بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 171

خروج الحسين‌

الحسين في مكّة

عمل يزيد بوصية أبيه، فلم يكن له همّ منذ قيامه على الملك إلاّ أن يظفر ببيعة الحسين و عبد اللّه بن الزبير في مقدّمة النفر الذين أنكروا العهد له في حياة معاوية.

و كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي معاوية يومئذ على المدينة، فلمّا جاءه كتاب يزيد بنعي أبيه، و أن يأخذ أولئك النفر بالبيعة «أخذا شديدا ليس فيه رخصة» دعا إليه بمروان بن الحكم، فأشار عليه بمشورته التي جمعت بين الإخلاص و سوء النيّة.. و فحواها أن يبعث إلى الحسين و ابن الزبير، فإن بايعا و إلاّ ضرب عنقيهما!

و حدث بين الحسين و الوليد ما تقدّمت الإشارة إليه في محضر مروان‌[1]؛ إذ عاد الحسين إلى بيته، و قد عوّل على ترك المدينة إلى مكّة كما تركها ابن الزبير من قبله.

فخرج منها لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة ستّين للهجرة، و معه

[1]تقدّمت الإشارة إلى ذلك في ص 103-104.


صفحه 172

جلّ أهل بيته و أخوته و بنو أخيه، و لزم في مسيره إلى مكّة الطريق الأعظم‌[1]فلم يتنكّبه كما فعل ابن الزبير مخافة الطلب من ورائه. فصحّت في الرجلين فراسة معاوية في هذا الأمر الصغير، كما صحّت في غيره من كبار الأمور.

و انصرف الناس في مكّة إلى الحسين عن كلّ مطالب بالخلافة غيره، و منهم ابن الزبير. فكان ابن الزبير يطوف بالكعبة كلّ يوم و يتردّد عليه في صباحه و مسائه، يتعرّف رأيه و ما نمى إليه من آراء الناس في الحجاز و العراق و سائر الأقطار الإسلاميّة.

فلبث الحسين في مكّة أربعة أشهر على هذه الحال، يتلقّى بين آونة و آونة دعوات المسلمين إلى الظهور و طلب البيعة، و لا سيّما أهل الكوفة و ما جاورها.

فقد كتبوا إليه يقولون: إنّ هنالك مائة ألف ينصرونك، و ألحّوا في الكتابة يستعجلونه الظهور[2].

و تردّد الحسين طوال هذه الأشهر فيما يفعل بهذه الدعوات المتتابعات، فبدا له أن يتمهّل حتّى يتبيّن جلية القوم و يستطلع طلعهم من قريب.

[1]إعلام الورى 1: 435، المنتظم 5: 327، تذكرة الخواص 245، البداية و النهاية 8:

147.

[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 404، الأخبار الطوال 229، مروج الذهب 3: 64، إعلام الورى 1: 436، الكامل في التاريخ 3: 266، تذكرة الخواص 237، تاريخ أبي الفداء 1: 263.


صفحه 173

و آثر أن يرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب يمهّد له طريق البيعة إن رأى فيها محلا لتمهيد، و كتب إلى رؤساء أهل الكوفة قبل ذلك كتابا يقول فيه: «أمّا بعد: فقد أتتني كتبكم، و فهمت ما ذكرتم من محبّتكم لقدومي عليكم، و قد بعثت إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، و أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم و رأيكم.. فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم و ذوي الفضل و الحجى‌[1]منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم و قرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء اللّه. فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب و الآخذ بالقسط و الدائن بالحقّ و الحابس نفسه على ذات اللّه، و السلام»[2].

ثمّ بلغ الحسين أنّ مسلما قد نزل الكوفة، فاجتمع على بيعته للحسين اثنا عشر ألفا، و قيل: ثمانية عشر ألفا[3]، فرأى أن يبادر إليه قبل أن يتفرّق هذا الشمل و يطول عليهم عهد الانتظار و المراجعة، فظهر عزمه هذا

[1]الحجا: العقل. (صحاح اللغة 6: 2309) .

[2]تاريخ أبي مخنف 1: 405، الأخبار الطوال 230، الفتوح لابن أعثم 5: 51-52، المنتظم 5: 328، الكامل في التاريخ 3: 267، تذكرة الخواص 244.

[3]مروج الذهب 3: 64، إعلام الورى 1: 437، تذكرة الخواص 241، البداية و النهاية 8: 152.

