المشركين و في أيديهم السلاح و العتاد و من ورائهم المعاقل و الأزواد..
بعد العهد الذي تغيّر فيه الناس، و خيّل إلى من كان يعهدهم على غير تلك الحال أنّهم متغيّرون.
الناس عبيد الدنيا
فكيف ينخذل الحسين و ينتصر يزيد في عالم شهد النبوّة و شهد الخلافة على سنّة الراشدين؟
إنّ كلمة واحدة قالها الحسين في ساعة يأسه تشفّ عن مبلغ يقينه بوجوب الحقّ و عجبه من أن يكون الأمر غير ما وجب، و ذلك حيث قال:
«الناس عبيد الدنيا، و الدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديّانون»[1].
إنّ الطبائع الأرضيّة لا تنخدع في صلاح الناس و لا تجب هذا العجب؛ لأنّها لا تخرج من نطاقها المحدود و لا تصدّق ما وراءه من الآمال و الوعود.
إنّها لا تضلّ عن طريق المنفعة؛ لأنّها لا تعرف غيرها من طريق.
إنّها تؤثر القنديل الخافت في يدها على الكوكب اللامع في السماء، لا لأنّها لا ترى الكوكب اللامع في السماء، بل لأنّها ترى القنديل و الكوكب، فتعلم أنّ هذا قريب و أنّ ذاك جدّ بعيد.
إنّها لا تنخدع بالسراب؛ لأنّها لا تخرج من عقر دارها و لا تشعر
[1]تحف العقول 245، كشف الغمّة 2: 244.
بظمأ الفؤاد و لا تنظر إلى السراب.
و لكن طبيعة الشهداء غير طبيعة المساومة على البيع و الشراء..
طبيعة المساومة موكلة بالحرص على الهنات، و طبيعة الشهادة موكلة ببذل الحياة لما هو أدوم من الحياة.
و شتّان طبيعة و طبيعة، و شتّان خطأ الشهداء و خطأ المساومين.
و ليست موازين المساومة بالموازين الفذّة التي يصلح عليها أمر بني الإنسان، فإنّ بني الإنسان ما بهم عن غنى قط عن الذين يخطئون لأنّهم أرفع من المصيبين، و أنّهم لهم الشهداء.
و إنّهم لعلى صواب في المدى البعيد و إن كانوا على خطأ في المدى القريب.. مدى الأجواف و المعدات و الجلود لا مدى الأرواح و الأخلاد.
من هؤلاء كان الحسين رضى اللّه عنه، بل هو أبو الشهداء و ينبوع شهادة متعاقبة لا يقرن بها ينبوع في تأريخ البشر أجمعين.
فلا جرم يصيب في المدى البعيد و يخطئ في المدى القريب.. مدى المنفعة التي تناله هو في معيشة يومه، و هو المدى الذي لا يأسف عليه و لا ينصّ الركاب إليه.
كربلاء
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كربلاء
الحرم المقدّس
عرفت قديما باسم «كور بابل»[1]ثمّ صحّفت إلى كربلاء، فجعلها هذا التصحيف عرضة لتصحيف آخر يجمع بين الكرب و البلاء، كما رسمها بعض الشعراء[2].
و لم يكن لها ما تذكر به في أقرب جيرة لها فضلا عن أرجاء الدنيا البعيدة منها.. فليس لها من موقعها و لا من تربتها و لا من حوادثها ما يغري أحدا برؤيتها ثمّ يثبت في ذاكرة من يراها ساعة يرحل عنها.
فلعلّ الزمن كان خليقا أن يعبر بها سنة بعد سنة و عصرا بعد عصر، دون أن يسمع لها اسم أو يحسّ لها بوجود.. إلاّ أن تذكر «نينوى»
[1]نهضة الحسين 89.
[2]و هو الشريف الرضي في قوله:
كربلاء لا زلت كربا و بلا # ما لقي عندك آل المصطفى
راجع: ديوان الشريف الرضي 1: 44، موسوعة العتبات المقدّسة 8: 221.
