بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 212

النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم‌[1]، و كان مع المسلمين في حرب الروم صفوة نساء قريش و عقائل بيوتاتها[2]، و كان النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يصطحب زوجة أو أكثر من زوجة في غزواته و حروبه‌[3]، و حكم الواحدة هنا حكم الكثيرات.

و هي عادة عربيّة عريقة يقصدون بها الإشهاد على غاية العزم و صدق النيّة فيما هم مقبلون عليه.

و في معلّقة ابن كلثوم‌[4]إشارة مجملة إلى معنى هذه العادة العربيّة من قديم عصورها، حيث يقول:

على آثارنا بيض حسان # نحاذر أن تقسّم أو تهونا

يقتن جيادنا و يقلن: لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا[5]

و قد كان الحسين رضى اللّه عنه يندب الناس لجهاد يخوضونه إن قضى عليهم أن يخوضوه، فلا يبالون ما يصيبهم في أنفسهم و في أبنائهم و أموالهم؛ لأنّهم

[1]أيام العرب في الإسلام 41-42.

[2]الكامل في التاريخ 2: 284 و 352.

[3]البداية و النهاية 4: 160.

[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (51) .

[5]ديوان عمرو بن كلثوم 86-87.

و بين البيتين المذكورين توجد أربعة أبيات هي:

أخذن على بعولتهنّ عهدا # إذا لاقوا كتائب معلمينا

لتستلبنّ أفراسا و بيضا # و أسرى في الحديد مقرّنينا

ترانا بارزين و كلّ حيّ # قد اتّخذوا مخافتنا قرينا

إذا مارحن يمشين الهوينى # كما اضطربت متون الشاربينا

غ


صفحه 213

يطلبون به ما هو أعزّ على المؤمن من النفس و الولد و المال، فليس من المروءة أن يندبهم لأمر و لا يكون قدوة لهم فيه.

و كان على الحسين و قد أزمع‌[1]الخروج أن يجمع له أقوى حجّة في يديه، و يجمع على خصومه أقوى حجّة تنقلب عليهم إذا غلبوه و أخفق في مسعاته.. فيكون أقوى ما يكون و هو منتصر، و يكونون أبغض ما يكونون و هو مخذول.

و المسلم الذي ينصر الحسين لنسبه الشريف أولى أن ينصره غاية نصره و هو بين أهله و عشيرته، و إلاّ فما هو بناصره على الإطلاق، و تنقلب الآية في حالة الخذلان، فينال المنتصر من البغضاء و النقمة على قدر انتصاره الذي يوشك أن ينقلب عليه.

صواب الشهداء

و جملة ما يقال: إنّ خروج الحسين من الحجاز إلى العراق كان حركة قوّية لها بواعثها النفسيّة التي تنهض بمثله و لا يسهل عليه أن يكبتها أو يحيد بها عن مجراها.

و إنّها قد وصلت إلى نتائجها الفعّالة من حيث هي قضيّة عامّة تتجاوز الأفراد إلى الأعقاب و الأجيال، سواء أكانت هذه القضيّة نصرة لآل الحسين أم حربا لبني أميّة.

إنّما يبدو الخطأ في هذه الحركة حين ننظر إليها من زاوية واحدة ضيّقة

[1]أزمع الأمر: مضى فيه و ثبّت عليه عزمه. (لسان العرب 6: 81) .


صفحه 214

المجال قريبة المرمى، و هي زاوية العمل الفردي الذي يراض بأساليب المعيشة اليوميّة و يدور على النفع العاجل للقائمين به و الداعين إليه.

فحركة الحسين لم تكن مسدّدة الأسباب لمنفعة الحسين بكلّ ثمن و حيثما كانت الوسيلة.

و علّة ذلك ظاهرة قريبة.. و هي: أنّ الحسين رضى اللّه عنه طلب الخلافة بشروطها التي يرضاها، و لم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلّفه من ثمن و مهما تتطلّب من وسيلة..