و قد ذكر أنّ عدد المبايعين خمسة و عشرون ألفا في المناقب لابن شهر آشوب 4: 91، أو ثمانية و عشرون ألفا أو ثلاثون ألفا في تاريخ أبي الفداء 1: 264، أو أكثر من ثلاثين ألفا في: الإمامة و السياسة 2: 80، العقد الفريد 5: 126.


صفحه 174

لمشيريه من خاصّته و أهل بيته، فاختلفوا في مشورتهم عليه بين موافق و مثبّط و ناصح بالمسير إلى جهة غير جهة العراق.

و كان أخوه محمّد بن الحنفيّة[1]يرى-و هو بعد في المدينة-أن يبعث رسله إلى الأمصار و يدعوهم إلى مبايعته قبل قتال يزيد، فإن أجمعوا على بيعته فذاك، و إن اجتمع رأيهم على غيره «لم ينقض اللّه بذلك دينه و لا عقله»[2].

و كان عبد اللّه بن الزبير يقول له: «إن شئت أن تقيم بالحجاز آزرناك و نصحنا لك و بايعناك، و إن لم تشأ البيعة بالحجاز تولّيني أنا البيعة، فتطاع و لا تعصى»[3].

و يزعم كثير من المؤرّخين أنّ ابن الزبير كان متّهم النصيحة للحسين‌[4].

و من هؤلاء المؤرّخين أبو الفرج الأصبهاني. قال: «إنّ عبد اللّه بن الزبير لم يكن شي‌ء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، و لا أحبّ إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز؛ لأنّ لا يتمّ له إلاّ بعد

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (44) .

[2]الكامل في التاريخ 3: 265، البداية و النهاية 8: 147-148، سمط النجوم العوالي 3: 164.

[3]تاريخ أبي مخنف 1: 401 و 432، الأخبار الطوال 244، مروج الذهب 3: 65، الكامل في التاريخ 3: 275.

[4]كالمسعودي في مروج الذهب 3: 65، و ابن الجوزي في المنتظم 5: 327، و العاصي في سمط النجوم العوالي 3: 172.


صفحه 175

خروج الحسين، فلقيه و قال له: «على أيّ شي‌ء عزمت يا أبا عبد اللّه؟» .

فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، و أعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل، فقال [ابن‌]الزبير: «فما يحبسك؟فو اللّه لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شي‌ء»[1].

و لعلّ أنصح الناس له في هذه المسألة كان عبد اللّه بن عبّاس؛ لما بينهما من القرابة و ما عرف به ابن عبّاس من الدهاء.. سأله:

- «إنّ الناس أرجفوا أنّك سائر إلى العراق، فما أنت صانع؟» .

قال:

- «قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين» .

فأعاذه ابن عبّاس باللّه من ذلك، و قال له:

- «إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك. إنّ أهل العراق قوم غدر.

أقم بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك-كما زعموا-فلينفوا عدوّهم، ثمّ أقدم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فسر إلى اليمن، فإنّ بها حصونا و شعابا و لأبيك بها شيعة» .

فقال له الحسين:

- «يا ابن العمّ، إنّي أعلم أنّك ناصح مشفق، و لكنّي قد أزمعت

[1]مقاتل الطالبيين 72.

و قد نقلت الواقعة في: تاريخ أبي مخنف 1: 401 و 432، تاريخ خليفة 144، مروج الذهب 3: 65، الكامل في التاريخ 3: 275، البداية و النهاية 8: 160.


صفحه 176

و أجمعت على المسير» .

قال ابن عبّاس:

- «إن كنت لا بدّ فاعلا، فلا تخرج أحدا من ولدك و لا حرمك و لا نسائك، فخليق أن‌[لا]تقتل و هم ينظرون إليك كما قتل ابن عفّان»[1].

السفر إلى العراق‌

و خرج في الثامن من ذي الحجّة[2]لا ينتظر العيد بمكّة؛ لأنّ أخبار البيعة بالكوفة حفّزته إلى التعجيل بالسفر قبل فوات الأوان.

و كان مسلم بن عقيل قد نزل بالكوفة، فأقبل عليه الناس ألوفا ألوفا يبايعون الحسين على يديه، و بلغوا ثمانية عشر ألفا في تقدير ابن كثير[3]و ثلاثين ألفا في تقدير ابن قتيبة[4].

[1]الفتوح لابن أعثم 5: 114، مروج الذهب 3: 65، مقاتل الطالبيين 72، تاريخ مدينة دمشق 14: 211، المنتظم 5: 328، الكامل في التاريخ 3: 276، البداية و النهاية 8:

160 و 164.

