و قد يكون عبد اللّه بن حنظلة[1]مبالغا في المذمّة حين قال-فيما نسب إليه-: «و اللّه ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء.
إنّ رجلا ينكح الأمّهات و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يدع الصلاة، و اللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت اللّه فيه بلاء حسنا»[2].
و لكن الروايات لم تجمع على شيء كإجماعها على إدمانه الخمر، و شغفه باللذات و توانيه عن العظائم[3].
و قد مات بذات الجنب و هو لمّا يتجاوز السابعة و الثلاثين، و لعلّها إصابة الكبد من إدمان الشراب و الإفراط في اللذات[4].
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (37) .
[2]الردّ على المتعصّب العنيد 54، تذكرة الخواص 289، تاريخ الخلفاء للسيوطي 209.
[3]قارن: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 81، الردّ على المتعصّب العنيد 53، تذكرة الخواص 288 و 289، البداية و النهاية 8: 230 و 232 و 233.
[4]يعدّ تليّف الكبد أهمّ ثالث سبب لوفيات المتعاطين للخمور. ففي المراحل الأولى لشرب الخمر تتشرّب الكبد بالدهون نتيجة لتراكم كمّيات إضافيّة، فتتضخّم و يشكو المصاب من إعياء و آلام بسيطة في المنطقة العلوية اليمنى من البطن، و قد تلتهب الكبد بشكل حادّ فتتضخّم هي و الطحال كذلك، و يصاب المرء بترفّع حروري و آلام في البطن و إعياء و فقدان الشهية للطعام، كما يصاب باليرقان بسبب توقّف الكبد عن طرح الصفراء، و تؤدّي هذه الحالة إلى وفاة حوالي 13%من المصابين، و إلى تشمّع الكبد في 30%من الحالات تقريبا. و في مرحلة أكثر تقدّما يحدث التشمّع بعد مرور حوالي عشرة سنوات على بدء شرب الخمر، فيزداد التليّف و كذلك، فتزداد الصفراء في الدم-
و لا يعقل أن يكون هذا كلّه اختلافا و اختراعا من الأعداء؛ لأنّ الناس لم يختلقوا مثل ذلك على أبيه أو على عمرو بن العاص، و هما بغيضان أشدّ البغض إلى أعداء الأمويين، و لأنّ الذين حاولوا ستره من خدّام دولته لم يحاولوا الثناء على مناقب فيه تحلّ عندهم محلّ مساوئه و عيوبه، كأنّ الاجتراء على مثل هذا الثناء من وراء الحسبان.
و لم يكن هذا التخلّف في يزيد من هزال في البنية أو سقم اعتراه كذلك السقم الذي يعتري أحيانا بقايا السلالات التي تهمّ بالانقراض و الدثور، و لكنّه كان هزالا في الأخلاق و سقما في الطوية، قعد به عن العظائم مع وثوق بنيانه و ضخامة جثمانه و اتّصافه ببعض الصفات الجسديّة التي تزيد في وجاهة الأمراء، كالوسامة و ارتفاع القامة.
و قد أصيب في صباه بمرض خطير-و هو الجدري-بقيت آثاره في وجهه إلى آخر عمره[1]، و لكنّه مرض كان يشيع في البادية، و لم يكن من دأبه أن يقعد بكل من أصيب به عن الطموح و الكفاح.
ق-فتزداد نسبة السموم فيه بشكل كبير بسبب عجز الكبد عن طرحها، فتؤثّر على المخ، و تحدث اضطرابات كبيرة في مقدرة الإنسان العقليّة، و يرتفع ضغط الدم، و بالتالي يصاب المدمن بفقر دم واضح، و قد تحدث نزوف دموية في المعدة، و هذا بدوره يؤدّي إلى قيء دموي تالي، و ربّما يتوفّى المدمن تحت تأثير هذه المضاعفات كلّها.
(المخدّرات 147) .
[1]البداية و النهاية 8: 227.
و على فرط ولعه بالطراد حين يكون الطراد لهوا و فراغا، كانت همّته الوانية تفتر به عن الطراد حين تتسابق إليه عزائم الفرسان في ميادين القتال، و لو كان دفاعا عن دينه و دنياه.
فلمّا سيّر أبوه جيش سفيان بن عوف إلى القسطنطينية لغزو الروم و دفاعهم عن بلاد الإسلام-أو بلاد الدولة الأمويّة-تثاقل و تمارض حتّى رحل الجيش، و شاع بعد ذلك أنّه امتحن في طريقه ببلاء المرض و الجوع، فقال يزيد:
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم # بالفرقدونة[1]من حمّى و من موم[2]
إذا اتكأت على الأنماط[3]مرتفقا[4]# بدير مرّان[5]عندي أمّ كلثوم
فأقسم أبوه حين بلغه هذان البيتان ليلحقنّ بالجيش ليدرأ عنه عار
[1]لم يرد في المعاجم الجغرافية على الظاهر لفظ: (الفرقدونة) ، و إنّما ورد بلفظ:
(الغدقنونة) ، أو بلفظ: (الخذقذونة) . و الغذقذونة: اسم جامع للثغر الذي منه المصيصة و طرسوس و غيرهما. (معجم البلدان 3: 378) .
[2]الموم: الحمّى مع البرسام، و قيل: البرسام، و قيل: الجدري. (لسان العرب 13:
224) .
