بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 263

و كانت فعلة يدارونها بالتوقّح فيها على سنّة المأخوذ الذي لا يملك مداراة ما فعل.

فبات خولي بن يزيد ليلته بالرأس في بيته، و هو يمنّي نفسه بغنى الدهر، كما قال. فأقسمت امرأة له حضر ميّة[1]: «لا يجمع رأسها و رأسه بيت و فيه رأس ابن رسول اللّه»[2].

ثمّ غدا إلى قصر ابن زياد و كان عنده زيد بن أرقم‌[3]من أصحاب رسول اللّه.. فرآه ينكث‌[4]ثنايا الرأس حين وضع أمامه في أجانة، فصاح به مغضبا:

- «ارفع قضيبك عن هاتين الثنيّتين.. فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشفتين يقبّلهما» ..

و بكى..

فهزئ به ابن زياد، و قال له:

- «لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك!» .

فخرج زيد و هو ينادي في الناس غير حافل بشي‌ء:

- «أنتم معشر العرب العبيد بعد اليوم.. قتلتم ابن فاطمة و آثرتم ابن مرجانة، فهو يقتل شراركم و يستعبد خياركم»[5].

[1]اسمها النوار، كما في منتهى الآمال 1: 717.

[2]تاريخ أبي مخنف 1: 493-494، الكامل في التاريخ 3: 296.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (63) .

[4]النكث: الضرب بقضيب مع التأثير في المضروب. (صحاح اللغة 1: 269) .

[5]الأخبار الطوال 259-260، الإرشاد 2: 114-115، شرح نهج البلاغة لابن-


صفحه 264

و أدخلت السيّدة زينب بنت علي (رضي اللّه عنها) ، و عليها أرذل ثيابها، و معها عيال الحسين و إماؤها.. فجلست ناحية لا تتكلّم و لا تنظر إلى ما أمامها. فسأل ابن زياد:

- «من هذه التي انحازت ناحية و معها نساؤها؟» .

فلم تجبه.. فأعاد سؤاله ثلاثا و هي لا تجيبه، ثمّ أجابت عنها إحدى الإماء:

- «هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» .

فاجترأ ابن زياد قائلا:

- «الحمد للّه الذي فضحكم و قتلكم و أبطل أحدوثتكم» .

و قد كانت زينب (رضي اللّه عنها) حقّا جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال.. كانت كأشجع و أرفع ما تكون حفيدة محمّد و بنت علي و أخت الحسين. و كتب لها أن تحفظ بشجاعتها و تضحيتها بقيّة العقب الحسيني من الذكور.. و لو لاها لانقرض من يوم كربلاء.

فلم تمهل ابن زياد أن ثارت به قائلة:

- «الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيّه و طهّرنا من الرجس تطهيرا.. إنّما يفضح الفاسق و يكذب الفاجر، و هو غيرنا، و الحمد للّه» .

ق-أبي الحديد 10: 179، إعلام الورى 1: 471، الردّ على المتعصّب العنيد 43، المنتظم 5: 341، تذكرة الخواص 257، تاريخ أبي الفداء 1: 266.

و في البداية و النهاية (8: 197) ذكر: أنّ المتحدّث هو أبو برزة الأسلمي.


صفحه 265

فقال ابن زياد:

«قد شفى اللّه نفسي من طاغيتك و العصاة» .

فغلبها الحزن و الغيظ من هذا التشفّي الذي لا ناصر لها منه، و قالت:

- «لقد قتلت كهلي و أبدت أهلي و قطعت فرعي و اجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت» .

فتهاتف ابن زياد ساخرا، و قال:

- «هذه سجّاعة.. لعمري لقد كان أبوها سجّاعا شاعرا!» .

فقالت زينب:

- «إنّ لي عن السجاعة لشغلا.. ما للمرأة و السجاعة؟»[1].

علي زين العابدين‌

ثمّ نظر ابن زياد إلى غلام عليل هزيل مع السيّدة زينب، فسأله:

- «من أنت؟» ..

قال: «علي بن الحسين» .

قال: «أو لم يقتل اللّه علي بن الحسين؟» ..

