و أنّك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجّة على الناس[1].
و قالوا: إنّ يزيد كفّ عن كثير ممّا كان يصنع بعد هذه النصيحة[2]، و إنّ معاوية أخذ برأي زياد في التؤدة، فلم يجهر بعقد البيعة حتّى مات زياد.
و قد أحسّ معاوية الامتعاض من بيته قبل أن يحسّه من الغرباء عنه.
فكانت امرأته فاختة بنت قرظة بن حبيب بن عبد شمس تكره بيعة يزيد، و تودّ لو آثر بالبيعة ابنها عبد اللّه، فقالت له:
- «ما أشار به عليك المغيرة؟.. أراد أن يجعل لك عدوّا من نفسك يتمنّى هلاكك كلّ يوم» .
و اشتدّت نقمة مروان بن الحكم-و هو أقرب الأقرباء إلى معاوية- حين بلغته دعوة العهد ليزيد، فأبى أن يأخذ العهد له من أهل المدينة، و كتب إلى معاوية: «إنّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك» .
فعزله معاوية من ولاية المدينة، و ولاّها سعيد بن العاص.
فأوشك مروان أن يثور و يعلن الخورج، و ذهب إلى أخواله من بني كنانة، فنصروه، و قالوا له:
- «نحن نبلك في يدك و سيفك في قرابك. فمن رميته بنا أصبناه و من
[1]تاريخ الطبري 4: 518-519، المنتظم 5: 285-286، الكامل في التاريخ 3:
249-250، تاريخ الخلفاء للسيوطي 205، سمط النجوم العوالي 3: 147-148.
[2]كابن كثير-على عادته-في البداية و النهاية 8: 79.
غ
ضربته قطعناه.. الرأي رأيك، و نحن طوع يمينك» .
ثمّ أقبل مروان في وفد منهم كثير إلى دمشق، فذهب إلى قصر معاوية و قد أذن للناس، فمنعه الحاجب؛ لكثرة من رأى معه، فضربوه، و اقتحموا الباب. و دخل مروان و هم معه حتّى سلّم على معاوية و أغلظ له القول.
فخاف معاوية هذا الجمع من وجوه قومه و ترضّى مروان ما استطاع، و جعل له ألف دينار كلّ شهر و مائة لمن كان معه من أهل بيته[1].
و لم يكن مروان وحده بالغاضب بين بني أميّة من بيعة يزيد، بل كان سعيد بن عثمان بن عفّان يرى أنّه أحقّ منه بالخلافة؛ لأنّه ابن عثمان الذي تذرّع معاوية إلى الخلافة باسمه. فقال لمعاوية:
- «يا أمير المؤمنين!علام تبايع ليزيد و تتركني!.. فو اللّه لتعلم أنّ أبي خير من أبيه، و أمّي خير من أمّه، و أنّك إنّما نلت ما نلت بأبي» .
فسرّى معاوية عنه، و قال له ضاحكا هاشّا:
- «يا ابن أخي!.. أمّا قولك: إنّ أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، و أمّا قولك: إنّ أمّك خير من أمّه، ففضل قرشيّة على كلبيّة فضل بيّن، و أمّا أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنّما الملك يؤتيه اللّه من يشاء.. قتل أبوك;فتواكلته بنو العاص و قامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منّة عليك، و أمّا أن تكون خيرا من يزيد فو اللّه ما أحبّ أنّ داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد. و لكن دعني من هذا القول، و سلني
[1]الإمامة و السياسة 1: 197-199، مروج الذهب 3: 38.
أعطك» ، و ولاّه خراسان[1].
فكان أكبر بني أميّة أعظمهم أملا في الخلافة بعد معاوية، و كان بغضهم لبيعة يزيد على قدر أملهم فيها، و هؤلاء-و إن جمعتهم مصلحة الأسرة فترة من الزمن-لم تكن منافستهم هذه ليزيد بالعلامة التي تؤذن بالبقاء و تبشّره بالضمان و القرار.
و على هذا النحو ولدت بيعة يزيد بين التوجّس و المساومة و الإكراه، و بهذه الجفوة قوبلت بين أخلص الأعوان و أقرب القرباء.
و ظهر من اللحظات الأولى أنّ المغيرة بن شعبة كان سمسارا يصافق على ما لا يملك.. فقد ضمن الكوفة و البصرة و منع الخلاف في غيرهما.
فإذا الكوفة أوّل من كره بيعة يزيد، و إذا البصرة تتلكّأ في الجواب و واليها يرجئ الأمر و يوصي بالتمهّل فيه فلا يقدم عليه معاوية في حياته، و إذا أطراف الدولة من ناحية همذان تثور، و إذا بالحجاز يستعصي على بني أميّة سنوات، و إذا باليمن ليس فيها نصير للأمويين، و لو وجدت خارجا يعلن الثورة عليهم لكانت ثورتها كثورة الحجاز.
