بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 22

ثورته‌

هذا المحور يعدّ من أهمّ المحاور التي تتعلّق بحياة الإمام الحسين7و فلسفة خروجه على النظام الحاكم آنذاك، و يمكن البحث عنه في ثلاث نقاط:

الاولى: عوامل تقديس الثورات بصورة عامّة و ثورة الحسين بصورة خاصّة.

الثانية: الأسباب الداعية لثورة الحسين7.

الثالثة: أهداف هذه الثورة.

و إن كانت هذه النقاط قد تتداخل بعضها مع البعض الآخر، إلاّ أنّنا أفردنا كلّ واحدة على حدة، و سنتعرّض مجملا لها فيما يلي:

أمّا بالنسبة للنقطة الاولى فنقول:

لا شكّ أنّ من عوامل تقديس أيّة نهضة و سموها و تعاليها: كونها تأتي في ظل سيطرة الظلمات المتراكمة، و بعد شيوع موجة اليأس المطلق، و في ظروف تعيشها البشريّة لا يكون فيها نجمة واحدة مضيئة في السماوات، و إذا بالنهضة تأتي كشرارة و كبرق لامع و شعلة حقّانية تضي‌ء الطريق للآدميين.

و بالتالي ستمثّل حركة في وسط السكون و نداء ملحّا وسط السكوت المميت و الظلام المطبق كالبرق في وسط الظلام و القليل مقابل الكثير.

و لهذا ترى مثل هذه النهضة لا تجد صدى عند العقلاء المحبّين‌


صفحه 23

لذواتهم، و هي تظلّ-رغم ذلك-أشبه بالغيمة التي تمطر على الظمآن في الصحراء القاحلة، و مثل المحبوب الذي يصل إلى المحبّ من دون موعد مسبق.

و العامل الثاني من عوامل تقديس الثورات و الحركات التحرّرية هو:

طهارة و نقاء و قدسيّة الهدف و الغاية، و عدم اختلاط أهداف الثورة بأيّ نوع من أنواع الأهداف الشخصيّة، أو المنفعة الماديّة و المطامع الذاتيّة، أو حبّ الجاه و الشهوة و الإنانيّة و النرجسيّة و التمركز حول الذات، أو أنواع التعصّب القومي، أو الحمية الوطنيّة.

بل تبقى الغاية رضا اللّه و العمل بأوامره سبحانه و تعالى و تحقيق العدالة و التوحيد الحقّ و مراعاة حرّيات الآخرين و حماية المظلوم و الدفاع عن الضعيف.

نعم، عندما تكون النهضة بسبب الارتعاش و الحرقة التي تحصل في الوجدان و الضمير الإنساني و عندما تتمّ التضحية بالمصلحة الذاتيّة و المنفعة الشخصيّة من أجل المصالح العامّة للمجتمع و التضحية بكلّ شي‌ء من أجل الحقّ و العدالة، عندها فقط يتحوّل الأفراد و تتحوّل ثورتهم إلى تبلور و تجسيد للحقّ و العدالة، و هكذا يصبح أمثال هؤلاء مقدّسين مثل الحقّ و العدالة.

العامل الثالث من عوامل التقديس هو: كون قيادة الحركة أو الثورة تحمل إدراكا متينا و بصيرة نافذة ثاقبة قادرة على رؤية ما سيأتي من أحداث خلفها، فهي إذن ترى ما لا يراه الآخرون خلف الستار.


صفحه 24

و بالطبع هناك-كما قيل-عوامل أخرى لتقديس النهضة مثل: كونها في ظل عدم توازن القوى بين طرفي الصراع، و فقد التجهيزات الماديّة الظاهريّة للقائمين عليها.

هذا كلّه في مسألة عوامل تقديس الثورات بصورة عامّة، و أمّا بخصوص قدسيّة الحركة الحسينيّة فإنّها ترجع إلى ثلاث علل:

أوّلها: قدسيّة و سمو و رفعة الهدف الذي من أجله قام الحسين7، حيث الهدف المنشود هو الوصول إلى الحقيقة و ليس كسب المنفعة.

