ينصر ملكا ينكر كلّ دعواه و لا يحمد له حالة من الأحوال.
و لا تنس-بعد هذا كلّه-أنّ هذا الملك كان يقرّر دعائمه في أذهان الناس بالغضّ من الحسين في سمعة أبيه و كرامة شيعته و مريديه.
فكانوا يسبّون عليّا على المنابر و ينعتونه بالكذب و المروق و العصيان، و كانوا يتحرّون أنصاره حيث كانوا، فيقهرونهم على سبّه و النيل منه بمشهد من الناس، و إلاّ أصابهم العنت و العذاب و شهّروا في الأسواق بالصلب و الهوان.
فمجاراة هذه الأمور كلّها في مفتتح ملك جديد معناه: أنّها سنّة قد وجبت و استقرّت الجيل بعد الجيل بغير أمل في التغيير و التبديل. فمن أقرّ هذه السنّة في مفتتح هذا الملك الجديد فقد ضعف أمله و ضعف أمل أنصاره فيه يوما بعد يوم، و ازداد مع الزمن ضعفا كما ازدادت حجّة خصومه قوّة عليه.
هذه هي البواعث النفسيّة التي كانت تجيش في صدر الحسين يوم دعاه أولياء بني أميّة إلى مبايعة يزيد و النزول على كلّ حقّ له و لأبنائه و لأسرته في إمامة المسلمين كائنا من كان القائم بالأمر و بالغا ما بلغ من قلّة الصلاح و بطلان الحجّة.
و هي بواعث لا تثنيه عن الخروج، و لا تزال تلحّ عليه في اتّخاذ طريق واحد من طريقين لا معدل عنهما، و هما: الخروج إن كان لا بدّ خارجا في وقت من الأوقات، أو التسليم بما ليست ترضاه له مروءة و لا يرضاه له إيمان.
مصرع و انتصار
أمّا نتائج الحركة كلّها-إذا نظرنا إليها نظرة واسعة-فهي أنجح للقضيّة التي كان ينصرها من مبايعة يزيد.
فقد صرع الحسين عام خروجه، و لحق به يزيد بعد ذلك بأقلّ من أربع سنوات[1].
و لم تنقض ستّ سنوات على مصرع الحسين حتّى حاق الجزاء بكلّ رجل أصابه في كربلاء، فلم يكد يسلم منهم أحد من القتل و التنكيل مع سوء السمعة و وسواس الضمير[2].
و لم تعمر دولة بني أميّة بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين نيّف و ستّون سنة![3].. و كان مصرع الحسين هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتّى قضى عليها، و أصبحت ثارات الحسين نداء كلّ دولة تفتح لها طريقا إلى الأسماع و القلوب.
[1]و ذلك في سنة 64 هـ.
راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 63، الكامل في التاريخ 3: 316.
[2]قارن ذلك في: تاريخ أبي مخنف 2: 140-151، تاريخ أبي الفداء 1: 270-271، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 55-57، سمط النجوم العوالي 3: 234-236 و 240-241.
[3]حيث كانت نهايتها سنة 132 هـ بقتل مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم الأموي الملقّب بالحمار.
لاحظ أحداث هذه السنة في: تاريخ خليفة 260-268، مرآة الجنان 1: 216-219.
و لإصابة هذه الحركة في نتائجها الواسعة دخل في روع بعض المؤرّخين أنّها تدبير من الحسين رضي اللّه عنه، توخّاه منذ اللحظة الأولى و علم موعد النصر فيه.. فلم يخامره الشكّ في مقتله ذلك العام، و لا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق لا محالة بقاتليه بعد أعوام.
فقال ماربين الألماني في كتابه (السياسة الإسلاميّة) : «إنّ حركة الحسين في خروجه على يزيد إنّما كانت عزمة قلب كبير عزّ عليه الإذعان و عزّ عليه النصر العاجل، فخرج بأهله و ذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته، و يحيي به قضيّة مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة» .
فإن لم يكن رأي الكاتب حقّا كلّه، فبعضه على الأقلّ حقّ لا شكّ فيه، و يصدق ذلك-في رأينا-على حركة الحسين بعد أن حيل بينه و بين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه، فآثر الموت كيفما كان، و لم يجهل ما يحيق ببني أميّة من جرّاء قتله.. فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه ما لم يكن ليبلغه بالنجاة من وقعة كربلاء.