قال: «كان لي أخ يسمّى عليّا قتله الناس» .

فأعاد ابن زياد قوله: «اللّه قتله» .

[1]الإرشاد 2: 115-116، إعلام الورى 1: 471-472، الكامل في التاريخ 3: 296- 297، البداية و النهاية 8: 193، سمط النجوم العوالي 3: 181.


صفحه 266

فقال علي: «اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا[1]،وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ[2]» .

فأخذت ابن زياد عزّة الإثم، و انتهره قائلا:

- «و بك جرأة لجوابي!» .

و صاح الخبيث الأثيم بجنده:

- «اذهبوا به، فاضربوا عنقه» .

فجاشت بعمّة الغلام قوّة لا يردّها سلطان و لا يرهبها سلاح؛ لأنّها قوّة من هان لديه الموت و هانت عليه الحياة، فاعتنقت الغلام اعتناق من اعتزم ألاّ يفارقه إلاّ و هو جثّة هامدة، و أقسمت: «لئن قتلته لتقتلني معه» .

فارتدّ ابن زياد مشدوها، و هو يقول متعجّبا:

- «يا للرحم!إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه» .

ثمّ قال: «دعوه لما به»[3].. كأنه حسب أنّ العلّة قاضية عليه.

و علي هذا هو زين العابدين جدّ كلّ منتسب إلى الحسين7، و كان- كما قال ابن سعد[4]في الطبقات-: «ثقة كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا»[5]،

[1]سورة الزمر 39: 42.

[2]سورة آل عمران 3: 145.

[3]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 212، إعلام الورى 1: 472-473، الكامل في التاريخ 3: 297.

[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (64) .

[5]الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 222. و وردت فيه زيادة كلمة: (مأمونا) بعد كلمة:

(ثقة) .


صفحه 267

و كما قال يحيى بن سعيد[1]: «أفضل هاشمي رأيته في المدينة»[2].

و لو لا استماتة عمّته كما ترى، لقد كانت تذهب بهذه البقيّة الباقية كلمة على شفتي ابن زياد!.

الرأس عند يزيد

و لمّا قضى الخبيث نهمة كيده من الطواف برأس الحسين في الكوفة و أرباضها[3]، أنفذه و رؤوس أصحابه إلى دمشق مرفوعة على الرماح، ثمّ أرسل النساء و الصبيان على الأقتاب، و في الركب علي زين العابدين مغلول إلى عنقه يقوده شمر بن ذي الجوشن و محضر بن ثعلبة.. فتلاحق الركبان في الطريق و دخلا الشام معا إلى يزيد[4].

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (65) .

[2]لاحظ: تهذيب الكمال 20: 387، تهذيب التهذيب 7: 269.

[3]الربض: ما حول مدينة أو قصر من المساكن للجند أو غيرهم. (العين للفراهيدي 8:

36) .

[4]اختلف أهل التواريخ في من قاد الركب الزينبي إلى يزيد، و كذلك اختلفوا في اسم الشخص الواحد، و الأسماء التي وردت كالآتي: محفز بن ثعلبة و شمر، مخفر بن ثعلبة مع شمر، مجفر بن ثعلبة العائذي مع شمر، زحر بن قيس مع محقن بن ثعلبة و شمر، زفر بن قيس، زحر بن قيس مع جماعة، أبو بردة و طارق و جماعة، زحر بن قيس و أبو بردة بن عوف الأزدي و طارق بن ضبان الأزدي.

راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 497، الأخبار الطوال 260، الإرشاد 2: 119، المنتظم 5:

341، البداية و النهاية 8: 191.

غ


صفحه 268

و تكرّر منظر القصر بالكوفة في دمشق عند يزيد.

و لا نستغرب أن يتكرّر بعضه حتّى يظنّ أنّه قد وقع في التأريخ خلط بين المنظرين؛ لأن المناسبة في هذا المقام تستوحي ضربا واحدا من التعقيب و ضربا واحدا من الحوار.