و بديهي القول هنا: إنّ من يقوم طلبا للحصول على المعاش أو للوصول إلى الثروة أو السلطة أو اكتساب الجلال و العظمة، فإنّ قيامه هذا لا يعدّ قياما مقدّسا، فمثل هذا القيام و هذه الحركات تكون محكومة بقوانين التجارة و المعاملات، و قد تأتي بالنفع على أصحابها مرّة و قد تأتي بالضرر، و ليس مهمّا إن كانت مربحة أو خاسرة، ذلك أنّ مثل هذه الحركات حركات تدور حول محاور الأشخاص و المنافع الشخصيّة، و لهذا فهي حركات لا قيمة لها من الناحية الكلّية و الشمولية.

فحين يكون النضال غير شخصي بل هو إعلان حرب ضدّ الفساد و الظلم و الجهل و الضلال و الاستبداد فإنّه سيكون صورة من صور تبلور روح تقديس الحقيقة لدى البشريّة و صفحة من صفحات نظالها ضدّ الأنانيّة و الذاتيّة.

و بعبارة أخرى: فإنّ أحد وجوه قداسة النهضة يرتبط بنوع المعاناة و نوع الآمال التي يحملها صاحب تلك النهضة و رائدها.


صفحه 25

إنّ نهضة الحسين7كانت مصداقا حقيقيا لوجود مثل هذا العنصر و مثل هذه المواصفات، فقد كان بإمكانه أن يضمن منافعه و مصالحه بالكامل، لكنّه-مع ذلك-فضّل أن يعرّض حياته و ماله و كلّ وجوده للخطر حفاظا على العالم الإسلامي و إنقاذا للمسلمين من براثن الظلم و الاستبداد.

ثانيها: الظروف الخاصّة المحيطة بالنهضة الحسينيّة و عدم التكافؤ بين القوى في الميزان، فنجد في النهضة أعلى مراتب الشهامة و الشجاعة ضدّ الأجهزة القمعيّة التي تملكها الدولة.

و لا يمكن القول هنا: بأنّ أهل الكوفة كانوا يمثّلون قوّة كافية في الميزان كان الحسين يعتمد عليها كثيرا في حسابات المعركة.

في حين أنّ عظمة الحسين و نهضته تتجلّى في الواقع في قيامه و هو وحيد.

و ما نراه اليوم من أثر باق له ما هو إلاّ بقيّة من آثار تلك الروح العالية التوّاقة للسمو و الرفعة التي هزّت أركان العالم آنذاك و لا تزال آثارها باقية حتّى اليوم.

ثالثها: درجة الوعي الاجتماعي و الرؤية الثاقبة و الخبرة و النظرة الحادّة التي يتمتّع بها القائمون على النهضة، فلقد كانت نهضة الحسين حدثا خارقا للعادة تلازم مع نظرة عميقة و واعية و إدراك قوي و ثاقب و بصيرة مستنيرة بنور بعيد المدى.

هذا كلّه فيما يتعلّق بالنقطة الأولى.


صفحه 26

أمّا النقطة الثانية-و هي: الأسباب الداعية لثورة الحسين7- فيتركّز البحث فيها في ذكر أسباب ثلاثة كلّية دعت للخروج، و هي:

أوّلا: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

ثانيا: فرض البيعة الإلزاميّة على الحسين7و امتناع الإمام عن تلبية مثل هذا الطلب.

ثالثا: دعوة أهل الكوفة للحسين7للقدوم عليهم.

و هذا السبب هو أضعف الأسباب في الميزان؛ حيث إنّ تبدّل وضع الكوفيين كان كفيلا بأن يدفع الحسين للتخلي عن سائر أهدافه الأخرى و يتّجه نحو المصالحة مع النظام و الموافقة على البيعة بينما تطوّرات القضيّة لاحقا أثبتت العكس؛ إذ إنّ أكثر خطب الحسين حماسا و لهيبا و اشتعالا هي خطبه التي جاءت بعد تراجع أهل الكوفة عن موقفهم الأوّل.

