فأجابه الأعرابي قائلا يريد الإغراب: «و أقول أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟» .
ثمّ أذن له الحسين، فأنشد أبياتا تسعة، منها:
هفا قلبي إلى اللهو # و قد ودّع شرخيه
فأجابه الحسين مرتجلا بتسعة أبيات في معناها و من وزنها، يقول منها:
فما رسم شجاني قد # محت آيات رسميه
سفور درجت ذيلين # في بوغاء قاعيه
هنوف مرجف تترى # على تلبيد ثوبيه
إلى آخر الأبيات.. ثمّ فسّر له ما أراد من الهرقل و هو: ملك الروم[1]، و الجعلل و هو: قصار النخل[2]، و الأيتم و هو: بعض النبات[3]، و الهمهم و هو: القليب الغزير الماء[4]، و في هذه الكلمات أوصاف البلاد التي جاء منها و إشارة إليها.
فقال الأعرابي: «ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاما، و أذرب لسانا، و لا أفصح منه منطقا»[5].
[1]انظر صحاح اللغة 5: 1849.
[2]لاحظ المصدر السابق 4: 1656.
[3]لسان العرب 1: 63.
[4]قارن صحاح اللغة 5: 2062.
و القليب: البئر. (لسان العرب 11: 272) .
[5]راجع: مطالب السؤول 2: 38-39 و 65، الصراط المستقيم 2: 172.
و تلك رواية من روايات على منوالها إن لم تنبئ بما وقع فهي منبئة بما تداوله الناس من شهرة الحسين في صباه الباكر بالعلم و الفصاحة.
و لخبرته بالكلام و شهرته بالفصاحة كان الشعراء يرتادونه، و بهم من الطمع في إصغائه أكبر من طمعهم في عطائه، و لكنّه على هذا كان يجري معهم على شرعة ذوي الأقدار و الأخطار من أنداده، فيبذل لهم الجوائز ما وسعه البذل و يؤثرهم على نفسه في خصاصة الحال.
و قد لامه أخوه الحسن في ذلك، فكتب إليه: «إنّ خير المال ما وقى به العرض»[1].
إلاّ إنّه في الواقع لم يكن يعطي لوقاية العرض و كفى، و لكنّه كان يعطي من قصده من ذوي الحاجات، و لا يخيّب رجاء لمن استعان به على مروءة.
وفاء و شجاعة
و قد اشتهر مع الجود بصفتين من أكرم الصفات الإنسانيّة و أليقهما ببيته و شرفه، و هما: الوفاء و الشجاعة.
فمن وفائه: أنّه أبى الخروج على معاوية بعد وفاة أخيه الحسن؛ لأنّه عاهد معاوية على المسالمة، و قال لأنصاره الذين حرّضوه على خلع معاوية: إنّ بينه و بين الرجل عهدا و عقدا لا يجوز له نقضه حتّى تمضي
[1]كشف الغمّة 2: 243، تاريخ مدينة دمشق 14: 181 و 182، البداية و النهاية 8:
208، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ 177.
المدّة[1].
و كان معاوية يعلم وفاءه وجوده معا، فقال لصحبه يوما-و قد أرسل الهدايا إلى وجوه المدينة من كسى و طيب و صلات-: «إنّ شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم.. أمّا الحسن فلعلّه ينيل نساءه شيئا من الطيب و ينهب ما بقي من حضره و لا ينتظر غائبا، و أمّا الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفّين، فإن بقي شيء نحر به الجزر و سقى به اللبن»[2].
و شجاعة الحسين صفة لا تستغرب منه؛ لأنّها الشيء من معدنه كما قيل. و هي فضيلة ورثها عن الآباء، و أورثها الأبناء بعده.
و قد شهد الحروب في أفريقيّة الشماليّة و طبرستان[3]و القسطنطينية[4]، و حضر مع أبيه و قائعه جميعا من الجمل إلى صفّين[5].
[1]الإمامة و السياسة 1: 187، تاريخ مدينة دمشق 14: 205.
[2]عيون الأخبار 3: 47-48.
[3]راجع ما ذكره الحموي عنها في معجم البلدان 3: 244-247.