فارتاع من بمجلس يزيد من نبأ المقتلة في كربلاء حين بلغتهم، و قال يحيى بن الحكم‌[1]-و هو من الأمويين-:

لهامّ بجنب الطفّ أدنى قرابة # من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل‌[2]

سميّة أمسى نسلها عدد الحصى # و بنت رسول اللّه ليست بذي نسل‌[3]

فأسكته يزيد، و قال-و هو يشير إلى الرأس و ينكث بقضيب في يده-: «أتدرون من أين أتي هذا؟.. إنّه قال: أبي علي خير من أبيه، و أمّي

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (66) .

[2]الوغل: المدّعي نسبا ليس منه. (لسان العرب 15: 351) .

[3]ورد اسم الشاعر كما في المتن-أي: يحيى بن الحكم-في: الإرشاد 2: 119، إعلام الورى 1: 474، كفاية الطالب 432.

و ورد باسم: عبد الرحمان بن الحكم في: الأغاني 13: 264، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 18، سمط النجوم العوالي 3: 188.

كما وردت بعض الاختلافات في البيتين المذكورين، فراجع بالإضافة إلى ما تقدّم:

الكامل في التاريخ 3: 301، البداية و النهاية 8: 192.


صفحه 269

فاطمة خير من أمّه، و جدّي رسول اللّه خير من جدّه، و أنا خير منه و أحقّ بهذا الأمر.. فأمّا أبوه فقد تحاجّ أبي و أبوه إلى اللّه و علم الناس أيّهما حكم له، و أمّا أمّه فلعمري فاطمة بنت رسول اللّه خير من أمّي، و أمّا جدّه فلعمري ما أحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر يرى لرسول اللّه فينا عدلا و لا ندّا، و لكنّه أتي من قبل فقهه، و لم يقرأ:قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ»[1].

و هو كلام ينسب مثله إلى معاوية في ردّه على حجج علي في الخلافة[2].. و لعلّ يزيد قد استعاره من كلام أبيه و زاد عليه.

و نظر بعض أهل الشام إلى السيّدة فاطمة بنت الحسين‌[3]-و كانت جارية وضيئة-فقال ليزيد: «هب لي هذه» ، فأرعدت و أخذت بثياب عمّتها.. فكان لعمّتها في الذود عنها موقف كموقفها بقصر الكوفة ذيادا عن أخيها زين العابدين، و صاحت بالرجل:

- «كذبت و لؤمت.. ما ذلك لك و لا له» .

فتغيّظ يزيد، و قال: «كذبت، إنّ ذلك لي.. و لو شئت لفعلت» .

قالت: «كلاّ و اللّه.. ما جعل اللّه لك ذلك، إلاّ أن تخرج من ملّتنا

[1]تاريخ الطبري 4: 657-658، المنتظم 5: 343، الكامل في التاريخ 3: 299، سمط النجوم العوالي 3: 183.

و الآية من سورة آل عمران 3: 26.

[2]الكامل في اللغة و الأدب 1: 222.

[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (67) .


صفحه 270

و تدين بغير ديننا» .

فاشتدّ غيظ يزيد، و صاح بها: «إيّاي تستقبلين بهذا؟.. إنّما خرج من الدين أبوك و أخوك!» .

قالت: «بدين اللّه و دين أبي و أخي و جدّي اهتديت أنت و أبوك و جدّك» .

فلم يجد جوابا غير أن يقول: «بل كذبت يا عدوّة اللّه!» .

فقالت: «أنت أمير تشتم ظالما، و تقهر بسلطانك» .

فأطرق و سكت‌[1].

و أدخل علي بن الحسين مغلولا، فأمر يزيد بفكّ غلّه، و قال له:

- «إيه يا ابن الحسين!.. أبوك قطع رحمي و جهل حقّي و نازعني سلطاني، فصنع اللّه به ما رأيت» .

قال علي:

-«مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ*`لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‌ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ»[2]، فتلا يزيد الآية:وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ[3]. ثمّ زوّى وجهه و ترك خطابه‌[4].

[1]تاريخ أبي مخنف 1: 500، الإرشاد 2: 121، المنتظم 5: 343-344، البداية و النهاية 8: 194-195.

[2]سورة الحديد 57: 22-23.

[3]سورة الشورى 42: 30.

[4]إعلام الورى 1: 474، الكامل في التاريخ 3: 299.