كما أنّ الحسين7كان قد بدأ حركته في أواخر شهر رجب و أوائل حكومة يزيد عند ما خرج من المدينة قاصدا مكّة حيث الحرم الآمن الذي يوفّر الأمن و الطمأنينة و كذلك لمركز مكّة الاجتماعي و السياسي المهمّ حيث صادف كلّ ذلك مع اقتراب مواسم العمرة و الحجّ و تقاطر الناس من الأطراف و الأكناف إلى مكّة، فيصبح بالإمكان إرشاد الناس و وعظهم بنحو أفضل من سائر فصول العام، و بعد مرور حوالي شهرين على مغادرته المدينة وصلت رسائل أهل الكوفة إليه و هو في مكّة، أي: بعد اتّخاذه من قبل قراره بالامتناع عن مبايعة يزيد، فدعوة أهل الكوفة قد هيّأت للحسين ظروفا مناسبة للاستمرار في النهضة، لا أنّها كانت من الأسباب


صفحه 27

و العوامل الرئيسية للنهضة.

أمّا النقطة الثالثة-و هي: أهداف الثورة-فيمكن تلخيص ذلك بما يلي:

1-تغيير الأوضاع السياسيّة و استبدال الجهاز الحاكم و أسلوب الإدارة و السياسة و التعامل مع الأمّة وفق الموازين و المقاييس التي ثبّتها الإسلام.

2-إيقاظ الحسّ و الوعي السياسي للأمّة و جعلها جهاز مراقبة للسلطة متى ما انحرفت عن المبادئ أو تخلّت عن تطبيق الأحكام و القوانين الإسلاميّة.

3-تثبيت مبدأ شرعيّة المقاومة المسلّحة للحاكم الظالم.

4-إعادة تربية و بناء الأمّة من جديد بناء سليما.

5-تصحيح الانحراف و تطبيق أحكام الشريعة و قوانينها.

6-كسر حاجز الخوف و الإرهاب المفروض على الأمّة و تحريك روح الثورة و الفداء فيها.

نبذة من حكمه‌

قال الحسين7لرجل اغتاب عنده رجلا: «يا هذا، كف عن الغيبة، فإنّها أدام كلاب النار» .

و قال عنده رجل: إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع، فقال7: «ليس كذلك، و لكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرّ


صفحه 28

و الفاجر» .

و قال7: «ما أخذ اللّه طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته، و لا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه كلفته» .

و قال7: «إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة» .

و قال لابنه زين العابدين7: «أي بني، إيّاك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلاّ اللّه جلّ و عزّ» .

و قال7: «من دلائل علامات القبول الجلوس إلى أهل العقول، و من علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الفكر، و من دلائل العالم انتقاده لحديثه و علمه بحقائق فنون النظر» .

و قال7: «من حاول أمرا بمعصية اللّه كان أفوت لما يرجو و أسرع لما يحذر»[1].

قبس من فضائله‌

لقد تحلّى الحسين7بفضائل قلّما تجتمع لأحد من شرف النسب و الشجاعة و الكرم و العفو و التواضع و الفصاحة و الصبر و الثبات على المبدأ و الورع و العلم و الحلم و غيرها من الفضائل و المناقب.

و نقتصر هنا على بعض فضائله المروية عن لسان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

[1]نقلت جميع هذه الحكم من تحف العقول 245-246 و 247-248.


صفحه 29

روي عن أبي سعيد الخدري و غيره أنّهم قالوا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:

«الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»[1].

و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «الحسن و الحسين سبطان من الأسباط»[2].

و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «أمّا حسن فإنّ له هيبتي و سؤددي، و أمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي»[3].

و كذلك قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط»[4].

استشهاده و مدفنه‌

قتل الحسين7شهيدا في كربلاء من أرض العراق عاشر المحرّم سنة 61 هـ بعد الظهر مظلوما صابرا محتسبا.

و في المنتظم: (قال هشام بن محمّد الكلبي: قتل الحسين سنة اثنتين و ستّين. و هو غلط)[5].

[1]سنن الترمذي 5: 656، ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 182 و 183 و 184.

[2]الأدب المفرد 116.

[3]ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 185.

[4]الأدب المفرد 116، سنن الترمذي 5: 658-659، ذخائر العقبى 133.

[5]المنتظم 5: 346.