مجهول الأب، فكانوا يسمّونه زياد بن أبيه، ثمّ ألحقه معاوية بأبي سفيان؛ لأنّ أبا سفيان ذكر-بعد نبوغ زياد-أنّه كان قد سكر بالطائف ليلة فالتمس بغيّا، فجاءوه بجارية تدعى سميّة، فقالت له-بعد مولد زياد-: إنّها حملت به في تلك الليلة[1].
و كانت أمّ عبيد اللّه جارية مجوسيّة تدعى مرجانة، فكانوا يعيّرونه بها و ينسبونه إليها[2].
و من عوارض المسخ فيه-و هي عوارض لها في نفوس العرب دخلة تورث الضغن و المهانة-أنّه كان ألكن اللسان لا يقيم نطاق الحروف العربيّة.
فكان إذا عاب الحروري من الخوارج قال: «هروري» ، فيضحك سامعوه[3]، و أراد مرّة أن يقول: «اشهروا سيوفكم» ، فقال: «افتحوا سيوفكم!» فهجاه يزيد بن مفرّغ[4]قائلا:
و يوم فتحت سيفك من بعيد # أضعت و كلّ أمرك للضياع[5]
[1]تاريخ اليعقوبي 2: 218-219، العقد الفريد 5: 266-267، مروج الذهب 3: 14- 17، الاستيعاب 2: 101، تاريخ مدينة دمشق 19: 162 و 173 و 179، الكامل في التاريخ 3: 219-221، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 336، تاريخ الخلفاء للسيوطي 196، الإتحاف بحبّ الأشراف 66-67.
[2]تاريخ مدينة دمشق 37، 436.
[3]البيان و التبيين 1: 72، تاريخ مدينة دمشق 37: 440.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (43) .
[5]البيان و التبيين 2: 210-211.
و لم يكن أهون لديه من قطع الأيدي و الأرجل و الأمر بالقتل في ساعة الغضب لشبهة و لغير شبهة.
ففي ذلك يقول مسلم بن عقيل-و هو صادق مؤيّد بالأمثال و المثلات-: «و يقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها على الغضب و العداوة و سوء الظنّ، و هو يلهو و يلعب كأنّه لم يصنع شيئا»[1].
و قد كانت هذه الضراوة على أعنفها و أسوئها يوم تصدّى عبيد اللّه بن زياد لمنازلة الحسين؛ لأنّه كان يومئذ في شرّة الشباب[2]لم يتجاوز الثامنة و العشرين، و كان يزيد يبغضه و يبغض أباه؛ لأنّه كان قد نصح لمعاوية بالتمهّل في الدعوة إلى بيعة يزيد[3]، فكان عبيد اللّه من ثمّ حريصا على دفع الشبهة و الغلو في إثبات الولاء للعهد الجديد.
و الذين لم يمسخوا في جبلتهم و تكوينهم هذا المسخ من أعوان يزيد بن معاوية، كان الطمع في المناصب و الأموال و اللذات قد بلغ ما يبلغه المسخ من تحويل الطبائع و طمس البصائر و مغالطة النفوس في الحقائق.
ق-و ذكر الأصفهاني في الأغاني (18: 207) : أنّ الذي قال: «افتحوا سيوفكم» هو عبّاد بن زياد أخو عبيد اللّه.
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 426، الإرشاد 2: 62، الكامل في التاريخ 3: 274، البداية و النهاية 8: 156.
[2]الشرّة: النشاط. (لسان العرب 7: 78) .
[3]المنتظم 5: 286، الكامل في التاريخ 3: 249-250، تذكرة الخواص 241، البداية و النهاية 8: 79 و 152، سمط النجوم العوالي 3: 148.
و من هذا القبيل عمر بن سعد بن أبي وقّاص الذي أطاع عبيد اللّه بن زياد في وقعة كربلاء، و لم يعدل بتلك الوقعة عن نهايتها المشؤومة، و قد كان العدول بها عن تلك النهاية في يديه.
فقد أغرى عمر بن سعد بولاية الري[1]، و هي درّة التاج في ملك الأكاسرة الأقدمين. و كان يتطلع إليها منذ فتحها أبوه[2]القائد النبيل العزوف.
و ينسب إليه أنّه قال-و هو يراود نفسه على مقاتلة الحسين-:
فو اللّه ما أدري و إنّي لحائر # أفكّر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري و الري منيتي # أم أرجع مأثوما بقتل حسين
و في قتله النار التي ليس دونها # حجاب، و ملك الري قرّة عيني[3]
فإن لم تكن هذه الأبيات من لسانه فهي و لا شكّ من لسان حاله؛ لأنّها تسجّل الواقع الذي لا شبهة فيه.
و من الواقع الذي لا شبهة فيه أيضا أنّ عمر بن سعد هذا لم يخل من
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 447، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 177، الكامل في التاريخ 3: 283، سمط النجوم العوالي 3: 175.