[4]قد يقال: إنّ النصوص التأريخيّة لا تؤكّد اشتراك الحسين7في غزوة القسطنطينية سنة 51 هـ، و ذلك لأنّ الحسين لم يكثر الاتّصال بمعاوية، و لم يثبت تردّده على الشام خلال حكم معاوية، و لو صحّ اشتراك الحسين كجندي في جيش يقوده يزيد لأذاعته أجهزة الأمويين بكلّ وسائلها، و لما خفي على كثير من المؤرّخين، في حين أنّ أكثرهم لم يذكره مع المشتركين في هذه الغزوة، بل لم يذكره-حسب الظاهر-في عداد المشتركين فيها سوى ابن كثير و ابن عساكر، و مجرّد ذلك لا يكفي لإثبات أمر من هذا النوع. راجع البداية و النهاية 8: 58 و 229.
[5]قارن: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 184، البداية و النهاية 8: 150.
غ
و ليس في بني الإنسان من هو أشجع قلبا ممّن أقدم على ما أقدم عليه الحسين في يوم كربلاء.
و قد تربّى للشجاعة كما تلقّاها في الدم بالوراثة، فتعلّم فنون الفروسيّة كركوب الخيل و المصارعة و العدو من صباه، و لم تفته ألعاب الرياضة التي تتمّ بها مرانة الجسم على الحركة و النشاط. و منها لعبة تشبه «الجولف»[1]عند الأوروبيين كانوا يسموّنها المداحي: جمع مدحاة، و هي: أحجار مثل القرصة يحفرون في الأرض حفرة و يرسلون تلك الأحجار، فمن وقع حجره في الحفيرة فهو الغالب[2].
أمّا عاداته في معيشته فكان ملاكها لطف الحسّ و جمال الذوق و القصد في تناول كلّ مباح.
كان يحبّ الطيب و البخور، و يأنق للزهر و الريحان.
[1]الغولف: رياضة فيها شكلان أساسيان للمنافسة هما لعب مباراة و لعب ضربات، و في الأوّل يكسب الطرف الذي يسجّل أكبر عدد من الحفر، و في الثاني يكسب الطرف الذي يسجّل أقل عدد من الضربات، و فيها حفر (عادة 18 حفرة) و عصي و كرة، و طول الحفر يتغيّر إذ يمكن أن يكون أقلّ من 200 متر أو أكثر من 500 متر، تتخلّلها عوائق و أعشاب قاسية. أمّا العصي فأنواعها ثلاثة: العصا الخشبيّة المستخدمة للضربات الطويلة، و العصا الحديديّة المستخدمة للضربات الأقصر، و العصا الواضعة المستخدمة لوضع الكرة في الحفرة. و قد مورست هذه اللعبة لأوّل مرّة في إسكتلندا. (موسوعة عالم المعرفة 10: 891) .
[2]انظر المناقب لابن شهر آشوب 4: 72.
و روى أنس بن مالك[1]: أنّه كان عنده، فدخلت عليه جارية بيدها طاقة من ريحان، فحيّته بها. فقال لها: «أنت حرّة لوجه اللّه تعالى» ، فسأله أنس متعجّبا: جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟!» . قال: «كذا أدّبنا اللّه، قال تبارك و تعالى:وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا[2]، و كان أحسن منها عتقها»[3].
و كان يميل للفكاهة و يأنس في أوقات راحته لأحاديث أشعب[4]و أضاحيكه[5].
و لكنّه على شيوع الترف في عصره لم يكن يقارب منه إلاّ ما كان يجمل بمثله، حتّى تحدّث المتحدّثون أنّه لا يعرف رائحة الشراب.
و كانت له صلوات يؤدّيها غير الصلوات الخمس، و أيام من الشهر يصومها غير أيام رمضان، و لا يفوته الحجّ عاما إلاّ لضرورة[6].
و قد عاش سبعا و خمسين سنة بالحساب الهجري[7]، و له من الأعداء
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (34) .
[2]سورة النساء 4: 86.
[3]كشف الغمّة 2: 243، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ 177.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (35) .
[5]لاحظ الأغاني 19: 94.
[6]العقد الفريد 5: 133، صفوة الصفوة 1: 763، مطالب السؤول 2: 63-64.
[7]لا حظ إعلام الورى 1: 420.
و في مرآة الجنان (1: 106) : أنّه عاش (65) سنة، و في البداية و النهاية (8: 198) : أنّه-
من يصدّقون و يكذّبون، فلم يعبه أحد منهم بمعابة، و لم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله.
حتّى حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له، و اقترحوا عليه أن يكتب إليه بما يصغّره في نفسه، فقال: إنّه كان يجد ما يقوله في علي، و لكن لا يجد ما يقوله في حسين[1].
تلك جملة القول في سيرة أحد الخصمين.
خلق يزيد
و يقف خصمه أمامه موقف المقابلة و المناقضة لا موقف المقارنة و المعادلة في معظم خلائقه و عاداته و ملكاته و أعماله.