بل يجوز أن يقال-ممّا ظهر في حركة الحسين كلّ الظهور-: إنّ الشام نفسها لم تنطو على رجل يؤمن بحقّ يزيد و بطلان دعوى الحسين.
فقد كانوا يتحرّجون من حرب الحسين و يتسلّل من استطاع منهم التسلّل قبل لقائه، إلاّ أن يهدّد بقطع الأرزاق و قطع الرقاب.
[1]الإمامة و السياسة 1: 213-214، الفتوح لابن أعثم 4: 184-185، الأغاني 18:
187-188، الكامل في التاريخ 3: 253، البداية و النهاية 8: 79 و 80.
و الحوادث التي تلت حركة الحسين إلى ختام عهد يزيد أدلّ ممّا تقدّم على اضطراب عهده و قلّة ضمانه؛ لأنّ الأحداث و النذر لم تزل تتوالى بقيّة حياته و بعد موته بسنين.
و نحن اليوم نعلم من التأريخ كيف انتهت هذه الحوادث و النذر في عهد يزيد أو بعد عهده، فيخيّل إلينا أنّ عواقبها لم تكن تحتمل الشكّ و لم يكن بها من خفاء. و لكن الذين استقبلوها كانوا خلقاء ألاّ يروا فيها طوالع ملك تعنو له الرؤوس[1]و يرجى له طول البقاء.
بواعث الخروج
نعم، كانت هناك ندحة[2]عن الخروج لو كان يزيد في الخلافة رضى المسلمين من العقل و الخلق و سلامة التدبير و عزّة الموئل[3]و الدولة، و كان المسلمون قد توافوا على اختياره لحبّهم إياه و تعظيمهم لعقله و خلقه و اطمئنانهم إلى سياسته و اعتمادهم على صلاحه و إصلاحه.
و لكنّه على نقيض ذلك، كان-كما علمنا-رجلا هازلا في أحوج الدول إلى الجدّ، لا يرجى له صلاح و لا يرجى منه إصلاح. و كان اختياره لولاية العهد مساومة مكشوفة قبض كلّ مساهم فيها ثمن رضاه و معونته جهرة و علانية من المال أو الولاية أو المصانعة، و لو قبضوا مثل هذا الثمن
[1]تعنو له الرؤوس، أي: تخضع و تذلّل له. (العين للفراهيدي 2: 252) .
[2]ندحة: سعة. (صحاح اللغة 1: 409) .
[3]الموئل: الملجأ. (المصدر السابق 5: 1838) .
ليبايعوا وليّا للعهد شرّا من يزيد لما همّهم أن يبايعوه و إن تعطّلت حدود الدين و تقوّضت معالم الأخلاق.
و أعجب شيء أن يطلب إلى حسين بن علي أن يبايع مثل هذا الرجل و يزكّيه أمام المسلمين و يشهد له عندهم أنّه نعم الخليفة المأمول صاحب الحقّ في الخلافة و صاحب القدرة عليها. و لا مناص للحسين من خصلتين:
هذه، أو الخروج!.. لأنّهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر، لا له و لا عليه.
إنّ بعض المؤرّخين من المستشرقين و ضعاف الفهم من الشرقيين ينسون هذه الحقيقة و لا يولونها نصيبها من الرجحان في كفّ الميزان[1].
و كان خليقا بهؤلاء أن يذكروا أنّ مسألة العقيدة الدينيّة في نفس الحسين لم تكن مسألة مزاج أو مساومة، و أنّه كان رجلا يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام و يعتقد أشدّ الاعتقاد أنّ تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به و بأهله و بالأمّة العربيّة قاطبة في حاضرها و مصيرها، لأنّه مسلم، و لأنّه سبط محمّد.. فمن كان إسلامه هداية نفس فالإسلام عند الحسين هداية نفس و شرف بيت.
و قد لبث بنو أميّة بعد مصرعه ستّين سنة يسبّونه و يسبّون أباه على
[1]كصاحب المحاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأمويّة) 2: 130، و كالأب لا مانس الفرنسي كما حكي عنه في المجالس الحسينيّة 133.
و للاطّلاع بصورة مفصّلة و واضحة على موقف المستشرقين في المسألة راجع كتاب:
سيرة الأئمّة الاثني عشر 2: 88-90.
المنابر، و لم يجسر أحد منهم قط على المساس بورعه و تقواه و رعايته لأحكام الدين في أصغر صغيرة يباشرها المرء سرّا أو علانية، و حاولوا أن يعيبوه بشيء غير خروجه على دولتهم، فقصرت ألسنتهم و ألسنة الصنائع و الأجراء دون ذلك.