و هنا غلطة الشهداء..

بل قل: هنا صواب الشهداء..

و من هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي يصاب، و يعلم أنّه يصاب؛ لأن الواقع يخذله و لا يجري معه إلى مرماه؟

و من هو الشهيد إن لم يكن هو الرجل الذي «يكلّف الأيام ضدّ طباعها» و يصدّق الخير في طبيعة الإنسان، و الخير عزيز و الدنيا به شحيحة؟

منذ القدم أخطأ الشهداء هذا الخطأ، و لو أصابوا فيه لما كانوا شهداء و لا شرفت الدنيا بفضيلة الشهادة.

فالحسين رضى اللّه عنه قد طلب خلافة الراشدين حيث لا تتسنّى خلافة الراشدين، أو حيث تتسنّى الدولة الدنيويّة التي يضنّ بها أصحابها و يتكالبون عليها و يتوسّلون إليها بوسائلها.

فكانت عنايته بالدعوة و الإقناع أعظم جدّا من عنايته بالتنظيم‌


صفحه 215

و الإلزام.

نزل رسوله الأوّل مسلم بن عقيل بالكوفة صفر اليدين من المال حتّى احتاج فيها أن يقترض سبع مائة درهم هي التي أوصى بردّها إلى أصحابها قبل قتله.

و تلك عقبة من العقبات التي تعوق الدعوات الكبار، و لكنّها-على هذا-لم تكن بالعقبة العصيّة التذليل.

فلو أنّه قد طلب المال من وسائله الدنيويّة أو السياسيّة، لما استعصى عليه أن يأخذ منه ما يكفيه. فلعلّه كان ميسورا له بعد أن تجمّع حوله الأنصار و بايع الحسين على يديه ثلاثون ألفا كما جاء في بعض الروايات‌[1].

ففي تلك اللحظة لعلّه كان يستطيع أن يحيط بقصر الوالي الأموي و يستولي عليه و ينشئ الحكومة الحسينيّة فيه. ثمّ لعلّه كان يستطيع-بعد ذلك-أن يوجّه الدعاة إلى أطراف الدولة الشرقيّة ليتلقّى البيعة و يقيم الولاة و يحشد الأجناد.

فإذا كان هذا فاته حتّى خفّ الأمويون لدرء الخطر عنهم و بعثوا إلى الكوفة بعبيد اللّه بن زياد، فقد سيق عبيد اللّه في يوم من الأيام إلى يديه و كان في وسعه أن يبطش به و يستوي على كرسيه و يحرم يزيد بن معاوية نصيرا من أعنف أنصاره.

و قد فاته هذا؛ لأنّ شريعة الخلافة لا تبيحه في رأيه، أو لأنّه اعتقد أنّ الحقّ بيّن و أنّ الباطل بيّن، فلا حاجة به-بعد التمييز بينهما-إلى فتكة

[1]راجع الهامش الثالث من ص 173 و الهامش الثالث و الرابع من ص 176.


صفحه 216

الغدر كما سمّاها[1]، و لا محلّ عنده لإهدار الدماء و هو ينعى على الدولة القائمة أنّها تهدر الدماء بالشبهات.

و لقد رأى مسلم أنّ حقّ صاحبه في الخلافة قائم على شي‌ء واحد و هو إقبال الناس إليه طائعين و مبايعتهم إيّاه مختارين. فأمّا و قد تفرّقوا عنه رهبة من السلطان أو ضعفا في اليقين، فالرأي عنده أن يكتب إلى صاحبه يعلمه بانفضاض الناس عنه و يثنيه عن القدوم، و لا حقّ له عليهم بعد ذلك حتّى يثوبوا إليه.

و قيام الخلافة على هذا الاختيار عقيدة لا نفهمها نحن الآن، و لكن قد يفهمها يومئذ من كان على مقربة من عهد النبوّة و عهد الصدّيق و الفاروق.