[3]النمط: ضرب من البسط. (صحاح اللغة 3: 1165) .
[4]مرتفقا، أي: متّكئا على مرفق اليد. (المصدر السابق 4: 1482) .
[5]دير مرّان: دير بالقرب من دمشق على تلّ مشرف على مزارع الزعفران، و بناؤه بالجصّ و أكثر فرشه بالبلاط الملوّن، و هو دير كبير فيه رهبان كثّر، و في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني، و الأشجار محيطة به، و لأبي بكر الصنوبري شعر فيه. (معجم البلدان 2: 361) .
النكول و الشماتة بجيش المسلمين بعد شيوع مقاله في خلواته[1].
و من أعجب عجائب المناقضة التي تمّت في كلّ شيء بين الحسين و يزيد أنّ يزيد لم يختص بمزية محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين، حتّى في تلك الخصال التي تأتي بها المصادفة و لا فضل فيها لأصحابها و منها مزية السنّ و سابقة الميلاد.
فلمّا تنازعا البيعة كان الحسين في السابعة و الخمسين مكتمل القوّة ناضج العقل وافي المعرفة بالعلم و التجربة، و كان يزيد في نحو الرابعة و الثلاثين لم يمارس من شؤون الرعاة و لا الرعيّة ما ينفعه بين هؤلاء أو هؤلاء.
و مزية السنّ هذه قد يطول فيها الأخذ و الردّ بين أبناء العصور الحديثة، و لكنّها كانت تقطع القول في أمّة العرب حيث نشأ الأسلاف و الأخلاف على طاعة الشيوخ و رعاية الأعمار.. و هذا على أنّ السابعة و الخمسين ليست بالسنّ التي تعلو بصاحبها في الكبر حتّى تسلبه مزية الفتوّة و مضاء العزيمة.
كذلك لا يقال: إنّ الوراثة المشروعة في الممالك كان لها شأن يرجح بيزيد على الحسين في ميزان العروبة و الإسلام[2].
فقد كان توريث معاوية ابنه على غير وصية معروفة من السلف
[1]لاحظ: تاريخ اليعقوبي 2: 229، الأغاني 17: 141، الكامل في التاريخ 3: 227.
[2]راجع محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأموية) 2: 119 و 120.
غ
بدعة هرقليّة كما سمّاها المسلمون في ذلك الزمان[1]، و لم يكن معقولا أنّ العرب في صدر الإسلام يوجبون طاعة يزيد لأنّه ابن معاوية و هم لم يوجبوا طاعة آل النبي في أمر الخلافة لأنّهم قرابة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
فقد شاءت عجائب التاريخ إذا أن تقيم بين ذينك الخصمين قضيّة تتّضح فيها النزعة النفعيّة على نحو لم تتّضحه قط في أمثالها من القضايا، و قد وجب أن ينخذل يزيد كلّ الخذلان لو لا النزعة النفعيّة التي أعانته و هو غير صالح لأن يستعين بها بغير أعوان من بطانته و أهله، و لئن كان في تلك النزعة النفعيّة مسحة تشوبها من غير معدنها الوضيع لتكوننّ هي عصبيّة القبيلة من بني أميّة، و هي هنا نزعة مواربة[2]تعارض الإيمان الصريح و لا تسلم من الختل[3]و التلبيس.
لهذا شكّ بعض الناس في إسلام ذلك الجيل من الأمويين[4]، و هو شكّ لا نرتضيه من وجهة الدلائل التأريخيّة المتّفق عليها.
فقد يخطر لنا الشكّ في صدق دين أبي سفيان؛ لأنّ أخباره في
[1]قالها عبد الرحمان بن أبي بكر لمروان عندما طلب الأخير البيعة ليزيد من أهل المدينة.
قارن: المنتظم 5: 299، البداية و النهاية 8: 89، تاريخ الخلفاء للسيوطي 203.
[2]المواربة: المداهاة و المخاتلة. (لسان العرب 15: 265) .
[3]الختل: الخداع. (جمهرة اللغة 1: 389) .
[4]راجع: رسالة الجاحظ في بني أميّة، و الردّ على المتعصّب العنيد، و النصائح الكافية.
الإسلام تحتمل التأويلين، و لكنّ معاوية كان يؤدّي الفرائض و يتبرّك بتراث النبي و يوصي أن تدفن معه أظافره التي حفظها إلى يوم وفاته[1].
و ليس بيسير علينا أن نفهم كيف ينشأ معاوية الثاني على تلك التقوى و ذلك الصلاح و هو ناشئ في بيت مدخول الإسلام، يتصارح أهله أحيانا بما ينمّ على الكفر به أو التردّد فيه.
إنّما هي الأثرة، ثمّ الخرق في السياسة، ثمّ التمادي في الخرق مع استثارة العناد و العداء، و في تلك الأثرة و لواحقها ما ينشئ المقابلة من أحد طرفيها في هذه الخصومة، و يتمّ المناظرة في شتّى بواعثها بين ذينك الخصمين الخالدين، و نعني بهما هنا المثاليّة و الواقعيّة، و ما الحسين و اليزيد إلاّ المثالان الشاخصان منهما للعيان.
[1]انظر: تاريخ الطبري 4: 538، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 41 هـ- 60 هـ) 316، البداية و النهاية 8: 141.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
أعوان الفريقين