فكيف يواجه مثل هذا الرجل خطرا على الدين في رأس الدولة و عرش الخلافة مواجهة الهوادة و المشايعة و التأمين؟!و كيف يسام أن يرشح للإمامة من لا شفاعة له و لا كفاية فيه إلاّ أنّه ابن أبيه؟!
لقد كان أبوه معاوية على كفاءة و وقار و حنكة و دراية بشؤون الملك و الرئاسة، و كان له-مع هذا-نصحاء و مشيرون أولو براعة و أحلام تكبح من السلطان ما جمح و تقيم ما انحرف و تملي له فيما عجز عنه.
و هذا ابنه القائم في مقامه لا كفاءة و لا وقار و لا نصحاء و لا مشيرون، إلاّ من كان عونا على شرّا أو موافقا على ضلالة!فما عسى أن تكون الشهادة له بالصلاح للإمامة إلاّ تغريرا بالناس و قناعة بالسلامة أو الأجر المبذول على هذا التغرير.
ثمّ هي خطوة لا رجعة بعدها إذا أقدم عليها الحسين بما أثر عنه من الوفاء و صدق السريرة. فإذا بايع يزيد فقد وفى له بقيّة حياته كما وفى لمعاوية بما عاهده عليه، و لا سيّما حين يبايع يزيد على علم بكلّ نقيصة فيه قد يتعلّل بها المتعلّل لنقض البيعة و انتحال أسباب الخروج.
فملك يزيد لم يقم على شيء واحد يرضاه الحسين لدينه أو لشرفه أو للأمة الإسلاميّة. و من طلب منه أن ينصر هذا الملك فإنّما يطلب منه أن
ينصر ملكا ينكر كلّ دعواه و لا يحمد له حالة من الأحوال.
و لا تنس-بعد هذا كلّه-أنّ هذا الملك كان يقرّر دعائمه في أذهان الناس بالغضّ من الحسين في سمعة أبيه و كرامة شيعته و مريديه.
فكانوا يسبّون عليّا على المنابر و ينعتونه بالكذب و المروق و العصيان، و كانوا يتحرّون أنصاره حيث كانوا، فيقهرونهم على سبّه و النيل منه بمشهد من الناس، و إلاّ أصابهم العنت و العذاب و شهّروا في الأسواق بالصلب و الهوان.
فمجاراة هذه الأمور كلّها في مفتتح ملك جديد معناه: أنّها سنّة قد وجبت و استقرّت الجيل بعد الجيل بغير أمل في التغيير و التبديل. فمن أقرّ هذه السنّة في مفتتح هذا الملك الجديد فقد ضعف أمله و ضعف أمل أنصاره فيه يوما بعد يوم، و ازداد مع الزمن ضعفا كما ازدادت حجّة خصومه قوّة عليه.
هذه هي البواعث النفسيّة التي كانت تجيش في صدر الحسين يوم دعاه أولياء بني أميّة إلى مبايعة يزيد و النزول على كلّ حقّ له و لأبنائه و لأسرته في إمامة المسلمين كائنا من كان القائم بالأمر و بالغا ما بلغ من قلّة الصلاح و بطلان الحجّة.
و هي بواعث لا تثنيه عن الخروج، و لا تزال تلحّ عليه في اتّخاذ طريق واحد من طريقين لا معدل عنهما، و هما: الخروج إن كان لا بدّ خارجا في وقت من الأوقات، أو التسليم بما ليست ترضاه له مروءة و لا يرضاه له إيمان.
مصرع و انتصار
أمّا نتائج الحركة كلّها-إذا نظرنا إليها نظرة واسعة-فهي أنجح للقضيّة التي كان ينصرها من مبايعة يزيد.
فقد صرع الحسين عام خروجه، و لحق به يزيد بعد ذلك بأقلّ من أربع سنوات[1].
و لم تنقض ستّ سنوات على مصرع الحسين حتّى حاق الجزاء بكلّ رجل أصابه في كربلاء، فلم يكد يسلم منهم أحد من القتل و التنكيل مع سوء السمعة و وسواس الضمير[2].
و لم تعمر دولة بني أميّة بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين نيّف و ستّون سنة![3].. و كان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتّى قضى عليها، و أصبحت ثارات الحسين نداء كلّ دولة تفتح لها طريقا إلى الأسماع و القلوب.
[1]و ذلك في سنة 64 هـ.
راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 63، الكامل في التاريخ 3: 316.
[2]قارن ذلك في: تاريخ أبي مخنف 2: 140-151، تاريخ أبي الفداء 1: 270-271، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 55-57، سمط النجوم العوالي 3: 234-236 و 240-241.
[3]حيث كانت نهايتها سنة 132 هـ بقتل مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم الأموي الملقّب بالحمار.
لاحظ أحداث هذه السنة في: تاريخ خليفة 260-268، مرآة الجنان 1: 216-219.