فقد كان الصراع بين الحسين و يزيد أوّل تجربة من قبيلها بعد عهد النبوّة و عهد الخلفاء الأوّلين.

لم يكن الصراع بين علي و معاوية على هذا الوضوح الذي لا شبهة فيه بين الحقّ و الباطل و بين الفضيلة و النقيضة.

لكنّه في بيعة الحسين كان قد وضح وضوح الصبح لذي عينين.

و كان ذلك-كما قلنا-أوّل تجربة من قبيلها بعد عهد الفداء في سبيل العقيدة و الإيمان..

بعد العهد الذي كان الرجل فيه يخرج من ماله و ينفصل من ذويه و يتجرّد لحرب أبيه و أخيه و بنيه إن خالفوه في أمر الإسلام..

بعد العهد الذي كان القليل فيه من المسلمين يصدّون الكثير من

[1]راجع الهامش السادس من ص 86، و الهامش الثاني من ص 178.


صفحه 217

المشركين و في أيديهم السلاح و العتاد و من ورائهم المعاقل و الأزواد..

بعد العهد الذي تغيّر فيه الناس، و خيّل إلى من كان يعهدهم على غير تلك الحال أنّهم متغيّرون.

الناس عبيد الدنيا

فكيف ينخذل الحسين و ينتصر يزيد في عالم شهد النبوّة و شهد الخلافة على سنّة الراشدين؟

إنّ كلمة واحدة قالها الحسين في ساعة يأسه تشفّ عن مبلغ يقينه بوجوب الحقّ و عجبه من أن يكون الأمر غير ما وجب، و ذلك حيث قال:

«الناس عبيد الدنيا، و الدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديّانون»[1].

إنّ الطبائع الأرضيّة لا تنخدع في صلاح الناس و لا تجب هذا العجب؛ لأنّها لا تخرج من نطاقها المحدود و لا تصدّق ما وراءه من الآمال و الوعود.

إنّها لا تضلّ عن طريق المنفعة؛ لأنّها لا تعرف غيرها من طريق.

إنّها تؤثر القنديل الخافت في يدها على الكوكب اللامع في السماء، لا لأنّها لا ترى الكوكب اللامع في السماء، بل لأنّها ترى القنديل و الكوكب، فتعلم أنّ هذا قريب و أنّ ذاك جدّ بعيد.

إنّها لا تنخدع بالسراب؛ لأنّها لا تخرج من عقر دارها و لا تشعر

[1]تحف العقول 245، كشف الغمّة 2: 244.


صفحه 218

بظمأ الفؤاد و لا تنظر إلى السراب.

و لكن طبيعة الشهداء غير طبيعة المساومة على البيع و الشراء..

طبيعة المساومة موكلة بالحرص على الهنات، و طبيعة الشهادة موكلة ببذل الحياة لما هو أدوم من الحياة.

و شتّان طبيعة و طبيعة، و شتّان خطأ الشهداء و خطأ المساومين.

و ليست موازين المساومة بالموازين الفذّة التي يصلح عليها أمر بني الإنسان، فإنّ بني الإنسان ما بهم عن غنى قط عن الذين يخطئون لأنّهم أرفع من المصيبين، و أنّهم لهم الشهداء.

و إنّهم لعلى صواب في المدى البعيد و إن كانوا على خطأ في المدى القريب.. مدى الأجواف و المعدات و الجلود لا مدى الأرواح و الأخلاد.

من هؤلاء كان الحسين رضى اللّه عنه، بل هو أبو الشهداء و ينبوع شهادة متعاقبة لا يقرن بها ينبوع في تأريخ البشر أجمعين.

فلا جرم يصيب في المدى البعيد و يخطئ في المدى القريب.. مدى المنفعة التي تناله هو في معيشة يومه، و هو المدى الذي لا يأسف عليه و لا ينصّ الركاب إليه.


صفحه 219

كربلاء