بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 146

من يصدّقون و يكذّبون، فلم يعبه أحد منهم بمعابة، و لم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله.

حتّى حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له، و اقترحوا عليه أن يكتب إليه بما يصغّره في نفسه، فقال: إنّه كان يجد ما يقوله في علي، و لكن لا يجد ما يقوله في حسين‌[1].

تلك جملة القول في سيرة أحد الخصمين.

خلق يزيد

و يقف خصمه أمامه موقف المقابلة و المناقضة لا موقف المقارنة و المعادلة في معظم خلائقه و عاداته و ملكاته و أعماله.

فيزيد بن معاوية عريق النسب في بني عبد مناف ثمّ في قريش، و لكنّ الأصدقاء و الخصوم و المادحين و القادحين متّفقون على وصف الخلائق التي اشتهر بها أبناء هذا الفرع من عبد مناف، و أشهرها الأثرة، و أحمد ما يحمد منها أنّها تنفع الناس من طريق النفع لأصحابها. و ندر من وجوه الأمويين في الجاهليّة أو الإسلام من اشتهر بخصلة تجلب إلى صاحبها ضررا أو مشقّة في سبيل نفع الناس.

و بيت أبي سفيان بيت سيادة مرعيّة لا مراء فيها..

ق-عاش (68) سنة، و في شذرات الذهب (1: 66) : أنّه عاش (56) سنة.

و أقوى الأقوال ما هو المثبت في المتن.

[1]أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 154-155.


صفحه 147

و لكنّ الحقيقة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام: أنّ معاوية بن أبي سفيان لم يكن ليرث شيئا من هذه السيادة التي كان قوامها كلّه وفرة المال؛ لأنّ أبا سفيان-على ما يظهر-قد أضاع ماله في حروب الإسلام، و لم يكن له من الوفر ما يبقى على كثرة الوارث‌[1].

و روي: أنّ امرأة استشارت النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في التزوّج بمعاوية، فقال لها:

«إنّه صعلوك!»[2].

كذلك ينبغي أن نذكر حقيقة أخرى في هذا المقام، و هي: أنّ معاوية لم يكن من كتّاب الوحي كما أشاع خدّام دولته بعد صدر الإسلام، و لكنّه كان يكتب للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في عامّة الحوائج و في إثبات ما يجبى من الصدقات و ما يقسم في أربابها، و لم يسمع عن ثقة قط أنّه كتب للنبي شيئا من آيات القرآن الكريم.

و عرفت لمعاوية خصال محمودة من خصال الجدّ و السيادة كالوقار و الحلم و الصبر و الدهاء، و لكنّه-على هذا-كان لا يملك حلمه في فلتات تميد بالملك الراسخ، و منها قتله حجر بن عدي‌[3]و ستّة من أصحابه؛ لأنّهم

[1]عهدة هذه الدعوى على مدّعيها.

[2]المرأة هي فاطمة بنت قيس.

راجع: صحيح مسلم 2: 1119، سنن أبي داود 2: 286، سنن النسائي 6: 208، السنن الكبرى للبيهقي 7: 471، منحة المعبود 1: 324.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (36) .


صفحه 148

كانوا ينكرون سبّ علي و شيعته‌[1]، فما زال بقيّة حياته يندم على هذه الفعلة، و يقول: «ما قتلت أحدا إلاّ و أنا أعرف فيم قتلته ما خلا حجرا، فإنّي لا أعرف بأيّ ذنب قتلته»[2].

و أمّ يزيد هي ميسون بنت مجدل الكلبيّة من كرائم بني كلب المعرقات في النسب، و هي التي كرهت العيش مع معاوية في دمشق، و قالت تتشوّق إلى عيش البادية:

للبس عباءة و تقرّ عيني # أحبّ إليّ من لبس الشفوف‌[3]

و بيت تخفق الأرواح فيه # أحب إليّ من قصر منيف‌

و من هذه الأبيات قولها:

و خرق‌[4]من بني عمّي فقير # أحبّ إليّ من علج‌[5]عنيف‌[6]!

فأرسلها و ابنها يزيد إلى باديتها، فنشأ يزيد مع أمّه بعيدا عن أبيه.

[1]هؤلاء الرجال الستّة-على ما في الكامل في التاريخ 3: 242-هم: شريك بن شدّاد الحضرمي، و صيفي بن فسيل الشيباني، و قبيصة بن ضبيعة العبسي، و محرز بن شهاب السعدي التميمي، و كدام بن حيّان العنزي، و عبد الرحمان بن حسّان العنزي.

[2]تاريخ مدينة دمشق 12: 231.

[3]الشفّ: ستر رقيق، قال أبو نصر: ستر أحمر رقيق من صوف يستشفّ ما وراءه.

(صحاح اللغة 4: 1382) .

[4]الخرق: الرجل المتخرّق بالمعروف الكثير الخير. (جمهرة اللغة 1: 590) .

