أشرف ما يشرّف به أبناء آدم؛ لأنّها في الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات.
و حسبك من تقويم الأخلاق في تلك النفوس أنّه ما من أحد قتل في كربلاء إلاّ كان في وسعه أن يتجنّب القتل بكلمة أو بخطوة، و لكنّهم جميعا آثروا الموت عطاشا جياعا مناضلين على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة؛ لأنّهم آثروا جمال الأخلاق على متاع الحياة.
أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها و قدوتها أنّهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم، و لن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلاّ أن يكون هو أهلا للاستشهاد في سبيله و سبيل دعوته و أن يكون في سليقة الشهيد الذي يأتمّ به الشهداء.
نموت معك
أقبل الفتى الصغير علي بن الحسين[1]على أبيه-و قد علم أنّهم مخيّرون بين الموت و التسليم-فسأله:
- «ألسنا على الحقّ؟» .
قال الوالد المنجب النجيب:
- «بلى، و الذي يرجع إليه العباد» .
فقال الفتى:
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (52) .
- «يا أبه!.. فإذن لا نبالي[1]!» .
و هكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ و عليه يموتون.
و أراد الحسين-و قد علم أنّ التسليم لا يكون-أن يبقى للموت وحده و ألاّ يعرّض له أحدا من صحبه.
فجمعهم مرّة بعد مرّة و هو يقول لهم في كلّ مرّة: «لقد بررتم و عاونتم و القوم لا يريدون غيري، و لو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا.. فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده و انجوا بأنفسكم»[2].
فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك و لم يرد النجاة، و فزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات و البقاء.
و قالوا له-كأنّهم يتكلّمون بلسان واحد-: «معاذ اللّه و الشهر الحرام.. ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا و ابن سيّدنا و عمادنا، تركناه غرضا للنبل و دريئة للرماح و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة في الحياة؟!معاذ اللّه.. بل نحيا بحياتك و نموت معك» .
قالوا له: «نموت معك و لك رأيك» .. و لم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثارا لنجاتهم و نجاته. و لو خادعوا أنفسهم قليلا لزيّنوا له التسليم و سمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة، و لكنّهم لم يخادعوا
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 446، إعلام الورى 1: 450، الكامل في التاريخ 3: 282، نهضة الحسين 115-116.
[2]الإرشاد 2: 91-92، إعلام الورى 1: 455-456، البداية و النهاية 8: 176-177.
أنفسهم و لم يخادعوه، و رأوا أصدق النصيحة له أن يجنّبوه التسليم و لا يجنّبوه الموت، و هم جميعا على ذلك.
و لم يكونوا جميعا من ذوي عمومته و قرباه، بل كان منهم غرباء نصحوا له و لأنفسهم هذه النصيحة التي ترهب العار و لا ترهب الموت.
فقال له زهير بن القين: «و للّه لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أقتل هكذا ألف مرّة، و يدفع اللّه بذلك الفشل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك»[1].
و قال مسلم بن عوسجة-كأنّه يعتب لما اختار له من السلامة-:
«أنحن نخلّي عنك؟!و بم نعتذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!لا و اللّه حتّى أطعن في صدورهم برمحي و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. و أمّا و اللّه لو علمت أنّني أقتل ثمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أذرى و يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقي حمامي دونك»[2].
وجيء إلى رجل من أصحابه الغرباء بنبأ عن ابنه في فتنة الديلم، فعلم أنّ الديلم أسروه و لا يفكّون إساره بغير فداء، فأذن له الحسين أن ينصرف و هو في حلّ من بيعته و يعطيه فداء ابنه. فأبى الرجل إباء شديدا، و قال: «عند اللّه أحتسبه و نفسي» ، ثمّ قال للحسين: «هيهات أن أفارقك
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 456، إعلام الورى 1: 456.
[2]راجع المصدرين السابقين بالإضافة إلى البداية و النهاية 8: 177.
غ
ثمّ أسأل الركبان عن خبرك.. لا يكن-و اللّه-هذا أبدا»[1].