[2]إعلام الورى 1: 445، المنتظم 5: 328، سمط النجوم العوالي 3: 172.

و في تذكرة الخواص (240) : أنّه خرج في اليوم السابع من ذي الحجّة، و لكن في (ص 245) من المصدر السابق أنّه خرج في يوم الثامن من ذي الحجّة.

[3]البداية و النهاية 8: 152.

و راجع ترجمة ابن كثير في قائمة التراجم رقم (45) .

[4]الإمامة و السياسة 2: 8.

و راجع ترجمة ابن قتيبة في قائمة التراجم رقم (46) .


صفحه 177

و هال الأمر النعمان بن بشير[1]والي الكوفة، فحار فيما يصنع بمسلم و أتباعه و هم يزدادون يوما بعد يوم، فصعد المنبر و خطب الناس معلنا أنّه لا يقاتل إلاّ من قاتله و لا يثب إلاّ على من وثب عليه‌[2].

و تسابق أنصار بني أميّة إلى يزيد ينقلون إليه ما يجري بالكوفة، فأشار عليه سرجون الرومي‌[3]مولى أبيه أن يعزل النعمان و يولّي الكوفة عبيد اللّه بن زياد مضمومة إلى البصرة التي كان يتولاّها في ذلك الحين‌[4].

و قدم عبيد اللّه إلى الكوفة، فكان أوّل ما عمل بها أن جمع إليه عرفاء المدينة-أي: مشايخ أحيائها-فأمرهم أن يكتبوا له أسماء الغرباء و من في أحيائهم من «طلبة أمير المؤمنين و الحرورية و أهل الريب» ، و أنذرهم «أيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إليه، صلب على باب داره، و ألغيت تلك العرافة من العطاء»[5].

و التمس وجوه المدينة من شيعة الحسين يترضّاهم و يستخرج خفاياهم.. فسأل عمّن تخلّف منهم عن لقائه و على رأسهم هانئ بن عروة،

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (47) .

[2]الأخبار الطوال 231، الفتوح لابن أعثم 5: 57، الإرشاد 2: 41، الكامل في التاريخ 3: 267.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (48) .

[4]تاريخ الطبري 4: 556، الفتوح لابن أعثم 5: 60، الإرشاد 2: 42، إعلام الورى 1:

437، سمط النجوم العوالي 3: 167، تاريخ الكوفة 295.

[5]الإرشاد 2: 44-45، الكامل في التاريخ 3: 296.


صفحه 178

فقيل له: إنّه مريض لا يبرح داره.. و كان يتعلّل بالمرض تجنّبا للقائه و السلام عليه.

فذهب عبيد اللّه إليه يعوده و يتلطّف إليه، و جاء في بعض الروايات:

أنّه قد أشير على مسلم بن عقيل بقتله و هو في بيت هانئ، فأبى أن يغتاله و هو آمن في بيت مريض يعوده‌[1].

و قال ابن كثير ما فحواه: إنّهم أشاروا على مسلم بن عقيل بقتله و هو في دار شريك بن الأعور، و قد علم شريك أنّ عبيد اللّه سيعوده، فبعث إلى هانئ بن عروة يقول له: «ابعث مسلم بن عقيل في داري؛ ليقتل عبيد اللّه إذا جاء يعودني» .. فتحيّن مسلم عن قتله، و سأله شريك: «ما منعك أن تقتله؟» قال: «بلغني حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إنّ الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن‌[2]، و كرهت أن أقتله في بيتك» ، قال شريك: «أمّا لو قتلته لجلست في الثغر لا يستعدي به أحد، و لكفيتك أمر البصرة، و لكنت تقتله ظالما فاجرا» . ثمّ مات شريك بعد ثلاثة أيام‌[3].

و تضطرب الأقاويل في وقائع هذه الأيام؛ لتلاحقها و كثرتها و كثرة رواتها و العاملين فيها.. و لكنّ الشائع من تلك الأقاويل ينبئنا عن عنت

[1]تاريخ أبي مخنف 1: 412، الأخبار الطوال 234-235، الفتوح لابن أعثم 5: 71- 74، مقاتل الطالبيين 65، المناقب لابن شهر آشوب 4: 91-92.

[2]انظر: مسند أحمد 1: 166، مجمع الزوائد 1: 96، كنز العمّال 10: 499.

[3]البداية و النهاية 8: 153.