و الحوادث التي تلت حركة الحسين إلى ختام عهد يزيد أدلّ ممّا تقدّم على اضطراب عهده و قلّة ضمانه؛ لأنّ الأحداث و النذر لم تزل تتوالى بقيّة حياته و بعد موته بسنين.
و نحن اليوم نعلم من التأريخ كيف انتهت هذه الحوادث و النذر في عهد يزيد أو بعد عهده، فيخيّل إلينا أنّ عواقبها لم تكن تحتمل الشكّ و لم يكن بها من خفاء. و لكن الذين استقبلوها كانوا خلقاء ألاّ يروا فيها طوالع ملك تعنو له الرؤوس[1]و يرجى له طول البقاء.
بواعث الخروج
نعم، كانت هناك ندحة[2]عن الخروج لو كان يزيد في الخلافة رضى المسلمين من العقل و الخلق و سلامة التدبير و عزّة الموئل[3]و الدولة، و كان المسلمون قد توافوا على اختياره لحبّهم إياه و تعظيمهم لعقله و خلقه و اطمئنانهم إلى سياسته و اعتمادهم على صلاحه و إصلاحه.
و لكنّه على نقيض ذلك، كان-كما علمنا-رجلا هازلا في أحوج الدول إلى الجدّ، لا يرجى له صلاح و لا يرجى منه إصلاح. و كان اختياره لولاية العهد مساومة مكشوفة قبض كلّ مساهم فيها ثمن رضاه و معونته جهرة و علانية من المال أو الولاية أو المصانعة، و لو قبضوا مثل هذا الثمن
[1]تعنو له الرؤوس، أي: تخضع و تذلّل له. (العين للفراهيدي 2: 252) .
[2]ندحة: سعة. (صحاح اللغة 1: 409) .
[3]الموئل: الملجأ. (المصدر السابق 5: 1838) .
ليبايعوا وليّا للعهد شرّا من يزيد لما همّهم أن يبايعوه و إن تعطّلت حدود الدين و تقوّضت معالم الأخلاق.
و أعجب شيء أن يطلب إلى حسين بن علي أن يبايع مثل هذا الرجل و يزكّيه أمام المسلمين و يشهد له عندهم أنّه نعم الخليفة المأمول صاحب الحقّ في الخلافة و صاحب القدرة عليها. و لا مناص للحسين من خصلتين:
هذه، أو الخروج!.. لأنّهم لن يتركوه بمعزل عن الأمر، لا له و لا عليه.
إنّ بعض المؤرّخين من المستشرقين و ضعاف الفهم من الشرقيين ينسون هذه الحقيقة و لا يولونها نصيبها من الرجحان في كفّ الميزان[1].
و كان خليقا بهؤلاء أن يذكروا أنّ مسألة العقيدة الدينيّة في نفس الحسين لم تكن مسألة مزاج أو مساومة، و أنّه كان رجلا يؤمن أقوى الإيمان بأحكام الإسلام و يعتقد أشدّ الاعتقاد أنّ تعطيل حدود الدين هو أكبر بلاء يحيق به و بأهله و بالأمّة العربيّة قاطبة في حاضرها و مصيرها، لأنّه مسلم، و لأنّه سبط محمّد.. فمن كان إسلامه هداية نفس فالإسلام عند الحسين هداية نفس و شرف بيت.
و قد لبث بنو أميّة بعد مصرعه ستّين سنة يسبّونه و يسبّون أباه على
[1]كصاحب المحاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأمويّة) 2: 130، و كالأب لا مانس الفرنسي كما حكي عنه في المجالس الحسينيّة 133.
و للاطّلاع بصورة مفصّلة و واضحة على موقف المستشرقين في المسألة راجع كتاب:
سيرة الأئمّة الاثني عشر 2: 88-90.
المنابر، و لم يجسر أحد منهم قط على المساس بورعه و تقواه و رعايته لأحكام الدين في أصغر صغيرة يباشرها المرء سرّا أو علانية، و حاولوا أن يعيبوه بشيء غير خروجه على دولتهم، فقصرت ألسنتهم و ألسنة الصنائع و الأجراء دون ذلك.
فكيف يواجه مثل هذا الرجل خطرا على الدين في رأس الدولة و عرش الخلافة مواجهة الهوادة و المشايعة و التأمين؟!و كيف يسام أن يرشح للإمامة من لا شفاعة له و لا كفاية فيه إلاّ أنّه ابن أبيه؟!
لقد كان أبوه معاوية على كفاءة و وقار و حنكة و دراية بشؤون الملك و الرئاسة، و كان له-مع هذا-نصحاء و مشيرون أولو براعة و أحلام تكبح من السلطان ما جمح و تقيم ما انحرف و تملي له فيما عجز عنه.
