و من هذا القبيل عمر بن سعد بن أبي وقّاص الذي أطاع عبيد اللّه بن زياد في وقعة كربلاء، و لم يعدل بتلك الوقعة عن نهايتها المشؤومة، و قد كان العدول بها عن تلك النهاية في يديه.
فقد أغرى عمر بن سعد بولاية الري[1]، و هي درّة التاج في ملك الأكاسرة الأقدمين. و كان يتطلع إليها منذ فتحها أبوه[2]القائد النبيل العزوف.
و ينسب إليه أنّه قال-و هو يراود نفسه على مقاتلة الحسين-:
فو اللّه ما أدري و إنّي لحائر # أفكّر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري و الري منيتي # أم أرجع مأثوما بقتل حسين
و في قتله النار التي ليس دونها # حجاب، و ملك الري قرّة عيني[3]
فإن لم تكن هذه الأبيات من لسانه فهي و لا شكّ من لسان حاله؛ لأنّها تسجّل الواقع الذي لا شبهة فيه.
و من الواقع الذي لا شبهة فيه أيضا أنّ عمر بن سعد هذا لم يخل من
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 447، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 177، الكامل في التاريخ 3: 283، سمط النجوم العوالي 3: 175.
[2]الاستيعاب 2: 172، البداية و النهاية 8: 72.
[3]المناقب لابن شهر آشوب 4: 98، الكامل في التاريخ 3: 283، نهضة الحسين 86.
و قال اليافعي: (قلت: و لو قال:
أأترك ملك الري بل هو بغيتي # و إن عدت مأثوما بقتل حسين
لكان هذا الإنشاد أدلّ على المراد) . (مرآة الجنان 1: 107) .
غ
غلظة في الطبع على غير ضرورة و لا استفزاز..
فهو الذي ساق نساء الحسين بعد مقتله على طريق جثث القتلى التي لم تزل مطروحة بالعراء، فصحن-و قد لمحنها على جانب الطريق-صيحة أسالت الدمع من عيون رجاله، و هم ممّن قاتل الحسين و ذويه[1].
هؤلاء و أمثالهم لا يسمّون ساسة ملك و لا تسمّى مهنتهم تدعيم سلطان، و لكنّهم يسمّون جلاّدين متنمّرين يطيعون ما في قلوبهم من غلظة و حقد، و يطيعون ما في أيديهم من أموال و وعود، و تسمّى مهمّتهم مذبحة طائشة لا يبالي من يسفك فيها الدماء أيّ غرض يصيب.
و منذ قضي على يزيد بن معاوية أن يكون هؤلاء و أمثالهم أعوانا له في ملكه، قضي عليه من ساعتها أن يكون علاجه لمسألة الحسين علاج الجلاّدين الذين لا يعرفون غير سفك الدماء، و الذين يسفكون كلّ دم أجروا عليه.
و هكذا كان ليزيد أعوان إذا بلغ أحدهم حدّه في معونته فهو جلاّد مبذول السيف و السوط في سبيل المال، و كان للحسين أعوان إذا بلغ أحدهم حدّه في معونته فهو شهيد يبذل الدنيا كلّها في سبيل الروح.
و هي إذا حرب جلاّدين و شهداء.
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 494، سمط النجوم العوالي 3: 181.
خروج الحسين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
خروج الحسين
الحسين في مكّة
عمل يزيد بوصية أبيه، فلم يكن له همّ منذ قيامه على الملك إلاّ أن يظفر ببيعة الحسين و عبد اللّه بن الزبير في مقدّمة النفر الذين أنكروا العهد له في حياة معاوية.
و كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي معاوية يومئذ على المدينة، فلمّا جاءه كتاب يزيد بنعي أبيه، و أن يأخذ أولئك النفر بالبيعة «أخذا شديدا ليس فيه رخصة» دعا إليه بمروان بن الحكم، فأشار عليه بمشورته التي جمعت بين الإخلاص و سوء النيّة.. و فحواها أن يبعث إلى الحسين و ابن الزبير، فإن بايعا و إلاّ ضرب عنقيهما!
و حدث بين الحسين و الوليد ما تقدّمت الإشارة إليه في محضر مروان[1]؛ إذ عاد الحسين إلى بيته، و قد عوّل على ترك المدينة إلى مكّة كما تركها ابن الزبير من قبله.
فخرج منها لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ستّين للهجرة، و معه
[1]تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ص 103-104.
جلّ أهل بيته و أخوته و بنو أخيه، و لزم في مسيره إلى مكّة الطريق الأعظم[1]فلم يتنكّبه كما فعل ابن الزبير مخافة الطلب من ورائه. فصحّت في الرجلين فراسة معاوية في هذا الأمر الصغير، كما صحّت في غيره من كبار الأمور.
