النكول و الشماتة بجيش المسلمين بعد شيوع مقاله في خلواته[1].
و من أعجب عجائب المناقضة التي تمّت في كلّ شيء بين الحسين و يزيد أنّ يزيد لم يختص بمزية محمودة تقابل نظائرها من مزايا الحسين، حتّى في تلك الخصال التي تأتي بها المصادفة و لا فضل فيها لأصحابها و منها مزية السنّ و سابقة الميلاد.
فلمّا تنازعا البيعة كان الحسين في السابعة و الخمسين مكتمل القوّة ناضج العقل وافي المعرفة بالعلم و التجربة، و كان يزيد في نحو الرابعة و الثلاثين لم يمارس من شؤون الرعاة و لا الرعيّة ما ينفعه بين هؤلاء أو هؤلاء.
و مزية السنّ هذه قد يطول فيها الأخذ و الردّ بين أبناء العصور الحديثة، و لكنّها كانت تقطع القول في أمّة العرب حيث نشأ الأسلاف و الأخلاف على طاعة الشيوخ و رعاية الأعمار.. و هذا على أنّ السابعة و الخمسين ليست بالسنّ التي تعلو بصاحبها في الكبر حتّى تسلبه مزية الفتوّة و مضاء العزيمة.
كذلك لا يقال: إنّ الوراثة المشروعة في الممالك كان لها شأن يرجح بيزيد على الحسين في ميزان العروبة و الإسلام[2].
فقد كان توريث معاوية ابنه على غير وصية معروفة من السلف
[1]لاحظ: تاريخ اليعقوبي 2: 229، الأغاني 17: 141، الكامل في التاريخ 3: 227.
[2]راجع محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأموية) 2: 119 و 120.
غ
بدعة هرقليّة كما سمّاها المسلمون في ذلك الزمان[1]، و لم يكن معقولا أنّ العرب في صدر الإسلام يوجبون طاعة يزيد لأنّه ابن معاوية و هم لم يوجبوا طاعة آل النبي في أمر الخلافة لأنّهم قرابة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
فقد شاءت عجائب التاريخ إذا أن تقيم بين ذينك الخصمين قضيّة تتّضح فيها النزعة النفعيّة على نحو لم تتّضحه قط في أمثالها من القضايا، و قد وجب أن ينخذل يزيد كلّ الخذلان لو لا النزعة النفعيّة التي أعانته و هو غير صالح لأن يستعين بها بغير أعوان من بطانته و أهله، و لئن كان في تلك النزعة النفعيّة مسحة تشوبها من غير معدنها الوضيع لتكوننّ هي عصبيّة القبيلة من بني أميّة، و هي هنا نزعة مواربة[2]تعارض الإيمان الصريح و لا تسلم من الختل[3]و التلبيس.
لهذا شكّ بعض الناس في إسلام ذلك الجيل من الأمويين[4]، و هو شكّ لا نرتضيه من وجهة الدلائل التأريخيّة المتّفق عليها.
فقد يخطر لنا الشكّ في صدق دين أبي سفيان؛ لأنّ أخباره في
[1]قالها عبد الرحمان بن أبي بكر لمروان عندما طلب الأخير البيعة ليزيد من أهل المدينة.
قارن: المنتظم 5: 299، البداية و النهاية 8: 89، تاريخ الخلفاء للسيوطي 203.
[2]المواربة: المداهاة و المخاتلة. (لسان العرب 15: 265) .
[3]الختل: الخداع. (جمهرة اللغة 1: 389) .
[4]راجع: رسالة الجاحظ في بني أميّة، و الردّ على المتعصّب العنيد، و النصائح الكافية.
الإسلام تحتمل التأويلين، و لكنّ معاوية كان يؤدّي الفرائض و يتبرّك بتراث النبي و يوصي أن تدفن معه أظافره التي حفظها إلى يوم وفاته[1].
و ليس بيسير علينا أن نفهم كيف ينشأ معاوية الثاني على تلك التقوى و ذلك الصلاح و هو ناشئ في بيت مدخول الإسلام، يتصارح أهله أحيانا بما ينمّ على الكفر به أو التردّد فيه.
إنّما هي الأثرة، ثمّ الخرق في السياسة، ثمّ التمادي في الخرق مع استثارة العناد و العداء، و في تلك الأثرة و لواحقها ما ينشئ المقابلة من أحد طرفيها في هذه الخصومة، و يتمّ المناظرة في شتّى بواعثها بين ذينك الخصمين الخالدين، و نعني بهما هنا المثاليّة و الواقعيّة، و ما الحسين و اليزيد إلاّ المثالان الشاخصان منهما للعيان.
[1]انظر: تاريخ الطبري 4: 538، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 41 هـ- 60 هـ) 316، البداية و النهاية 8: 141.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
أعوان الفريقين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
أعوان الفريقين
رجال المعسكرين
كان الحسين في طريقه إلى الكوفة-يوم دعاه شيعته إليها-يسأل من يلقاهم عن أحوال الناس، فينبّئونه عن موقفهم بينه و بين بني أميّة، و قلّما اختلفوا في الجواب.
سأل الفرزدق[1]و هو خارج من مكّة-و الفرزدق مشهور بالتشيّع لآل البيت-فقال له: «قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أميّة، و القضاء ينزل من السماء، و اللّه يفعل ما يشاء»[2].
و قال له مجمع بن عبيد العامري: «أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم و ملئت غرائرهم فهم قلب واحد عليك، و أمّا سائر الناس بعدهم
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (38) .
[2]أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 165، تاريخ الطبري 4: 589-590، الفتوح لابن أعثم 5: 120، العقد الفريد 5: 133، إعلام الورى 1: 445-446، الكامل في التاريخ 3: 276، البداية و النهاية 8: 166 و 167.
فإنّ قلوبهم تهوى إليك و سيوفهم غدا مشهورة عليك»[1].
و قد أصاب الفرزدق و أصاب مجمع بن عبيد، فإنّ الناس جميعا كانوا بأهوائهم و أفئدتهم مع الحسين بن علي ما لم تكن لهم منفعة موصولة بملك بني أميّة، فهم إذا عليه بالسيوف التي تشهرها الأيدي دون القلوب.
و قد أعظمت الرشوة للرؤساء و أعظمت لهم من بعدها الوعود و الآمال، فعلموا أنّ دوام نعمتهم من دوام ملك بني أميّة.
فأمّا الرؤساء الذين كانت لهم مكانتهم بمعزل عن الملك القائم، فقد كانوا ينصرون حسينا و لا ينصرون الأمويين، أو كانوا يصانعون الأمويين و لا يبلغون بالمصانعة أن يشهروا الحرب على الحسين.
و من هؤلاء هانئ بن عروة من كبار الزعماء في قبائل كندة، و شريك ابن الأعور، و سليمان بن صرد الخزاعي[2]، و كلاهما من ذوي الشرف و الدين.
بل كان من العاملين لبني أميّة من يخزه ضميره إذا بلغ العداء للحسين أشدّه، فيترك معسكر بني أميّة ليلوذ بالمعسكر الذي كتب عليه الموت
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 443، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 172، الكامل في التاريخ 3: 281، البداية و النهاية 8: 173.
و لكن اسم القائل ورد في المصدر الأوّل و الثاني تحت عنوان: مجمع بن عبد اللّه العائذي المذحجي، و ورد في المصدر الثالث: مجمع بن عبيد اللّه العامري، و في المصدر الأخير: مجمع بن عبد اللّه العامري.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (39) .