و المعجزات.
و لقد كانت حقيقة الحسين الشخصيّة كفؤا لتلك الصورة الرمزيّة التي نسجتها حوله الأجيال المتعاقبة قبل أن يرى منه أبناء جيله غير تلك الحقيقة.
فكان ملء العين و القلب في خلق و خلق، و في أدب و سيرة، و كانت فيه مشابه من جدّه و أبيه، إلاّ أنّه كان في شدّته أقرب إلى أبيه.
قال رضى اللّه عنه مشيرا إلى الحسن: «إنّ ابني هذا سيخرج من هذا الأمر، أشبه أهلي بي الحسين»[1].
و اتّفق بعض الثقات على أنّ: «الغالب على الحسن الحلم و الأناة كالنبي، و على الحسين الشدّة كعلي»[2].
صفات الحسين
و قد تعلّم في صباه خير ما يتعلّمه أبناء زمانه من فنون العلم و الأدب و الفروسيّة، و إليه يرفع كثير من المتصوّفة و حكماء الدين نصوصهم التي يعوّلون عليها و يردّونها إلى علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه[3].
و قد أوتي ملكة الخطابة من طلاقة لسان و حسن بيان و غنّة صوت و جمال إيماء.
[1]تاريخ مدينة دمشق 14: 177.
[2]الدرّ النظيم 489.
[3]لاحظ طبقات الأولياء لابن الملقّن 493.
و من كلامه المرتجل قوله في توديع أبي ذر[1]و قد أخرجه عثمان من المدينة بعد أن أخرجه معاوية من الشام: «يا عمّاه!إنّ اللّه قادر على أن يغيّر ما قد ترى، و اللّه كلّ يوم في شأن. و قد منعك القوم دنياهم و منعتهم دينك، و ما أغناك عمّا منعوك و أحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل اللّه الصبر و النصر، و استعذ به من الجشع و الجزع، فإنّ الصبر من الدين و الكرم، و إنّ الجشع لا يقدّم رزقا و الجزع لا يؤخّر أجلا»[2].
و كان يومئذ في نحو الثلاثين من عمره، فكأنّما أودع هذه الكلمات شعار حياته كاملة منذ أدرك الدنيا إلى أن فارقها في مصرع كربلاء.
و تواترت الروايات بقوله الشعر في أغراض الحكمة و بعض المناسبات البيتيّة، و من ذلك هذه الأبيات:
أغن عن المخلوق بالخالق # تغن عن الكاذب و الصادق
و استرزق الرحمان من فضله # فليس غير اللّه من رازق
من ظنّ أنّ الناس يغنونه # فليس بالرحمان بالواثق[3]
و منه هذا البيتان في زوجته و ابنته:
لعمرك إنّني لأحبّ دارا # تكون بها سكينة و الرباب
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (32) .
[2]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 373-374، الغدير 8: 351.
[3]تاريخ مدينة دمشق 14: 186، البداية و النهاية 8: 209.
و نسبت هذه الأبيات إلى الحسن7في نور الأبصار 246.
أحبّهما و أبذل كلّ مالي # و ليس لعاتب عندي عتاب[1]
و هما-سواء صحّت نسبتهما إليه أو لم تصح-معبّران عن خلقه في بيته و بين أهله، فقد كان من أشدّ الآباء حدبا على الأبناء و أشدّ الأزواج عطفا على النساء.
و من وفاء زوجاته بعد مماته: أنّ الرباب[2]هذه التي ذكرت في البيتين السابقين خطبها أشراف قريش بعد مقتله، فقالت: «ما كنت لأتّخذ حمّا بعد رسول اللّه» ، و بقيت سنة لا يظلّها سقف حتّى فنيت و ماتت، و هي لا تفتر عن بكائه و الحزن عليه[3].
خلق كريم
و قد سنّ الحسين لمن بعده سنّة في آداب الأسرة تليق بالبيت الذي نشأ فيه و وكل إليه أن يرعى له حقّه و يوجب على الناس مهابته و توقيره، فهو-على فضله و ذكائه و شجاعته و رجحانه على أخيه الحسن في مناقب كثيرة و مآثر عدّة[4]-كان يستمع إلى رأي الحسن و لا يسوءه بالمراجعة أو
[1]الأغاني 15: 87 و 89، زهر الآداب 1: 93، البداية و النهاية 8: 210، نسمة السحر 2: 133.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (33) .
[3]الكامل في التاريخ 3: 300، البداية و النهاية 8: 210، نسمة السحر 2: 133.