و قد تناهت هذه المناقب إلى مداها الأعلى في نفس قائدهم الكريم..
يخيّل إلى الناظر في أعماله بكربلاء أنّ خلائقه الشريفة كانت في سباق بينها أيّها يظفر بفخار اليوم كلّه، فلا يدري أكان في شجاعته أشجع، أم في صبره أصبر، أم في كرمه أكرم، أم في إيمانه و أنفته و غيرته على الحقّ بالغا من تلك المناقب المثلى أقصى مداه..
إلاّ أنّه كان يوم الشجاعة لا مراء، و كانت الشجاعة فضيلة الفضائل التي تمدّها سائرها بروافد من كلّ خلق نبيل يعينها على شأنها.
فكان الحسين-شبل علي-في شجاعته الروحيّة و البدنيّة معا في غاية الغايات، و كان مضرب المثل بين الرعيل الأوّل من أشجع الشجعان في أبناء آدم و حوّاء.
ملك جأشه و كلّ شيء من حوله يوهن الجأش، و يحلّ عقدة العزم، و يغري بالدعة و المجاراة.
ملك جأشه و من حوله نساؤه و أبناؤه في نضارة العمر، يجوعون و يظمأون، و يتشبثون به و يبكون.
و ملك جأشه روية و أناة، و لم يملكه و ثبة واثب إلى الغضب أو هيجة مهتاج إلى الوغى.
فكان قبل القتال و في حومة القتال قويّا بصيرا ينفض الضعف عن
[1]مقاتل الطالبيين 78.
عزائمه، كما ينفض الأسد غبرات الحصاء عن لبده[1]، و لم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب إلاّ من أجل أحبّائه و أعزائه الذين يراهم و يرونه و يسمع صيحتهم و يسمعونه.
فقال و هو ينظر إلى الأخبية و من فيها: «للّه درّ ابن عبّاس فيما أشار به عليّ!»[2].
و جلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاما له بين يديه و يرتجز- و أمامه ابنه العليل-:
يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالإشراق و الأصيل
من صاحب و ماجد قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل
و الأمر في ذاك إلى الجليل # و كلّ حيّ سالك سبيلي
فردّ ابنه عبرته لكيلا يزيده ألما على ألمه.
و سمعته أخته زينب، فلم تقو على حنانها و وجلها، و خرجت إليه من خبائها حاسرة تنادي: «وا ثكلاه!اليوم مات جدّي رسول اللّه و أمّي فاطمة الزهراء و أبي علي و أخي الحسن، فليت الموت أعدمني الحياة..
يا حسيناه!يا بقيّة الماضين و ثمالة الباقين!» .
فبكى لبكائها، و لم ينثن ذرّة عن عزمه الذي بات عليه، و قال لها:
- «يا أخت!لو ترك القطا لنام»[3].. و لم يزل يناشدها و يعزّيها، و هو
[1]لبدة الأسد: الزبرة من الشعر المتراكم بين كتفيه. (جمهرة اللغة 1: 301) .
[2]الكامل في التاريخ 3: 287، البداية و النهاية 8: 179.
[3]هذا مثل يضرب للرجل يستثار لشيء فيثور.
راجع: جمهرة الأمثال 2: 194-195 و 432، مجمع الأمثال 2: 161.
في قرارة نفسه مستقرّ كالطود على مواجهة الموت و إباء التسليم أو النزول على «حكم ابن مرجانة» كما قال.. ثمّ احتملها مغشيا عليها حتّى أدخلها الخباء[1].
تزول الممالك و تدول الدول و تنجح المطامع أو تخيب و تحضر المطالب أو تغيب، و هذه الخلائق العلويّة في صدر الإنسان أحقّ بالبقاء من الممالك و ما حوته، و من الدول و ما حفظته أو ضيّعته، بل أحقّ بالبقاء من رواسي الأرض و كواكب السماء.