[5]رجل علج: شديد. (صحاح اللغة 1: 330) .

[6]راجع: تاريخ أبي الفداء 1: 268، البداية و النهاية 8: 235، سمط النجوم العوالي 3:

212.


صفحه 149

و قد أفاد من هذه النشأة البدويّة بعض أشياء تنفع الأقوياء، و لكنّها على ما هو مألوف في أعقاب السلالات القويّة تضيرهم و تجهز على ما بقي من العزيمة فيهم..

فكان ما استفاده من بادية بني كلب بلاغة الفصحى و حبّ الصيد و ركوب الخيل و رياضة الحيوانات و لا سيّما الكلاب.

و هذه صفات في الرجل القوي تزيّنه و تشحذ قواه، و لكنّها في أعقاب السلالات أو عكارة البيت-كما يقال بين العامّة-مدعاة إلى الإغراق في اللهو و الولع بالفراغ؛ لأنّها هي عنده كلّ شي‌ء، و ليست مددا لغيرها من كبار الهمم و عظائم الهموم.

و هكذا انقلبت تلك الصفات في يزيد من المزية إلى النقيصة.. فكان كلفه بالشعر الفصيح مغريا له بمعاشرة الشعراء و الندماء في مجالس الشراب، و كان ولعه بالصيد شاغلا يحجبه عن شواغل الملك و السياسة، و كانت رياضته للحيوانات مهزلة تلحقه بأصحاب البطالة من القرّادين و الفهّادين.

فكان له قرد يدعوه «أبا قيس» يلبسه الحرير، و يطرّز لباسه بالذهب و الفضّة، و يحضره مجالس الشراب، و يركبه أتانا في السباق، و يحرص على أن يراه سابقا مجليا على الجياد، و في ذلك يقول يزيد-كما جاء في بعض الروايات-:

تمسّك أبا قيس بفضل عنانها # فليس عليها إن سقطت ضمان

ألا من رأى القرد الذي سبقت به # جياد أمير المؤمنين أتان‌[1]

[1]انظر: مروج الذهب 3: 77، حياة الحيوان للدميري 2: 201.


صفحه 150

و قد يكون عبد اللّه بن حنظلة[1]مبالغا في المذمّة حين قال-فيما نسب إليه-: «و اللّه ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء.

إنّ رجلا ينكح الأمّهات و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يدع الصلاة، و اللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت اللّه فيه بلاء حسنا»[2].

و لكن الروايات لم تجمع على شي‌ء كإجماعها على إدمانه الخمر، و شغفه باللذات و توانيه عن العظائم‌[3].

و قد مات بذات الجنب و هو لمّا يتجاوز السابعة و الثلاثين، و لعلّها إصابة الكبد من إدمان الشراب و الإفراط في اللذات‌[4].

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (37) .

[2]الردّ على المتعصّب العنيد 54، تذكرة الخواص 289، تاريخ الخلفاء للسيوطي 209.

[3]قارن: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 81، الردّ على المتعصّب العنيد 53، تذكرة الخواص 288 و 289، البداية و النهاية 8: 230 و 232 و 233.

[4]يعدّ تليّف الكبد أهمّ ثالث سبب لوفيات المتعاطين للخمور. ففي المراحل الأولى لشرب الخمر تتشرّب الكبد بالدهون نتيجة لتراكم كمّيات إضافيّة، فتتضخّم و يشكو المصاب من إعياء و آلام بسيطة في المنطقة العلوية اليمنى من البطن، و قد تلتهب الكبد بشكل حادّ فتتضخّم هي و الطحال كذلك، و يصاب المرء بترفّع حروري و آلام في البطن و إعياء و فقدان الشهية للطعام، كما يصاب باليرقان بسبب توقّف الكبد عن طرح الصفراء، و تؤدّي هذه الحالة إلى وفاة حوالي 13%من المصابين، و إلى تشمّع الكبد في 30%من الحالات تقريبا. و في مرحلة أكثر تقدّما يحدث التشمّع بعد مرور حوالي عشرة سنوات على بدء شرب الخمر، فيزداد التليّف و كذلك، فتزداد الصفراء في الدم-


صفحه 151

و لا يعقل أن يكون هذا كلّه اختلافا و اختراعا من الأعداء؛ لأنّ الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، و هما بغيضان أشدّ البغض إلى أعداء الأمويين، و لأنّ الذين حاولوا ستره من خدّام دولته لم يحاولوا الثناء على مناقب فيه تحلّ عندهم محلّ مساوئه و عيوبه، كأنّ الاجتراء على مثل هذا الثناء من وراء الحسبان.