و هذا ابنه القائم في مقامه لا كفاءة و لا وقار و لا نصحاء و لا مشيرون، إلاّ من كان عونا على شرّا أو موافقا على ضلالة!فما عسى أن تكون الشهادة له بالصلاح للإمامة إلاّ تغريرا بالناس و قناعة بالسلامة أو الأجر المبذول على هذا التغرير.
ثمّ هي خطوة لا رجعة بعدها إذا أقدم عليها الحسين بما أثر عنه من الوفاء و صدق السريرة. فإذا بايع يزيد فقد وفى له بقيّة حياته كما وفى لمعاوية بما عاهده عليه، و لا سيّما حين يبايع يزيد على علم بكلّ نقيصة فيه قد يتعلّل بها المتعلّل لنقض البيعة و انتحال أسباب الخروج.
فملك يزيد لم يقم على شيء واحد يرضاه الحسين لدينه أو لشرفه أو للأمة الإسلاميّة. و من طلب منه أن ينصر هذا الملك فإنّما يطلب منه أن
ينصر ملكا ينكر كلّ دعواه و لا يحمد له حالة من الأحوال.
و لا تنس-بعد هذا كلّه-أنّ هذا الملك كان يقرّر دعائمه في أذهان الناس بالغضّ من الحسين في سمعة أبيه و كرامة شيعته و مريديه.
فكانوا يسبّون عليّا على المنابر و ينعتونه بالكذب و المروق و العصيان، و كانوا يتحرّون أنصاره حيث كانوا، فيقهرونهم على سبّه و النيل منه بمشهد من الناس، و إلاّ أصابهم العنت و العذاب و شهّروا في الأسواق بالصلب و الهوان.
فمجاراة هذه الأمور كلّها في مفتتح ملك جديد معناه: أنّها سنّة قد وجبت و استقرّت الجيل بعد الجيل بغير أمل في التغيير و التبديل. فمن أقرّ هذه السنّة في مفتتح هذا الملك الجديد فقد ضعف أمله و ضعف أمل أنصاره فيه يوما بعد يوم، و ازداد مع الزمن ضعفا كما ازدادت حجّة خصومه قوّة عليه.
هذه هي البواعث النفسيّة التي كانت تجيش في صدر الحسين يوم دعاه أولياء بني أميّة إلى مبايعة يزيد و النزول على كلّ حقّ له و لأبنائه و لأسرته في إمامة المسلمين كائنا من كان القائم بالأمر و بالغا ما بلغ من قلّة الصلاح و بطلان الحجّة.
و هي بواعث لا تثنيه عن الخروج، و لا تزال تلحّ عليه في اتّخاذ طريق واحد من طريقين لا معدل عنهما، و هما: الخروج إن كان لا بدّ خارجا في وقت من الأوقات، أو التسليم بما ليست ترضاه له مروءة و لا يرضاه له إيمان.
مصرع و انتصار
أمّا نتائج الحركة كلّها-إذا نظرنا إليها نظرة واسعة-فهي أنجح للقضيّة التي كان ينصرها من مبايعة يزيد.
فقد صرع الحسين عام خروجه، و لحق به يزيد بعد ذلك بأقلّ من أربع سنوات[1].
و لم تنقض ستّ سنوات على مصرع الحسين حتّى حاق الجزاء بكلّ رجل أصابه في كربلاء، فلم يكد يسلم منهم أحد من القتل و التنكيل مع سوء السمعة و وسواس الضمير[2].
و لم تعمر دولة بني أميّة بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين نيّف و ستّون سنة![3].. و كان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتّى قضى عليها، و أصبحت ثارات الحسين نداء كلّ دولة تفتح لها طريقا إلى الأسماع و القلوب.
[1]و ذلك في سنة 64 هـ.
راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 63، الكامل في التاريخ 3: 316.
[2]قارن ذلك في: تاريخ أبي مخنف 2: 140-151، تاريخ أبي الفداء 1: 270-271، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 55-57، سمط النجوم العوالي 3: 234-236 و 240-241.
[3]حيث كانت نهايتها سنة 132 هـ بقتل مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم الأموي الملقّب بالحمار.
لاحظ أحداث هذه السنة في: تاريخ خليفة 260-268، مرآة الجنان 1: 216-219.
و لإصابة هذه الحركة في نتائجها الواسعة دخل في روع بعض المؤرّخين أنّها تدبير من الحسين رضي اللّه عنه، توخّاه منذ اللحظة الأولى و علم موعد النصر فيه.. فلم يخامره الشكّ في مقتله ذلك العام، و لا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق لا محالة بقاتليه بعد أعوام.