[4]عند الإماميّة أنّ جميع أئمّة أهل البيت:متساوون في الفضل؛ لأنّهم نور واحد، و لا اختلاف بينهم إلاّ في بعض الخصوصيات.
المخالفة.
فلمّا همّ الحسن بالتسليم لمعاوية كان ذلك على غير رضى من الحسين، فلم يوافقه و أشار عليه بالقتال، فغضبت الحسن و قال له: «و اللّه لقد هممت أن أسجنك في بيت و أطيّن عليك بابه، حتّى أقضي بشأني هذا و أفرغ منه، ثمّ أخرجك!» .
فلم يراجعه الحسين بعدها و آثر الطاعة و السكوت[1].
و من رعايته لسنن الأسرة و وصايا الأبوّة: أنّه ركبه دين، فساومه معاوية بمائتي ألف دينار أو بمبلغ جسيم من المال على عين «أبي
[1]راجع: أسد الغابة 2: 20، البداية و النهاية 8: 150، الحسن و الحسين لمحمّد رضا 31 و 71.
و لكن الظاهر أنّ هذه الرواية لا أساس لها من الصحّة، و ذلك لأنّ من يطالع التاريخ يجد أنّ الحسين قد وقف إلى جانب أخيه الحسن و شاهد جميع الأحداث التي مرّ بها أخوه، و كانا على اتّفاق تامّ في الرأي و في جميع التدابير التي اتّخذها الحسن بعد أن رأى موقف جيشه المتخاذل و أحاط بكلّ ما دبّره معاوية من المكائد، و لم يكن ليخفى على الحسين7أنّ المعركة لو قدّر للحسن أن يدخلها مع معاوية في حرب ستكون لصالح معاوية، و ستنتهي حتما إمّا بقتل الحسنين و جميع الهاشميين و خلّص شيعتهم أو بأسرهم، كما يبدو ذلك لمن تتبع الأحداث التي رافقت تلك الفترة القصيرة من خلافة الحسن7.
هذا، مضافا إلى أنّ الحسين كان أبعد نظرا و أعمق تفكيرا في الأمور و معطياتها حتّى من أفذاذ عصره الذين قدّروا للحسن موقفه الحكيم الذي لم يكن له مجال لاختيار سواه، و كان أرفع شأنا من أن تخفى عليه المصلحة التي أدركها غيره في ما فعله أخوه حتّى يقف منه ذلك الموقف المزعوم.
نيزر»[1]، فأبى أن يبيعها مع حاجته إلى بعض ما عرض عليه؛ لأنّ أباه تصدّق بمائها لفقراء المدينة[2]، و لو أنّه باعها لوقفها معاوية على أولئك الفقراء.
و قد أخذ نفسه بسمت الوقار في رعاية أسرته و رعاية الناس عامّة، فهابه الناس و عرف معاوية عنه هذه المهابة، فوصفه لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة، فقال: «إذا دخلت مسجد رسول اللّه، فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد اللّه مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه»[3].
و لم يذكر عنه قط أنّه كان يواجه الناس بتخطئة و هو يعلّمهم و يبصّرهم بشؤون دينهم، إلاّ أن تكون مكابرة أو لجاجة، فله في جواب ذلك أشباه تلك القوارص التي كانت تؤثر عن أبيه.
و ما لم تكن مكابرة أو لجاجة فهو يحتال على تصحيح الخطأ حيلة لا غضاضة فيها على المخطئين.
[1]أبو نيزر هذا هو مولى علي7، كان ابنا للنجاشي ملك الحبشة، و قد وجده7عند تاجر بمكّة، فاشتراه و أعتقه مكافأة بما صنع أبوه مع المسلمين حين هاجروا إليه، و قيل: إنّه رغب في الإسلام صغيرا، فأتى الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أسلم.
و هذه العين أوقفها علي7على فقراء أهل المدينة و ابن السبيل، و أوصى الحسنين أن يجعلا فيها ثلاثة من مواليه.
انظر: الكامل في اللغة و الأدب 2: 603-604، معجم البلدان 1: 37 و 3: 368.
[2]لاحظ المصدرين المتقدّمين.
[3]تاريخ مدينة دمشق 14: 179.
فمن آدابه و آداب أخيه في ذلك: أنّهما رأيا أعرابيا يخفّف الوضوء و الصلاة، فلم يشاءا أن يجبهاه بغلطه، و قالا له: «نحن شابان و أنت شيخ ربّما تكون أعلم بأمر الوضوء و الصلاة منّا، فنتوضّأ و نصلّي عندك، فإن كان عندنا قصور تعلمنا»[1]، فتنبّه الشيخ إلى غلطه دون أن يأنف من تنبيههما إليه.