و لم يكن هذا التخلّف في يزيد من هزال في البنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري أحيانا بقايا السلالات التي تهمّ بالانقراض و الدثور، و لكنّه كان هزالا في الأخلاق و سقما في الطوية، قعد به عن العظائم مع وثوق بنيانه و ضخامة جثمانه و اتّصافه ببعض الصفات الجسديّة التي تزيد في وجاهة الأمراء، كالوسامة و ارتفاع القامة.

و قد أصيب في صباه بمرض خطير-و هو الجدري-بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره‌[1]، و لكنّه مرض كان يشيع في البادية، و لم يكن من دأبه أن يقعد بكل من أصيب به عن الطموح و الكفاح.

ق-فتزداد نسبة السموم فيه بشكل كبير بسبب عجز الكبد عن طرحها، فتؤثّر على المخ، و تحدث اضطرابات كبيرة في مقدرة الإنسان العقليّة، و يرتفع ضغط الدم، و بالتالي يصاب المدمن بفقر دم واضح، و قد تحدث نزوف دموية في المعدة، و هذا بدوره يؤدّي إلى قي‌ء دموي تالي، و ربّما يتوفّى المدمن تحت تأثير هذه المضاعفات كلّها.

(المخدّرات 147) .

[1]البداية و النهاية 8: 227.


صفحه 152

و على فرط ولعه بالطراد حين يكون الطراد لهوا و فراغا، كانت همّته الوانية تفتر به عن الطراد حين تتسابق إليه عزائم الفرسان في ميادين القتال، و لو كان دفاعا عن دينه و دنياه.

فلمّا سيّر أبوه جيش سفيان بن عوف إلى القسطنطينية لغزو الروم و دفاعهم عن بلاد الإسلام-أو بلاد الدولة الأمويّة-تثاقل و تمارض حتّى رحل الجيش، و شاع بعد ذلك أنّه امتحن في طريقه ببلاء المرض و الجوع، فقال يزيد:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم # بالفرقدونة[1]من حمّى و من موم‌[2]

إذا اتكأت على الأنماط[3]مرتفقا[4]# بدير مرّان‌[5]عندي أمّ كلثوم‌

فأقسم أبوه حين بلغه هذان البيتان ليلحقنّ بالجيش ليدرأ عنه عار

[1]لم يرد في المعاجم الجغرافية على الظاهر لفظ: (الفرقدونة) ، و إنّما ورد بلفظ:

(الغدقنونة) ، أو بلفظ: (الخذقذونة) . و الغذقذونة: اسم جامع للثغر الذي منه المصيصة و طرسوس و غيرهما. (معجم البلدان 3: 378) .

[2]الموم: الحمّى مع البرسام، و قيل: البرسام، و قيل: الجدري. (لسان العرب 13:

224) .

[3]النمط: ضرب من البسط. (صحاح اللغة 3: 1165) .

[4]مرتفقا، أي: متّكئا على مرفق اليد. (المصدر السابق 4: 1482) .

[5]دير مرّان: دير بالقرب من دمشق على تلّ مشرف على مزارع الزعفران، و بناؤه بالجصّ و أكثر فرشه بالبلاط الملوّن، و هو دير كبير فيه رهبان كثّر، و في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني، و الأشجار محيطة به، و لأبي بكر الصنوبري شعر فيه. (معجم البلدان 2: 361) .


صفحه 153

النكول و الشماتة بجيش المسلمين بعد شيوع مقاله في خلواته‌[1].

و من أعجب عجائب المناقضة التي تمّت في كلّ شي‌ء بين الحسين و يزيد أنّ يزيد لم يختص بمزية محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين، حتّى في تلك الخصال التي تأتي بها المصادفة و لا فضل فيها لأصحابها و منها مزية السنّ و سابقة الميلاد.

فلمّا تنازعا البيعة كان الحسين في السابعة و الخمسين مكتمل القوّة ناضج العقل وافي المعرفة بالعلم و التجربة، و كان يزيد في نحو الرابعة و الثلاثين لم يمارس من شؤون الرعاة و لا الرعيّة ما ينفعه بين هؤلاء أو هؤلاء.

و مزية السنّ هذه قد يطول فيها الأخذ و الردّ بين أبناء العصور الحديثة، و لكنّها كانت تقطع القول في أمّة العرب حيث نشأ الأسلاف و الأخلاف على طاعة الشيوخ و رعاية الأعمار.. و هذا على أنّ السابعة و الخمسين ليست بالسنّ التي تعلو بصاحبها في الكبر حتّى تسلبه مزية الفتوّة و مضاء العزيمة.

كذلك لا يقال: إنّ الوراثة المشروعة في الممالك كان لها شأن يرجح بيزيد على الحسين في ميزان العروبة و الإسلام‌[2].

فقد كان توريث معاوية ابنه على غير وصية معروفة من السلف

[1]لاحظ: تاريخ اليعقوبي 2: 229، الأغاني 17: 141، الكامل في التاريخ 3: 227.

[2]راجع محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأموية) 2: 119 و 120.

غ