و قد جرى ذكر الموت على لسان الحسين من خطوته الأولى و هو يتهيّأ للرحيل و يودّع أصحابه في الحجاز. فقال لهم: «إنّ الموت حقّ على ولد آدم»[1].
و لم يخف عليه أنّه يركب الخطّة التي لا يبالي راكبها ما يصيبه من ذلك القضاء.
[1]كشف الغمّة 2: 241، مع اختلاف.
لكنّه لم يكن ييأس من إقناع الناس و التفافهم به منذ خطوته الأولى، و لم يعقد عزمه على ملاقاة الموت حتّى ساموه الرغم و أبوا عليه أن ينصرف إلى أيّ منصرف قبل التسليم المبين مسوقا على الكره منه إلى عبيد اللّه بن زياد.
و تتباين آراء المتأخّرين خاصّة في خروج الحسين بنسائه و أبنائه، أكان هو الأحزم و الأكرم؟أم كان الأحزم و الأكرم أن يخرج بمفرده حتّى يرى ما يكون من استجابة الناس له أو إعراضهم عنه و ضعفهم في تأييده[1]؟
و ليس للمتأخّرين أن يقضوا في مسألة كهذه بعقولهم و عاداتهم؛ لأنّها مسألة يقضى فيها بحكم العقل العربي و عاداته في أشباه هذه المواقف.
و قد كان اصطحاب النساء و الأبناء عادة عربيّة في البعوث التي يتصدّى لها المرء متعمّدا القتال دون غيره فضلا عن البعوث التي قد تشتبك في القتال و قد تنتهي بسلام كبعثة الحسين.
فكان المقاتلون في وقعة ذي قار يصطحبون حلائلهم و ذراريهم و يقطعون وضن الرواحل-أي: أحزمتها[2]-قبل خوض المعركة[3]، و كان المسلمون و المشركون معا يصطحبون الحلائل و الذراري في غزوات
[1]انظر كتاب الحسن و الحسين لمحمّد رضا 89.
[2]لاحظ لسان العرب 15: 330.
[3]مروج الذهب 2: 326، البداية و النهاية 7: 46، القادسيّة 143.
النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم[1]، و كان مع المسلمين في حرب الروم صفوة نساء قريش و عقائل بيوتاتها[2]، و كان النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يصطحب زوجة أو أكثر من زوجة في غزواته و حروبه[3]، و حكم الواحدة هنا حكم الكثيرات.
و هي عادة عربيّة عريقة يقصدون بها الإشهاد على غاية العزم و صدق النيّة فيما هم مقبلون عليه.
و في معلّقة ابن كلثوم[4]إشارة مجملة إلى معنى هذه العادة العربيّة من قديم عصورها، حيث يقول:
على آثارنا بيض حسان # نحاذر أن تقسّم أو تهونا
يقتن جيادنا و يقلن: لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا[5]
و قد كان الحسين رضى اللّه عنه يندب الناس لجهاد يخوضونه إن قضى عليهم أن يخوضوه، فلا يبالون ما يصيبهم في أنفسهم و في أبنائهم و أموالهم؛ لأنّهم
[1]أيام العرب في الإسلام 41-42.
[2]الكامل في التاريخ 2: 284 و 352.
[3]البداية و النهاية 4: 160.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (51) .
[5]ديوان عمرو بن كلثوم 86-87.
و بين البيتين المذكورين توجد أربعة أبيات هي:
أخذن على بعولتهنّ عهدا # إذا لاقوا كتائب معلمينا
لتستلبنّ أفراسا و بيضا # و أسرى في الحديد مقرّنينا
ترانا بارزين و كلّ حيّ # قد اتّخذوا مخافتنا قرينا
إذا مارحن يمشين الهوينى # كما اضطربت متون الشاربينا
غ
يطلبون به ما هو أعزّ على المؤمن من النفس و الولد و المال، فليس من المروءة أن يندبهم لأمر و لا يكون قدوة لهم فيه.
و كان على الحسين و قد أزمع[1]الخروج أن يجمع له أقوى حجّة في يديه، و يجمع على خصومه أقوى حجّة تنقلب عليهم إذا غلبوه و أخفق في مسعاته.. فيكون أقوى ما يكون و هو منتصر، و يكونون أبغض ما يكونون و هو مخذول.
