين نصوصهم التي يعوّلون عليها و يردّونها إلى علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه[3].
و قد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان و حسن بيان و غنّة صوت و جمال إيماء.
[1]تاريخ مدينة دمشق 14: 177.
[2]الدرّ النظيم 489.
[3]لاحظ طبقات الأولياء لابن الملقّن 493.
و من كلامه المرتجل قوله في توديع أبي ذر[1]و قد أخرجه عثمان من المدينة بعد أن أخرجه معاوية من الشام: «يا عمّاه!إنّ اللّه قادر على أن يغيّر ما قد ترى، و اللّه كلّ يوم في شأن. و قد منعك القوم دنياهم و منعتهم دينك، و ما أغناك عمّا منعوك و أحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل اللّه الصبر و النصر، و استعذ به من الجشع و الجزع، فإنّ الصبر من الدين و الكرم، و إنّ الجشع لا يقدّم رزقا و الجزع لا يؤخّر أجلا»[2].
و كان يومئذ في نحو الثلاثين من عمره، فكأنّما أودع هذه الكلمات شعار حياته كاملة منذ أدرك الدنيا إلى أن فارقها في مصرع كربلاء.
و تواترت الروايات بقوله الشعر في أغراض الحكمة و بعض المناسبات البيتيّة، و من ذلك هذه الأبيات:
أغن عن المخلوق بالخالق # تغن عن الكاذب و الصادق
و استرزق الرحمان من فضله # فليس غير اللّه من رازق
من ظنّ أنّ الناس يغنونه # فليس بالرحمان بالواثق[3]
و منه هذا البيتان في زوجته و ابنته:
لعمرك إنّني لأحبّ دارا # تكون بها سكينة و الرباب
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (32) .
[2]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 373-374، الغدير 8: 351.
[3]تاريخ مدينة دمشق 14: 186، البداية و النهاية 8: 209.
و نسبت هذه الأبيات إلى الحسن7في نور الأبصار 246.
أحبّهما و أبذل كلّ مالي # و ليس لعاتب عندي عتاب[1]
و هما-سواء صحّت نسبتهما إليه أو لم تصح-معبّران عن خلقه في بيته و بين أهله، فقد كان من أشدّ الآباء حدبا على الأبناء و أشدّ الأزواج عطفا على النساء.
و من وفاء زوجاته بعد مماته: أنّ الرباب[2]هذه التي ذكرت في البيتين السابقين خطبها أشراف قريش بعد مقتله، فقالت: «ما كنت لأتّخذ حمّا بعد رسول اللّه» ، و بقيت سنة لا يظلّها سقف حتّى فنيت و ماتت، و هي لا تفتر عن بكائه و الحزن عليه[3].
خلق كريم
و قد سنّ الحسين لمن بعده سنّة في آداب الأسرة تليق بالبيت الذي نشأ فيه و وكل إليه أن يرعى له حقّه و يوجب على الناس مهابته و توقيره، فهو-على فضله و ذكائه و شجاعته و رجحانه على أخيه الحسن في مناقب كثيرة و مآثر عدّة[4]-كان يستمع إلى رأي الحسن و لا يسوءه بالمراجعة أو
[1]الأغاني 15: 87 و 89، زهر الآداب 1: 93، البداية و النهاية 8: 210، نسمة السحر 2: 133.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (33) .
[3]الكامل في التاريخ 3: 300، البداية و النهاية 8: 210، نسمة السحر 2: 133.
[4]عند الإماميّة أنّ جميع أئمّة أهل البيت:متساوون في الفضل؛ لأنّهم نور واحد، و لا اختلاف بينهم إلاّ في بعض الخصوصيات.
المخالفة.
فلمّا همّ الحسن بالتسليم لمعاوية كان ذلك على غير رضى من الحسين، فلم يوافقه و أشار عليه بالقتال، فغضبت الحسن و قال له: «و اللّه لقد هممت أن أسجنك في بيت و أطيّن عليك بابه، حتّى أقضي بشأني هذا و أفرغ منه، ثمّ أخرجك!» .
فلم يراجعه الحسين بعدها و آثر الطاعة و السكوت[1].
و من رعايته لسنن الأسرة و وصايا الأبوّة: أنّه ركبه دين، فساومه معاوية بمائتي ألف دينار أو بمبلغ جسيم من المال على عين «أبي
[1]راجع: أسد الغابة 2: 20، البداية و النهاية 8: 150، الحسن و الحسين لمحمّد رضا 31 و 71.
و لكن الظاهر أنّ هذه الرواية لا أساس لها من الصحّة، و ذلك لأنّ من يطالع التاريخ يجد أنّ الحسين قد وقف إلى جانب أخيه الحسن و شاهد جميع الأحداث التي مرّ بها أخوه، و كانا على اتّفاق تامّ في الرأي و في جميع التدابير التي اتّخذها الحسن بعد أن رأى موقف جيشه المتخاذل و أحاط بكلّ ما دبّره معاوية من المكائد، و لم يكن ليخفى على الحسين7أنّ المعركة لو قدّر للحسن أن يدخلها مع معاوية في حرب ستكون لصالح معاوية، و ستنتهي حتما إمّا بقتل الحسنين و جميع الهاشميين و خلّص شيعتهم أو بأسرهم، كما يبدو ذلك لمن تتبع الأحداث التي رافقت تلك الفترة القصيرة من خلافة الحسن7.
هذا، مضافا إلى أنّ الحسين كان أبعد نظرا و أعمق تفكيرا في الأمور و معطياتها حتّى من أفذاذ عصره الذين قدّروا للحسن موقفه الحكيم الذي لم يكن له مجال لاختيار سواه، و كان أرفع شأنا من أن تخفى عليه المصلحة التي أدركها غيره في ما فعله أخوه حتّى يقف منه ذلك الموقف المزعوم.
نيزر»[1]، فأبى أن يبيعها مع حاجته إلى بعض ما عرض عليه؛ لأنّ أباه تصدّق بمائها لفقراء المدينة[2]، و لو أنّه باعها لوقفها معاوية على أولئك الفقراء.
و قد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعاية أسرته و رعاية الناس عامّة، فهابه الناس و عرف معاوية عنه هذه المهابة، فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة، فقال: «إذا دخلت مسجد رسول اللّه، فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد اللّه مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه»[3].
و لم يذكر عنه قط أنّه كان يواجه الناس بتخطئة و هو يعلّمهم و يبصّرهم بشؤون دينهم، إلاّ أن تكون مكابرة أو لجاجة، فله في جواب ذلك أشباه تلك القوارص التي كانت تؤثر عن أبيه.
و ما لم تكن مكابرة أو لجاجة فهو يحتال على تصحيح الخطأ حيلة لا غضاضة فيها على المخطئين.
[1]أبو نيزر هذا هو مولى علي7، كان ابنا للنجاشي ملك الحبشة، و قد وجده7عند تاجر بمكّة، فاشتراه و أعتقه مكافأة بما صنع أبوه مع المسلمين حين هاجروا إليه، و قيل: إنّه رغب في الإسلام صغيرا، فأتى الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أسلم.
و هذه العين أوقفها علي7على فقراء أهل المدينة و ابن السبيل، و أوصى الحسنين أن يجعلا فيها ثلاثة من مواليه.
انظر: الكامل في اللغة و الأدب 2: 603-604، معجم البلدان 1: 37 و 3: 368.
[2]لاحظ المصدرين المتقدّمين.
[3]تاريخ مدينة دمشق 14: 179.