بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 190

فاقترح عليه أن يبعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من ليس يغني في الحرب عنهم.. فأبى ابن زياد إلاّ أن يسير إلى الحسين أو ينزل عن ولاية الري.. فسار على مضض و جنوده متثاقلون متحرّجون، إلاّ زعانف المرتزقة الذين ليس لهم من خلاق‌[1].

و كان جنود الجيش يتسلّلون منه و يتخلّفون بالكوفة.. فندب عبيد اللّه رجلا من أعوانه-هو سعد بن عبد الرحمان المنقري-ليطوف بها و يأتيه بمن تخلّف عن المسير لقتال الحسين، و ضرب عنق رجل جي‌ء به و قيل: إنّه من المتخلّفين، فأسرع بقيّتهم إلى المسير[2].

و قد أدرك الجيش الحسين و هو بكربلاء على نحو من خمسة و عشرين ميلا إلى الشمال الغربي من الكوفة. نزل بها في الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستّين.

و خلا الجوّ في الكوفة لرجلين اثنين يسابق كلاهما صاحبه في اللؤم و سوء الطويّة، و ينفردان بتصريف الأمر في قضيّة الحسين دون مراجعة من ذي سلطان. و هما: عبيد اللّه بن زياد، و شمر بن ذي الجوشن.

عبيد اللّه المغموز النسب الذي لا يشغله شي‌ء، كما يشغله التشفّي لنسبه المغموز من رجل هو بلا مراء أعرق العرب نسبا في الجاهليّة و الإسلام.. فليس أشهى إليه من فرصة ينزّل فيها ذلك الرجل على حكمه، و يشعره فيها بذلّه و رغمه.

[1]راجع المصادر المتقدّمة.

[2]لاحظ الأخبار الطوال 254-255.


صفحه 191

شمر بن ذي الجوشن‌

و شمر بن ذي الجوشن الأبرص الكريه الذي يمضّه من الحسين ما يمضّ كلّ لئيم مشنوء من كلّ كريم محبوب و سيم.

و كان كلاهما يفهم لؤم صاحبه و يعطيه فيه حقّه و عذره، فهما في هذه الخلّة متناصحان متفاهمان!

و لم يكن أيسر من حلّ قضيّة الحسين على وجه يرضي يزيد و يمهّد له الولاء في قلوب المسلمين و لو إلى حين.. لو لا ذلك الضغن الممتزج بالخليقة الذي هو كسكر المخمور لا موضع معه لرأي مصيب، و لا لتفكير في عاقبة بعيدة أو قريبة.

فالحسين في أيديهم ليس أيسر عليهم من اعتقاله و إبقائه بأعينهم في مكان ينال فيه الكرامة و لا يتحفّز لثورة.

لكنّهما لم يفكّرا في أيسر شي‌ء و لا أنفع شي‌ء للدولة التي يخدمانها، و إنّما فكّرا في النسب المغموز و الصورة الممسوخة، فلم يكن لهما من همّ غير إرغام الحسين و إشهاد الدنيا كلّها على إرغامه.

تلقّى ابن زياد من عمر بن سعد كتابا يقول فيه: «إنّ الحسين أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في يده»[1].

[1]تاريخ أبي مخنف 1: 448 و 450، الإرشاد 2: 87، الكامل في التاريخ 3: 284، البداية و النهاية 8: 170 و 175، سمط النجوم العوالي 3: 175.


صفحه 192

و الذي نراه نحن من مراجعة الحوادث و الأسانيد أنّ الحسين ربّما اقترح الذهاب إلى يزيد ليرى رأيه، و لكنّه لم يعدهم أن يبايعه أو يضع يده في يده؛ لأنّه لو قبل ذلك لبايع في مكانه و استطاع عمر بن سعد أن يذهب به إلى وجهته، و لأنّ أصحاب الحسين في خروجه إلى العراق قد نفوا ما جاء في ذلك الكتاب، و منهم عقبة بن سمعان حيث كان يقول: «صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة و من مكّة إلى العراق، و لم أفارقه حتّى قتل، و سمعت جميع مخاطباته إلى الناس إلى يوم قتله.. فو اللّه ما أعطاهم ما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد و لا أن يسيّروه إلى ثغر من الثغور، و لكنّه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس»[1].

و لعلّ عمر بن سعد قد تجوّز في نقل كلام الحسين عمدا؛ ليأذنوا له في حمله إلى يزيد، فيلقي عن كاهله مقاتلته و ما تجرّ إليه من سوء القالة و وخز الضمير، أو لعلّ الأعوان الأمويين قد أشاعوا عن الحسين اعتزامه للمبايعة؛ ليلزموا بالبيعة أصحابه من بعده، و يسقطوا حجّتهم في مناهضة الدولة الأمويّة.