و المسلم الذي ينصر الحسين لنسبه الشريف أولى أن ينصره غاية نصره و هو بين أهله و عشيرته، و إلاّ فما هو بناصره على الإطلاق، و تنقلب الآية في حالة الخذلان، فينال المنتصر من البغضاء و النقمة على قدر انتصاره الذي يوشك أن ينقلب عليه.
صواب الشهداء
و جملة ما يقال: إنّ خروج الحسين من الحجاز إلى العراق كان حركة قوّية لها بواعثها النفسيّة التي تنهض بمثله و لا يسهل عليه أن يكبتها أو يحيد بها عن مجراها.
و إنّها قد وصلت إلى نتائجها الفعّالة من حيث هي قضيّة عامّة تتجاوز الأفراد إلى الأعقاب و الأجيال، سواء أكانت هذه القضيّة نصرة لآل الحسين أم حربا لبني أميّة.
إنّما يبدو الخطأ في هذه الحركة حين ننظر إليها من زاوية واحدة ضيّقة
[1]أزمع الأمر: مضى فيه و ثبّت عليه عزمه. (لسان العرب 6: 81) .
المجال قريبة المرمى، و هي زاوية العمل الفردي الذي يراض بأساليب المعيشة اليوميّة و يدور على النفع العاجل للقائمين به و الداعين إليه.
فحركة الحسين لم تكن مسدّدة الأسباب لمنفعة الحسين بكلّ ثمن و حيثما كانت الوسيلة.
و علّة ذلك ظاهرة قريبة.. و هي: أنّ الحسين رضى اللّه عنه طلب الخلافة بشروطها التي يرضاها، و لم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلّفه من ثمن و مهما تتطلّب من وسيلة..
و هنا غلطة الشهداء..
بل قل: هنا صواب الشهداء..
و من هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي يصاب، و يعلم أنّه يصاب؛ لأن الواقع يخذله و لا يجري معه إلى مرماه؟
و من هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي «يكلّف الأيام ضدّ طباعها» و يصدّق الخير في طبيعة الإنسان، و الخير عزيز و الدنيا به شحيحة؟
منذ القدم أخطأ الشهداء هذا الخطأ، و لو أصابوا فيه لما كانوا شهداء و لا شرفت الدنيا بفضيلة الشهادة.
فالحسين رضى اللّه عنه قد طلب خلافة الراشدين حيث لا تتسنّى خلافة الراشدين، أو حيث تتسنّى الدولة الدنيويّة التي يضنّ بها أصحابها و يتكالبون عليها و يتوسّلون إليها بوسائلها.
فكانت عنايته بالدعوة و الإقناع أعظم جدّا من عنايته بالتنظيم
و الإلزام.
نزل رسوله الأوّل مسلم بن عقيل بالكوفة صفر اليدين من المال حتّى احتاج فيها أن يقترض سبع مائة درهم هي التي أوصى بردّها إلى أصحابها قبل قتله.
و تلك عقبة من العقبات التي تعوق الدعوات الكبار، و لكنّها-على هذا-لم تكن بالعقبة العصيّة التذليل.
فلو أنّه قد طلب المال من وسائله الدنيويّة أو السياسيّة، لما استعصى عليه أن يأخذ منه ما يكفيه. فلعلّه كان ميسورا له بعد أن تجمّع حوله الأنصار و بايع الحسين على يديه ثلاثون ألفا كما جاء في بعض الروايات[1].
ففي تلك اللحظة لعلّه كان يستطيع أن يحيط بقصر الوالي الأموي و يستولي عليه و ينشئ الحكومة الحسينيّة فيه. ثمّ لعلّه كان يستطيع-بعد ذلك-أن يوجّه الدعاة إلى أطراف الدولة الشرقيّة ليتلقّى البيعة و يقيم الولاة و يحشد الأجناد.
فإذا كان هذا فاته حتّى خفّ الأمويون لدرء الخطر عنهم و بعثوا إلى الكوفة بعبيد اللّه بن زياد، فقد سيق عبيد اللّه في يوم من الأيام إلى يديه و كان في وسعه أن يبطش به و يستوي على كرسيه و يحرم يزيد بن معاوية نصيرا من أعنف أنصاره.
و قد فاته هذا؛ لأنّ شريعة الخلافة لا تبيحه في رأيه، أو لأنّه اعتقد أنّ الحقّ بيّن و أنّ الباطل بيّن، فلا حاجة به-بعد التمييز بينهما-إلى فتكة
[1]راجع الهامش الثالث من ص 173 و الهامش الثالث و الرابع من ص 176.