[2]الاستيعاب 2: 172، البداية و النهاية 8: 72.
[3]المناقب لابن شهر آشوب 4: 98، الكامل في التاريخ 3: 283، نهضة الحسين 86.
و قال اليافعي: (قلت: و لو قال:
أأترك ملك الري بل هو بغيتي # و إن عدت مأثوما بقتل حسين
لكان هذا الإنشاد أدلّ على المراد) . (مرآة الجنان 1: 107) .
غ
غلظة في الطبع على غير ضرورة و لا استفزاز..
فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتله على طريق جثث القتلى التي لم تزل مطروحة بالعراء، فصحن-و قد لمحنها على جانب الطريق-صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله، و هم ممّن قاتل الحسين و ذويه[1].
هؤلاء و أمثالهم لا يسمّون ساسة ملك و لا تسمّى مهنتهم تدعيم سلطان، و لكنّهم يسمّون جلاّدين متنمّرين يطيعون ما في قلوبهم من غلظة و حقد، و يطيعون ما في أيديهم من أموال و وعود، و تسمّى مهمّتهم مذبحة طائشة لا يبالي من يسفك فيها الدماء أيّ غرض يصيب.
و منذ قضي على يزيد بن معاوية أن يكون هؤلاء و أمثالهم أعوانا له في ملكه، قضي عليه من ساعتها أن يكون علاجه لمسألة الحسين علاج الجلاّدين الذين لا يعرفون غير سفك الدماء، و الذين يسفكون كلّ دم أجروا عليه.
و هكذا كان ليزيد أعوان إذا بلغ أحدهم حدّه في معونته فهو جلاّد مبذول السيف و السوط في سبيل المال، و كان للحسين أعوان إذا بلغ أحدهم حدّه في معونته فهو شهيد يبذل الدنيا كلّها في سبيل الروح.
و هي إذا حرب جلاّدين و شهداء.
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 494، سمط النجوم العوالي 3: 181.
خروج الحسين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
خروج الحسين
الحسين في مكّة
عمل يزيد بوصية أبيه، فلم يكن له همّ منذ قيامه على الملك إلاّ أن يظفر ببيعة الحسين و عبد اللّه بن الزبير في مقدّمة النفر الذين أنكروا العهد له في حياة معاوية.
و كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي معاوية يومئذ على المدينة، فلمّا جاءه كتاب يزيد بنعي أبيه، و أن يأخذ أولئك النفر بالبيعة «أخذا شديدا ليس فيه رخصة» دعا إليه بمروان بن الحكم، فأشار عليه بمشورته التي جمعت بين الإخلاص و سوء النيّة.. و فحواها أن يبعث إلى الحسين و ابن الزبير، فإن بايعا و إلاّ ضرب عنقيهما!
و حدث بين الحسين و الوليد ما تقدّمت الإشارة إليه في محضر مروان[1]؛ إذ عاد الحسين إلى بيته، و قد عوّل على ترك المدينة إلى مكّة كما تركها ابن الزبير من قبله.
فخرج منها لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ستّين للهجرة، و معه
[1]تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ص 103-104.
جلّ أهل بيته و أخوته و بنو أخيه، و لزم في مسيره إلى مكّة الطريق الأعظم[1]فلم يتنكّبه كما فعل ابن الزبير مخافة الطلب من ورائه. فصحّت في الرجلين فراسة معاوية في هذا الأمر الصغير، كما صحّت في غيره من كبار الأمور.
و انصرف الناس في مكّة إلى الحسين عن كلّ مطالب بالخلافة غيره، و منهم ابن الزبير. فكان ابن الزبير يطوف بالكعبة كلّ يوم و يتردّد عليه في صباحه و مسائه، يتعرّف رأيه و ما نمى إليه من آراء الناس في الحجاز و العراق و سائر الأقطار الإسلاميّة.
فلبث الحسين في مكّة أربعة أشهر على هذه الحال، يتلقّى بين آونة و آونة دعوات المسلمين إلى الظهور و طلب البيعة، و لا سيّما أهل الكوفة و ما جاورها.
فقد كتبوا إليه يقولون: إنّ هنالك مائة ألف ينصرونك، و ألحّوا في الكتابة يستعجلونه الظهور[2].
و تردّد الحسين طوال هذه الأشهر فيما يفعل بهذه الدعوات المتتابعات، فبدا له أن يتمهّل حتّى يتبيّن جلية القوم و يستطلع طلعهم من قريب.
[1]إعلام الورى 1: 435، المنتظم 5: 327، تذكرة الخواص 245، البداية و النهاية 8:
147.
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 404، الأخبار الطوال 229، مروج الذهب 3: 64، إعلام الورى 1: 436، الكامل في التاريخ 3: 266، تذكرة الخواص 237، تاريخ أبي الفداء 1: 263.