و مرّ يوما بمساكين يأكلون، فدعوه إلى الطعام على عادة العرب، فنزل و أكل معهم، ثمّ قال لهم: «قد أجبتكم فأجيبوني» ، و دعاهم إلى الغداء في بيته[2].
و رويت الغرائب في اختبار حذقه بالفقه و اللغة، كما رويت أمثال هذه الغرائب في امتحان قدرة أبيه8.
فقيل: إنّ أعرابيا دخل المسجد الحرام، فوقف على الحسن رضى اللّه عنه و حوله حلقة من مريديه، فسأل عنه، فقال لمّا عرّفوه به: «إيّاه أردت، جئت لأطارحه الكلام، و أسأله عن عويص العربيّة» . فقال له بعض جلسائه:
«إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب» . و أومأ إلى الحسين7، فلمّا سلّم على الحسين و سأله عن حاجته، قال: «إنّي جئتك من الهرقل و الجعلل و الأيتم و الهمهم» ، فتبسّم الحسين، و قال: «يا أعرابي!لقد تكلّمت بكلام ما يعقله إلاّ العالمون» .
[1]المناقب لابن شهر آشوب 3: 400، العوالم للبحراني 16: 100.
[2]المناقب لابن شهر آشوب 4: 66.
فأجابه الأعرابي قائلا يريد الإغراب: «و أقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟» .
ثمّ أذن له الحسين، فأنشد أبياتا تسعة، منها:
هفا قلبي إلى اللهو # و قد ودّع شرخيه
فأجابه الحسين مرتجلا بتسعة أبيات في معناها و من وزنها، يقول منها:
فما رسم شجاني قد # محت آيات رسميه
سفور درجت ذيلين # في بوغاء قاعيه
هنوف مرجف تترى # على تلبيد ثوبيه
إلى آخر الأبيات.. ثمّ فسّر له ما أراد من الهرقل و هو: ملك الروم[1]، و الجعلل و هو: قصار النخل[2]، و الأيتم و هو: بعض النبات[3]، و الهمهم و هو: القليب الغزير الماء[4]، و في هذه الكلمات أوصاف البلاد التي جاء منها و إشارة إليها.
فقال الأعرابي: «ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاما، و أذرب لسانا، و لا أفصح منه منطقا»[5].
[1]انظر صحاح اللغة 5: 1849.
[2]لاحظ المصدر السابق 4: 1656.
[3]لسان العرب 1: 63.
[4]قارن صحاح اللغة 5: 2062.
و القليب: البئر. (لسان العرب 11: 272) .
[5]راجع: مطالب السؤول 2: 38-39 و 65، الصراط المستقيم 2: 172.
و تلك رواية من روايات على منوالها إن لم تنبئ بما وقع فهي منبئة بما تداوله الناس من شهرة الحسين في صباه الباكر بالعلم و الفصاحة.
و لخبرته بالكلام و شهرته بالفصاحة كان الشعراء يرتادونه، و بهم من الطمع في إصغائه أكبر من طمعهم في عطائه، و لكنّه على هذا كان يجري معهم على شرعة ذوي الأقدار و الأخطار من أنداده، فيبذل لهم الجوائز ما وسعه البذل و يؤثرهم على نفسه في خصاصة الحال.
و قد لامه أخوه الحسن في ذلك، فكتب إليه: «إنّ خير المال ما وقى به العرض»[1].
إلاّ إنّه في الواقع لم يكن يعطي لوقاية العرض و كفى، و لكنّه كان يعطي من قصده من ذوي الحاجات، و لا يخيّب رجاء لمن استعان به على مروءة.
وفاء و شجاعة
و قد اشتهر مع الجود بصفتين من أكرم الصفات الإنسانيّة و أليقهما ببيته و شرفه، و هما: الوفاء و الشجاعة.
فمن وفائه: أنّه أبى الخروج على معاوية بعد وفاة أخيه الحسن؛ لأنّه عاهد معاوية على المسالمة، و قال لأنصاره الذين حرّضوه على خلع معاوية: إنّ بينه و بين الرجل عهدا و عقدا لا يجوز له نقضه حتّى تمضي
[1]كشف الغمّة 2: 243، تاريخ مدينة دمشق 14: 181 و 182، البداية و النهاية 8:
208، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ 177.