فيزيد بن معاوية عريق النسب في بني عبد مناف ثمّ في قريش، و لكنّ الأصدقاء و الخصوم و المادحين و القادحين متّفقون على وصف الخلائق التي اشتهر بها أبناء هذا الفرع من عبد مناف، و أشهرها الأثرة، و أحمد ما يحمد منها أنّها تنفع الناس من طريق النفع لأصحابها. و ندر من وجوه الأمويين في الجاهليّة أو الإسلام من اشتهر بخصلة تجلب إلى صاحبها ضررا أو مشقّة في سبيل نفع الناس.
و بيت أبي سفيان بيت سيادة مرعيّة لا مراء فيها..
ق-عاش (68) سنة، و في شذرات الذهب (1: 66) : أنّه عاش (56) سنة.
و أقوى الأقوال ما هو المثبت في المتن.
[1]أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 154-155.
و لكنّ الحقيقة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام: أنّ معاوية بن أبي سفيان لم يكن ليرث شيئا من هذه السيادة التي كان قوامها كلّه وفرة المال؛ لأنّ أبا سفيان-على ما يظهر-قد أضاع ماله في حروب الإسلام، و لم يكن له من الوفر ما يبقى على كثرة الوارث[1].
و روي: أنّ امرأة استشارت النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في التزوّج بمعاوية، فقال لها:
«إنّه صعلوك!»[2].
كذلك ينبغي أن نذكر حقيقة أخرى في هذا المقام، و هي: أنّ معاوية لم يكن من كتّاب الوحي كما أشاع خدّام دولته بعد صدر الإسلام، و لكنّه كان يكتب للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في عامّة الحوائج و في إثبات ما يجبى من الصدقات و ما يقسم في أربابها، و لم يسمع عن ثقة قط أنّه كتب للنبي شيئا من آيات القرآن الكريم.
و عرفت لمعاوية خصال محمودة من خصال الجدّ و السيادة كالوقار و الحلم و الصبر و الدهاء، و لكنّه-على هذا-كان لا يملك حلمه في فلتات تميد بالملك الراسخ، و منها قتله حجر بن عدي[3]و ستّة من أصحابه؛ لأنّهم
[1]عهدة هذه الدعوى على مدّعيها.
[2]المرأة هي فاطمة بنت قيس.
راجع: صحيح مسلم 2: 1119، سنن أبي داود 2: 286، سنن النسائي 6: 208، السنن الكبرى للبيهقي 7: 471، منحة المعبود 1: 324.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (36) .
كانوا ينكرون سبّ علي و شيعته[1]، فما زال بقيّة حياته يندم على هذه الفعلة، و يقول: «ما قتلت أحدا إلاّ و أنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجرا، فإنّي لا أعرف بأيّ ذنب قتلته»[2].
و أمّ يزيد هي ميسون بنت مجدل الكلبيّة من كرائم بني كلب المعرقات في النسب، و هي التي كرهت العيش مع معاوية في دمشق، و قالت تتشوّق إلى عيش البادية:
للبس عباءة و تقرّ عيني # أحبّ إليّ من لبس الشفوف[3]
و بيت تخفق الأرواح فيه # أحب إليّ من قصر منيف
و من هذه الأبيات قولها:
و خرق[4]من بني عمّي فقير # أحبّ إليّ من علج[5]عنيف[6]!
فأرسلها و ابنها يزيد إلى باديتها، فنشأ يزيد مع أمّه بعيدا عن أبيه.
[1]هؤلاء الرجال الستّة-على ما في الكامل في التاريخ 3: 242-هم: شريك بن شدّاد الحضرمي، و صيفي بن فسيل الشيباني، و قبيصة بن ضبيعة العبسي، و محرز بن شهاب السعدي التميمي، و كدام بن حيّان العنزي، و عبد الرحمان بن حسّان العنزي.
[2]تاريخ مدينة دمشق 12: 231.
[3]الشفّ: ستر رقيق، قال أبو نصر: ستر أحمر رقيق من صوف يستشفّ ما وراءه.
(صحاح اللغة 4: 1382) .
[4]الخرق: الرجل المتخرّق بالمعروف الكثير الخير. (جمهرة اللغة 1: 590) .
[5]رجل علج: شديد. (صحاح اللغة 1: 330) .
[6]راجع: تاريخ أبي الفداء 1: 268، البداية و النهاية 8: 235، سمط النجوم العوالي 3:
212.