و أيّا كانت الحقيقة في هذه الدعوى فهي تكبّر مأثمة عبيد اللّه و شمر و لا تنقص منها.

و لقد كانا على العهد بمثليهما، كلاهما كفيل أن يحول بين صاحبه و بين خالجة من الكرم تخامره أو تغالب اللؤم الذي فطر عليه، فلا يصدر منهما

[1]تاريخ الطبري 4: 614، الكامل في التاريخ 3: 283-284، تذكرة الخواص 248.


صفحه 193

إلاّ ما يوائم لئيمين لا يتّفقان على خير.

و كأنّما جنح عبيد اللّه إلى شي‌ء من الهوادة حين جاءه كتاب عمر بن سعد، فابتدره شمر ينهاه و يجنح إلى الشدّة و الاعتساف، فقال له:

- «أ تقبل هذا منه و قد نزل بأرضك و إلى جنبك؟!و اللّه لئن رحل من بلادك و لم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة و العزّة و لتكوننّ أولى بالضعف و العجز.. فلا تعطه هذه المنزلة، و لكن لينزل على حكمك هو و أصحابه، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة، و إن عفوت كان ذلك لك» .

ثمّ أراد أن يوقع بعمر و يتّهمه عند عبيد اللّه؛ ليخلفه في القيادة ثمّ يخلفه في الولاية، فذكر لعبيد اللّه أنّ الحسين و عمر يتحدّثان عامّة الليل بين المعسكرين.

فعدل عبيد اللّه إلى رأي شمر و أنفذه بأمر منه أن يضرب عنق عمر إن هو تردّد في إكراه الحسين على المسير إلى الكوفة أو مقاتلته حتّى يقتل.

و كتب إلى عمر يقول له:

«أمّا بعد: فإنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه و لا لتمنّيه السلامة و البقاء و لا لتطاوله و لا لتعتذر عنه و لا لتقعد له عندي شافعا.. انظر فإن نزل الحسين و أصحابه على الحكم و استسلموا فابعث بهم إليّ مسلّما، و إن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم و تمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون. فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره و ظهره، فإنّه عاق مشاق قاطع ظلوم.. فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، و إن أنت أبيت فاعتزل‌


صفحه 194

جندنا و خلّ بين شمر بن ذي الجوشن و بين العسكر، و السلام!»[1].

و ختمت مأساة كربلاء كلّها بعد أيام معدودات. و لكنّها أيام بقيت لها جريرة لم يحمدها طالب منفعة و لا طالب مروءة، و مضت مئات السنين و هي لا تمحو آثار تلك الأيام في تاريخ الشرق و الإسلام.

[1]راجع: تاريخ الطبري 4: 615، العقد الفريد 5: 128، الإرشاد 2: 88، إعلام الورى 1: 453، الكامل في التاريخ 3: 284، تذكرة الخواص 248، تاريخ أبي الفداء 1:

265، البداية و النهاية 8: 170 و 175، سمط النجوم العوالي 3: 176.


صفحه 195

هل أصاب؟


صفحه 196

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 197

هل أصاب؟

خطأ الشهداء

خروج الحسين من مكّة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليوميّة؛ لأنّها حركة من أندر حركات التأريخ في باب الدعوة الدينيّة أو الدعوة السياسيّة.. لا تتكرر كلّ يوم، و لا يقوم بها كلّ رجل، و لا يأتي الخطأ فيها-إن أصابت-من نحو واحد ينحصر القول فيه، و لا يأتي الخطأ فيها-إن أخطأت-من سبب واحد يمتنع الاختلاف عليه. و قد يكون العرف فيها بين أصوب الصواب و أخطأ الخطأ فرقا صغيرا من فعل المصادفة و التوفيق، فهو خليق أن يذهب إلى النقيضين.

هي حركة لا يأتي بها إلاّ رجال خلقوا لأمثالها، فلا تخطر لغيرهم على بال؛ لأنّها تعلو على حكم الواقع القريب الذي يتوّخاه في مقاصده سالك الطريق اللاحب و الدرب المطروق.

هي حركة فذّة يقدم عليها رجال أفذاذ، من اللغو أن ندينهم بما يعمله رجال من غير هذا المعدن و على غير هذه الوتيرة؛ لأنّهم يحسّون و يفهمون و يطلبون غير الذي يحسّه و يفهمه و يطلبه أولئك الرجال.