ما ذاق مسلم[1].
و لم ير الحسين-بعد ذلك-أن يصحب معه أحدا إلاّ على بصيرة من أمره و ما هو لاقيه إن تقدّم و لم ينصرف لشأنه، فخطب الرهط الذين صحبوه، و قال لهم: «قد خذلنا شيعتنا.. فمن أحبّ منكم أن ينصرف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام» .. فتفرّقوا إلاّ أهل بيته و قليلا ممّن تبعوه في الطريق[2].
الحسين و الحرّ بن يزيد
و التقى الركب عند جبل ذي حسم بطلائع جيش عبيد اللّه يقودها الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي في ألف فارس، أمروا بأن لا يدعوا الحسين حتّى يقدموا به على عبيد اللّه في الكوفة.
فأمر الحسين مؤذّنه بالآذان لصلاة الظهر، و خطب أصحابه و أصحاب الحرّ بن يزيد، فقال:
- «أيّها الناس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم و رسلكم أن أقدم علينا فليس لنا إمام، لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدى و الحقّ. فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم و مواثيقكم أقدم مصركم، و إن لم تفعلوا أو كنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه» .
[1]الإرشاد 2: 75، الكامل في التاريخ 3: 278.
[2]تاريخ الطبري 4: 601، مقاتل الطالبيين 73، الإرشاد 2: 75-76، الكامل في التاريخ 3: 278، البداية و النهاية 8: 169.
فلم يجبه أحد..
فقال للمؤذّن:
- «أقم الصلاة» .
و سأل الحرّ:
- «أتريد أن تصلّي أنت بأصحابك و أصلّي بأصحابي؟» .
فقال الحرّ:
- «بل نصلّي جميعا بصلاتك»[1].
ثمّ تياسر الحسين إلى طريق العذيب[2]فبلغها و فرسان عبيد اللّه يلازمونه و يصرّون على أخذه إلى أميرهم و صدّه عن وجهته حيثما اتّجه غير وجهتهم، فأقبل عليهم يعظهم و هم يصغون إليه، فقال:
«أيّها الناس، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه مخالفا لسنّة رسول اللّه يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل و لا قول كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله. ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمان، و أظهروا الفساد، و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّه و حرّموا
[1]إعلام الورى 1: 448، المنتظم 5: 335، سمط النجوم العوالي 3: 173-174.
[2]العذيب: ماء بين القادسيّة و المغيثة يبعد عن الأولى بأربعة أميال و عن الثانية باثنين و ثلاثين ميلا، و قيل: هو واد لبني تميم و هو منازل حاجّ الكوفة، و قيل: هو حدّ السواد.
(معجم البلدان 3: 304) .
حلاله، و أنا أحقّ من غيري. و قد أتتني كتبكم و رسلكم ببيعتكم و أنّكم لا تسلّمونني و لا تخذلونني، فإن بقيتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، و أنا الحسين بن علي و ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، نفسي مع أنفسكم و أهلي من أهلكم، فلكم فيّ أسوة. و إن لم تفعلوا و نقضتم عهدي و خلعتم بيعتي، فلعمري ما هي لكم بنكير، و المغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم و نصيبكم ضيّعتم، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و سيغني اللّه عنكم، و السلام» .
فأنصت الحرّ بن يزيد و أصحابه، ثمّ توجّه إليه يحذّره العاقبة و ينبّئه:
«لئن قاتلت لتقتلنّ!» .
فصاح به الحسين:
- «أبا لموت تخوّفني!.. ما أدري ما أقول لك؟.. و لكنّي أقول كما قال أخو الأوس لابن عمر و هو يريد نصرة رسول اللّه، فخوّفه ابن عمر و أنذره أنّه لمقتول، فأنشد:
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى # إذا ما نوى خيرا و جاهد مسلما
و آسى الرجال الصالحين بنفسه # و خالف مثبورا و فارق مجرما
فإن عشت لم أندم و إن مت لم ألم # كفى بك ذلا أن تعيش و ترغما[1]»
ثمّ سار الركبان ينظر بعضهما إلى بعض كلّما مال الحسين نحو البادية
[1]لاحظ: تاريخ أبي مخنف 1: 442-443، الإرشاد 2: 80-81، الكامل في التاريخ 3: 280-281، البداية و النهاية 8: 172-173، سمط النجوم العوالي 3: 174.