فقال ماربين الألماني في كتابه (السياسة الإسلاميّة) : «إنّ حركة الحسين في خروجه على يزيد إنّما كانت عزمة قلب كبير عزّ عليه الإذعان و عزّ عليه النصر العاجل، فخرج بأهله و ذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته، و يحيي به قضيّة مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة» .
فإن لم يكن رأي الكاتب حقّا كلّه، فبعضه على الأقلّ حقّ لا شكّ فيه، و يصدق ذلك-في رأينا-على حركة الحسين بعد أن حيل بينه و بين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه، فآثر الموت كيفما كان، و لم يجهل ما يحيق ببني أميّة من جرّاء قتله.. فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه ما لم يكن ليبلغه بالنجاة من وقعة كربلاء.
و قد جرى ذكر الموت على لسان الحسين من خطوته الأولى و هو يتهيّأ للرحيل و يودّع أصحابه في الحجاز. فقال لهم: «إنّ الموت حقّ على ولد آدم»[1].
و لم يخف عليه أنّه يركب الخطّة التي لا يبالي راكبها ما يصيبه من ذلك القضاء.
[1]كشف الغمّة 2: 241، مع اختلاف.
لكنّه لم يكن ييأس من إقناع الناس و التفافهم به منذ خطوته الأولى، و لم يعقد عزمه على ملاقاة الموت حتّى ساموه الرغم و أبوا عليه أن ينصرف إلى أيّ منصرف قبل التسليم المبين مسوقا على الكره منه إلى عبيد اللّه بن زياد.
و تتباين آراء المتأخّرين خاصّة في خروج الحسين بنسائه و أبنائه، أكان هو الأحزم و الأكرم؟أم كان الأحزم و الأكرم أن يخرج بمفرده حتّى يرى ما يكون من استجابة الناس له أو إعراضهم عنه و ضعفهم في تأييده[1]؟
و ليس للمتأخّرين أن يقضوا في مسألة كهذه بعقولهم و عاداتهم؛ لأنّها مسألة يقضى فيها بحكم العقل العربي و عاداته في أشباه هذه المواقف.
و قد كان اصطحاب النساء و الأبناء عادة عربيّة في البعوث التي يتصدّى لها المرء متعمّدا القتال دون غيره فضلا عن البعوث التي قد تشتبك في القتال و قد تنتهي بسلام كبعثة الحسين.
فكان المقاتلون في وقعة ذي قار يصطحبون حلائلهم و ذراريهم و يقطعون وضن الرواحل-أي: أحزمتها[2]-قبل خوض المعركة[3]، و كان المسلمون و المشركون معا يصطحبون الحلائل و الذراري في غزوات
[1]انظر كتاب الحسن و الحسين لمحمّد رضا 89.
[2]لاحظ لسان العرب 15: 330.
[3]مروج الذهب 2: 326، البداية و النهاية 7: 46، القادسيّة 143.
النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم[1]، و كان مع المسلمين في حرب الروم صفوة نساء قريش و عقائل بيوتاتها[2]، و كان النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يصطحب زوجة أو أكثر من زوجة في غزواته و حروبه[3]، و حكم الواحدة هنا حكم الكثيرات.
و هي عادة عربيّة عريقة يقصدون بها الإشهاد على غاية العزم و صدق النيّة فيما هم مقبلون عليه.
و في معلّقة ابن كلثوم[4]إشارة مجملة إلى معنى هذه العادة العربيّة من قديم عصورها، حيث يقول:
على آثارنا بيض حسان # نحاذر أن تقسّم أو تهونا
يقتن جيادنا و يقلن: لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا[5]
و قد كان الحسين رضى اللّه عنه يندب الناس لجهاد يخوضونه إن قضى عليهم أن يخوضوه، فلا يبالون ما يصيبهم في أنفسهم و في أبنائهم و أموالهم؛ لأنّهم
[1]أيام العرب في الإسلام 41-42.
[2]الكامل في التاريخ 2: 284 و 352.
[3]البداية و النهاية 4: 160.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (51) .
[5]ديوان عمرو بن كلثوم 86-87.
و بين البيتين المذكورين توجد أربعة أبيات هي:
أخذن على بعولتهنّ عهدا # إذا لاقوا كتائب معلمينا
لتستلبنّ أفراسا و بيضا # و أسرى في الحديد مقرّنينا
ترانا بارزين و كلّ حيّ # قد اتّخذوا مخافتنا قرينا
إذا مارحن يمشين الهوينى # كما اضطربت متون الشاربينا
غ