و انصرف الناس في مكّة إلى الحسين عن كلّ مطالب بالخلافة غيره، و منهم ابن الزبير. فكان ابن الزبير يطوف بالكعبة كلّ يوم و يتردّد عليه في صباحه و مسائه، يتعرّف رأيه و ما نمى إليه من آراء الناس في الحجاز و العراق و سائر الأقطار الإسلاميّة.
فلبث الحسين في مكّة أربعة أشهر على هذه الحال، يتلقّى بين آونة و آونة دعوات المسلمين إلى الظهور و طلب البيعة، و لا سيّما أهل الكوفة و ما جاورها.
فقد كتبوا إليه يقولون: إنّ هنالك مائة ألف ينصرونك، و ألحّوا في الكتابة يستعجلونه الظهور[2].
و تردّد الحسين طوال هذه الأشهر فيما يفعل بهذه الدعوات المتتابعات، فبدا له أن يتمهّل حتّى يتبيّن جلية القوم و يستطلع طلعهم من قريب.
[1]إعلام الورى 1: 435، المنتظم 5: 327، تذكرة الخواص 245، البداية و النهاية 8:
147.
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 404، الأخبار الطوال 229، مروج الذهب 3: 64، إعلام الورى 1: 436، الكامل في التاريخ 3: 266، تذكرة الخواص 237، تاريخ أبي الفداء 1: 263.
و آثر أن يرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب يمهّد له طريق البيعة إن رأى فيها محلا لتمهيد، و كتب إلى رؤساء أهل الكوفة قبل ذلك كتابا يقول فيه: «أمّا بعد: فقد أتتني كتبكم، و فهمت ما ذكرتم من محبّتكم لقدومي عليكم، و قد بعثت إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، و أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم و رأيكم.. فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم و ذوي الفضل و الحجى[1]منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم و قرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء اللّه. فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب و الآخذ بالقسط و الدائن بالحقّ و الحابس نفسه على ذات اللّه، و السلام»[2].
ثمّ بلغ الحسين أنّ مسلما قد نزل الكوفة، فاجتمع على بيعته للحسين اثنا عشر ألفا، و قيل: ثمانية عشر ألفا[3]، فرأى أن يبادر إليه قبل أن يتفرّق هذا الشمل و يطول عليهم عهد الانتظار و المراجعة، فظهر عزمه هذا
[1]الحجا: العقل. (صحاح اللغة 6: 2309) .
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 405، الأخبار الطوال 230، الفتوح لابن أعثم 5: 51-52، المنتظم 5: 328، الكامل في التاريخ 3: 267، تذكرة الخواص 244.
[3]مروج الذهب 3: 64، إعلام الورى 1: 437، تذكرة الخواص 241، البداية و النهاية 8: 152.
و قد ذكر أنّ عدد المبايعين خمسة و عشرون ألفا في المناقب لابن شهر آشوب 4: 91، أو ثمانية و عشرون ألفا أو ثلاثون ألفا في تاريخ أبي الفداء 1: 264، أو أكثر من ثلاثين ألفا في: الإمامة و السياسة 2: 80، العقد الفريد 5: 126.
لمشيريه من خاصّته و أهل بيته، فاختلفوا في مشورتهم عليه بين موافق و مثبّط و ناصح بالمسير إلى جهة غير جهة العراق.
و كان أخوه محمّد بن الحنفيّة[1]يرى-و هو بعد في المدينة-أن يبعث رسله إلى الأمصار و يدعوهم إلى مبايعته قبل قتال يزيد، فإن أجمعوا على بيعته فذاك، و إن اجتمع رأيهم على غيره «لم ينقض اللّه بذلك دينه و لا عقله»[2].
و كان عبد اللّه بن الزبير يقول له: «إن شئت أن تقيم بالحجاز آزرناك و نصحنا لك و بايعناك، و إن لم تشأ البيعة بالحجاز تولّيني أنا البيعة، فتطاع و لا تعصى»[3].
و يزعم كثير من المؤرّخين أنّ ابن الزبير كان متّهم النصيحة للحسين[4].
و من هؤلاء المؤرّخين أبو الفرج الأصبهاني. قال: «إنّ عبد اللّه بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، و لا أحبّ إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز؛ لأنّ لا يتمّ له إلاّ بعد
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (44) .
[2]الكامل في التاريخ 3: 265، البداية و النهاية 8: 147-148، سمط النجوم العوالي 3: 164.
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 401 و 432، الأخبار الطوال 244، مروج الذهب 3: 65، الكامل في التاريخ 3: 275.
[4]كالمسعودي في مروج الذهب 3: 65، و ابن الجوزي في المنتظم 5: 327، و العاصي في سمط النجوم العوالي 3: 172.