أسرع الحرّ بن يزيد فردّه نحو الكوفة. حتّى نزلا بنينوى[1]، فإذا راكب مقبل عليه بالسلاح، يحيي الحرّ و لا يحيي الحسين، ثمّ أسلم الحرّ كتابا من عبيد اللّه يقول فيه: «أمّا بعد: فجعجع بالحسين حتّى يبلغك كتابي و يقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن و على غير ماء.. و قد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، و السلام» .
فلمّا بدا من الحرّ بن يزيد أنّه يريد أن ينفذ أمر عبيد اللّه بن زياد و يخشى رقيبه الذي أمر ألاّ يفارقه حتّى ينفذ أمره، قال أحد أصحاب الحسين-زهير بن القين-: «إنّه لا يكون-و اللّه-بعد ما ترون إلاّ ما هو أشدّ منه. يا ابن رسول اللّه!.. إنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا بعدهم. فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به. فهلمّ نناجز هؤلاء» . فأعرض الحسين عن مشورته، و قال: «إنّي أكره أن أبدأهم بقتال»[2].
عمر بن سعد
و كان الديلم قد ثاروا على يزيد بن معاوية و استولوا على دستبى[3]
[1]نينوى: ناحية بسواد الكوفة. (معجم البلدان 4: 429، موسوعة العتبات المقدّسة 8:
32) .
[2]راجع: الأخبار الطوال 251، الإرشاد 2: 83-84، المنتظم 5: 336، الكامل في التاريخ 3: 282.
[3]دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري و همذان، فقسم منها يسمّى دستبى-
بأرض همذان، فجمع لهم عبيد اللّه بن زياد جيشا عدّته أربعة آلاف فارس بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقّاص الذي يذكر الديلم اسم أبيه سعد فاتح بلادهم، و قد وعد بولاية الري بعد قمع الثورة الديلميّة[1].
فلمّا قدم الحسين إلى العراق قال عبيد اللّه لعمر:
- «نفرغ من الحسين، ثمّ تسير إلى عملك» .
فاستعفاه، و علم عبيد اللّه موطن هواه، فقال له:
- «نعم، نعفيك على أن تردّ إلينا عهدنا» .
فاستمهله حتّى يراجع نصحاءه.. فنصح له ابن أخته حمزة بن المغيرة ابن شعبة[2]-و هو من أكبر أعوان معاوية-ألاّ يقبل مقاتلة الحسين، و قال له:
- «و اللّه لأن تخرج من دنياك و مالك و سلطان الأرض لو كان لك، خير من أن تلقى اللّه بدم الحسين»[3].
و بات ليلته يقلّب وجوه رأيه، حتّى إذا أصبح ذهب إلى ابن زياد،
ق-الرازي و هو يقارب التسعين قرية، و قسم منها يسمى دستبى همدان و هو عدّة قرى.
(معجم البلدان 2: 300 و 316) .
[1]تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 11، البداية و النهاية 8:
174، سمط النجوم العوالي 3: 157.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (50) .
[3]تاريخ أبي مخنف 1: 447، تاريخ الطبري 4: 610، سمط النجوم العوالي 3: 175.
غ
فاقترح عليه أن يبعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من ليس يغني في الحرب عنهم.. فأبى ابن زياد إلاّ أن يسير إلى الحسين أو ينزل عن ولاية الري.. فسار على مضض و جنوده متثاقلون متحرّجون، إلاّ زعانف المرتزقة الذين ليس لهم من خلاق[1].