حرب النور و الظلام
و كانت فئة الحسين صغيرة-كما علمنا-قد رصدت لها هنالك تلك الفئة الكبيرة التي تناقضها أتمّ ما يكون التناقض بين طرفين، و تباعدها أبعد ما تكون المسافة بين قطبين، فكلّ ما فيها أرضي مظلم مسف بالغ في الإسفاف[2]، و ليس فيها من النفحة العلويّة نصيب.
أللمصادفات نظام و تدبير؟!
نحن لا نعلم إلاّ أنّها مصادفات يخفي علينا ما بينها من الوشائج و الصلات.. و لكنّها-لذلك-هي الأعاجيب التي تستوقف النظر لعجبها
[1]انظر: تاريخ أبي مخنف 1: 457-458، الإرشاد 2: 93-94، إعلام الورى 1:
456-457، الكامل في التاريخ 3: 285-286.
[2]السفساف: الرديء من كلّ شيء و الأمر الحقير. (لسان العرب 6: 284) .
العاجب و إن لم تستوقفه لما يفهمه فيها من نظام و تدبير.
فجيرة كربلاء كانت قديما من معاهد الإيمان بحرب النور و الظلام، و كان حولها أناس يؤمنون بالنضال الدائم بين أورمزد و أهرمان[1]..
و لكنّه كان في حقيقته ضربا من المجاز و فنّا من الخيال.
و تشاء مصادفات التأريخ إلاّ أن ترى هذه البقاع التي آمنت بأورمزد و أهرمان حربا هي أولى أن تسمّى حرب النور و الظلام من حرب الحسين و مقاتليه.
و هي عندنا أولى بهذه التسمية من حروب الإسلام و المجوسيّة في تلك البقاع و ما وراءها من الأرض الفارسيّة؛ لأنّ المجوسي كان يدافع شيئا ينكره.. ففي دفاعه معنى من الإيمان بالواجب كما تخيّله ورآه، و لكنّ الجيش الذي أرسله عبيد اللّه بن زياد لحرب الحسين كان جيشا يحارب قلبه لأجل بطنه أو يحارب ربّه لأجل و اليه؛ إذ لم يكن فيهم رجل واحد يؤمن ببطلان دعوى الحسين أو رجحان حقّ يزيد، و لم يكن فيهم كافر ينفح عن عقيدة غير عقيدة الإسلام، إلاّ من طوى قلبه على كفر كمين هو مخفيه، و لا نخالهم كثيرين.
و لو كانوا يحاربون عقيدة بعقيدة لما لصقت بهم و صمة النفاق و مسبّة الأخلاق.. فعداوتهم ما علموا أنّه الحقّ و شعروا أنّه الواجب أقبح بهم من
[1]أورمزد و أهريمان: الأوّل إله الخير و الثاني إله الشرّ في الديانة الزرادشتية. (المنجد في الأعلام 80) .
عداوة المرء ما هو جاهله بعقله و معرض عنه بشعوره؛ لأنّهم يحاربون الحقّ و هم يعلمون.
و من ثمّ كانوا في موقفهم ذاك ظلاما مطبقا، ليس فيه من شعور الواجب بصيص[1]واحد من عالم النور و الفداء.. فكانوا حقّا في يوم كربلاء قوّة من عالم الظلام تكافح قوّة من عالم النور.
أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق و الرهبة؛ لأنّهم أكرهوه بالسيف على غير ما يريد.. فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء.
و كان منهم أناس كتبوا إلى الحسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه على حرب يزيد، فلمّا ندبهم عمر بن سعد للقائه و سؤاله أحجموا عمّا ندبهم له و استعفوه؛ لأنّ جوابهم إن سألوه في شأن مجيئه إليهم: إنّني جئتكم ملبّيا ما دعوتم إليه!
و ركب أناسا منهم الفزع الدائم بقيّة حياتهم؛ لأنّهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفانا لا تسعهم المغالطة فيه، و من هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول:
- «قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود.. فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصبح فما يبقى أحد في الحي إلاّ سمع صياحي»[2].
[1]البصيص: البريق و اللمعان. (صحاح اللغة 3: 1030) .
[2]قارن: مقاتل الطالبيين 79، تذكرة الخواص 282.