و جيرتها، فتدخل في زمرة تلك الجيرة بغير حساب.
و شاءت مصادفة من المصادفات أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن حيل بينه و بين كلّ وجهة أخرى، فاقترن تأريخها منذ ذلك اليوم بتأريخ الإسلام كلّه. و من حقّه أن يقترن بتأريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحقّ بها التنويه و التخليد.
فهي اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة و الذكرى، و يزوره غير المسلمين للنظر و المشاهدة، و لكنّها لو أعطيت حقّها من التنويه و التخليد، لحقّ لها أن تصبح مزارا لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيبا من القداسة و حظّا من الفضيلة؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل و المناقب أسمى و ألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين فيها.
فكلّ صفة من تلك الصفات العلويّة التي بها الإنسان إنسان و بغيرها لا يحسب غير ضرب من الحيوان السائم.. فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسين رضى اللّه عنه في تلك البقعة الجرداء.
و ليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل و لا ألزم له من الإيمان و الفداء و الإيثار و يقظة الضمير و تعظيم الحقّ و رعاية الواجب و الجلد في المحنة و الأنفة من الضيم و الشجاعة في وجه الموت المحتوم..
و هي-و مثيلات لها من طرازها-هي التي تجلّت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحسين، و لم تجتمع كلّها و لا تجلّت قط في موطن من المواطن تجلّيها في تلك الحوادث، و قد شاء القدر أن تكون في جانب منها
أشرف ما يشرّف به أبناء آدم؛ لأنّها في الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات.
و حسبك من تقويم الأخلاق في تلك النفوس أنّه ما من أحد قتل في كربلاء إلاّ كان في وسعه أن يتجنّب القتل بكلمة أو بخطوة، و لكنّهم جميعا آثروا الموت عطاشا جياعا مناضلين على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة؛ لأنّهم آثروا جمال الأخلاق على متاع الحياة.
أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها و قدوتها أنّهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم، و لن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلاّ أن يكون هو أهلا للاستشهاد في سبيله و سبيل دعوته و أن يكون في سليقة الشهيد الذي يأتمّ به الشهداء.
نموت معك
أقبل الفتى الصغير علي بن الحسين[1]على أبيه-و قد علم أنّهم مخيّرون بين الموت و التسليم-فسأله:
- «ألسنا على الحقّ؟» .
قال الوالد المنجب النجيب:
- «بلى، و الذي يرجع إليه العباد» .
فقال الفتى:
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (52) .
- «يا أبه!.. فإذن لا نبالي[1]!» .
و هكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ و عليه يموتون.
و أراد الحسين-و قد علم أنّ التسليم لا يكون-أن يبقى للموت وحده و ألاّ يعرّض له أحدا من صحبه.
فجمعهم مرّة بعد مرّة و هو يقول لهم في كلّ مرّة: «لقد بررتم و عاونتم و القوم لا يريدون غيري، و لو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا.. فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده و انجوا بأنفسكم»[2].
فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك و لم يرد النجاة، و فزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات و البقاء.
و قالوا له-كأنّهم يتكلّمون بلسان واحد-: «معاذ اللّه و الشهر الحرام.. ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا و ابن سيّدنا و عمادنا، تركناه غرضا للنبل و دريئة للرماح و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة في الحياة؟!معاذ اللّه.. بل نحيا بحياتك و نموت معك» .
قالوا له: «نموت معك و لك رأيك» .. و لم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثارا لنجاتهم و نجاته. و لو خادعوا أنفسهم قليلا لزيّنوا له التسليم و سمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة، و لكنّهم لم يخادعوا
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 446، إعلام الورى 1: 450، الكامل في التاريخ 3: 282، نهضة الحسين 115-116.
[2]الإرشاد 2: 91-92، إعلام الورى 1: 455-456، البداية و النهاية 8: 176-177.