و كان جنود الجيش يتسلّلون منه و يتخلّفون بالكوفة.. فندب عبيد اللّه رجلا من أعوانه-هو سعد بن عبد الرحمان المنقري-ليطوف بها و يأتيه بمن تخلّف عن المسير لقتال الحسين، و ضرب عنق رجل جيء به و قيل: إنّه من المتخلّفين، فأسرع بقيّتهم إلى المسير[2].
و قد أدرك الجيش الحسين و هو بكربلاء على نحو من خمسة و عشرين ميلا إلى الشمال الغربي من الكوفة. نزل بها في الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستّين.
و خلا الجوّ في الكوفة لرجلين اثنين يسابق كلاهما صاحبه في اللؤم و سوء الطويّة، و ينفردان بتصريف الأمر في قضيّة الحسين دون مراجعة من ذي سلطان. و هما: عبيد اللّه بن زياد، و شمر بن ذي الجوشن.
عبيد اللّه المغموز النسب الذي لا يشغله شيء، كما يشغله التشفّي لنسبه المغموز من رجل هو بلا مراء أعرق العرب نسبا في الجاهليّة و الإسلام.. فليس أشهى إليه من فرصة ينزّل فيها ذلك الرجل على حكمه، و يشعره فيها بذلّه و رغمه.
[1]راجع المصادر المتقدّمة.
[2]لاحظ الأخبار الطوال 254-255.
شمر بن ذي الجوشن
و شمر بن ذي الجوشن الأبرص الكريه الذي يمضّه من الحسين ما يمضّ كلّ لئيم مشنوء من كلّ كريم محبوب و سيم.
و كان كلاهما يفهم لؤم صاحبه و يعطيه فيه حقّه و عذره، فهما في هذه الخلّة متناصحان متفاهمان!
و لم يكن أيسر من حلّ قضيّة الحسين على وجه يرضي يزيد و يمهّد له الولاء في قلوب المسلمين و لو إلى حين.. لو لا ذلك الضغن الممتزج بالخليقة الذي هو كسكر المخمور لا موضع معه لرأي مصيب، و لا لتفكير في عاقبة بعيدة أو قريبة.
فالحسين في أيديهم ليس أيسر عليهم من اعتقاله و إبقائه بأعينهم في مكان ينال فيه الكرامة و لا يتحفّز لثورة.
لكنّهما لم يفكّرا في أيسر شيء و لا أنفع شيء للدولة التي يخدمانها، و إنّما فكّرا في النسب المغموز و الصورة الممسوخة، فلم يكن لهما من همّ غير إرغام الحسين و إشهاد الدنيا كلّها على إرغامه.
تلقّى ابن زياد من عمر بن سعد كتابا يقول فيه: «إنّ الحسين أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في يده»[1].
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 448 و 450، الإرشاد 2: 87، الكامل في التاريخ 3: 284، البداية و النهاية 8: 170 و 175، سمط النجوم العوالي 3: 175.
و الذي نراه نحن من مراجعة الحوادث و الأسانيد أنّ الحسين ربّما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه، و لكنّه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده؛ لأنّه لو قبل ذلك لبايع في مكانه و استطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته، و لأنّ أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب، و منهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول: «صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة و من مكّة إلى العراق، و لم أفارقه حتّى قتل، و سمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله.. فو اللّه ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد و لا أن يسيّروه إلى ثغر من الثغور، و لكنّه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس»[1].
و لعلّ عمر بن سعد قد تجوّز في نقل كلام الحسين عمدا؛ ليأذنوا له في حمله إلى يزيد، فيلقي عن كاهله مقاتلته و ما تجرّ إليه من سوء القالة و وخز الضمير، أو لعلّ الأعوان الأمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة؛ ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده، و يسقطوا حجّتهم في مناهضة الدولة الأمويّة.
و أيّا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبّر مأثمة عبيد اللّه و شمر و لا تنقص منها.
و لقد كانا على العهد بمثليهما، كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه و بين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه، فلا يصدر منهما
[1]تاريخ الطبري 4: 614، الكامل في التاريخ 3: 283-284، تذكرة الخواص 248.