و كما قال يحيى بن سعيد[1]: «أفضل هاشمي رأيته في المدينة»[2].
و لو لا استماتة عمّته كما ترى، لقد كانت تذهب بهذه البقيّة الباقية كلمة على شفتي ابن زياد!.
الرأس عند يزيد
و لمّا قضى الخبيث نهمة كيده من الطواف برأس الحسين في الكوفة و أرباضها[3]، أنفذه و رؤوس أصحابه إلى دمشق مرفوعة على الرماح، ثمّ أرسل النساء و الصبيان على الأقتاب، و في الركب علي زين العابدين مغلول إلى عنقه يقوده شمر بن ذي الجوشن و محضر بن ثعلبة.. فتلاحق الركبان في الطريق و دخلا الشام معا إلى يزيد[4].
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (65) .
[2]لاحظ: تهذيب الكمال 20: 387، تهذيب التهذيب 7: 269.
[3]الربض: ما حول مدينة أو قصر من المساكن للجند أو غيرهم. (العين للفراهيدي 8:
36) .
[4]اختلف أهل التواريخ في من قاد الركب الزينبي إلى يزيد، و كذلك اختلفوا في اسم الشخص الواحد، و الأسماء التي وردت كالآتي: محفز بن ثعلبة و شمر، مخفر بن ثعلبة مع شمر، مجفر بن ثعلبة العائذي مع شمر، زحر بن قيس مع محقن بن ثعلبة و شمر، زفر بن قيس، زحر بن قيس مع جماعة، أبو بردة و طارق و جماعة، زحر بن قيس و أبو بردة بن عوف الأزدي و طارق بن ضبان الأزدي.
راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 497، الأخبار الطوال 260، الإرشاد 2: 119، المنتظم 5:
341، البداية و النهاية 8: 191.
غ
و تكرّر منظر القصر بالكوفة في دمشق عند يزيد.
و لا نستغرب أن يتكرّر بعضه حتّى يظنّ أنّه قد وقع في التأريخ خلط بين المنظرين؛ لأن المناسبة في هذا المقام تستوحي ضربا واحدا من التعقيب و ضربا واحدا من الحوار.
فارتاع من بمجلس يزيد من نبأ المقتلة في كربلاء حين بلغتهم، و قال يحيى بن الحكم[1]-و هو من الأمويين-:
لهامّ بجنب الطفّ أدنى قرابة # من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل[2]
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى # و بنت رسول اللّه ليست بذي نسل[3]
فأسكته يزيد، و قال-و هو يشير إلى الرأس و ينكث بقضيب في يده-: «أتدرون من أين أتي هذا؟.. إنّه قال: أبي علي خير من أبيه، و أمّي
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (66) .
[2]الوغل: المدّعي نسبا ليس منه. (لسان العرب 15: 351) .
[3]ورد اسم الشاعر كما في المتن-أي: يحيى بن الحكم-في: الإرشاد 2: 119، إعلام الورى 1: 474، كفاية الطالب 432.
و ورد باسم: عبد الرحمان بن الحكم في: الأغاني 13: 264، تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث و وفيات 61 هـ-80 هـ) 18، سمط النجوم العوالي 3: 188.
كما وردت بعض الاختلافات في البيتين المذكورين، فراجع بالإضافة إلى ما تقدّم:
الكامل في التاريخ 3: 301، البداية و النهاية 8: 192.
فاطمة خير من أمّه، و جدّي رسول اللّه خير من جدّه، و أنا خير منه و أحقّ بهذا الأمر.. فأمّا أبوه فقد تحاجّ أبي و أبوه إلى اللّه و علم الناس أيّهما حكم له، و أمّا أمّه فلعمري فاطمة بنت رسول اللّه خير من أمّي، و أمّا جدّه فلعمري ما أحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر يرى لرسول اللّه فينا عدلا و لا ندّا، و لكنّه أتي من قبل فقهه، و لم يقرأ:قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ»[1].
و هو كلام ينسب مثله إلى معاوية في ردّه على حجج علي في الخلافة[2].. و لعلّ يزيد قد استعاره من كلام أبيه و زاد عليه.
و نظر بعض أهل الشام إلى السيّدة فاطمة بنت الحسين[3]-و كانت جارية وضيئة-فقال ليزيد: «هب لي هذه» ، فأرعدت و أخذت بثياب عمّتها.. فكان لعمّتها في الذود عنها موقف كموقفها بقصر الكوفة ذيادا عن أخيها زين العابدين، و صاحت بالرجل:
- «كذبت و لؤمت.. ما ذلك لك و لا له» .
فتغيّظ يزيد، و قال: «كذبت، إنّ ذلك لي.. و لو شئت لفعلت» .
قالت: «كلاّ و اللّه.. ما جعل اللّه لك ذلك، إلاّ أن تخرج من ملّتنا
[1]تاريخ الطبري 4: 657-658، المنتظم 5: 343، الكامل في التاريخ 3: 299، سمط النجوم العوالي 3: 183.
و الآية من سورة آل عمران 3: 26.
[2]الكامل في اللغة و الأدب 1: 222.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (67) .
و تدين بغير ديننا» .
فاشتدّ غيظ يزيد، و صاح بها: «إيّاي تستقبلين بهذا؟.. إنّما خرج من الدين أبوك و أخوك!» .
قالت: «بدين اللّه و دين أبي و أخي و جدّي اهتديت أنت و أبوك و جدّك» .
فلم يجد جوابا غير أن يقول: «بل كذبت يا عدوّة اللّه!» .
فقالت: «أنت أمير تشتم ظالما، و تقهر بسلطانك» .
فأطرق و سكت[1].
و أدخل علي بن الحسين مغلولا، فأمر يزيد بفكّ غلّه، و قال له:
- «إيه يا ابن الحسين!.. أبوك قطع رحمي و جهل حقّي و نازعني سلطاني، فصنع اللّه به ما رأيت» .
قال علي:
-«مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ*`لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلىََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ»[2]، فتلا يزيد الآية:وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ[3]. ثمّ زوّى وجهه و ترك خطابه[4].
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 500، الإرشاد 2: 121، المنتظم 5: 343-344، البداية و النهاية 8: 194-195.
[2]سورة الحديد 57: 22-23.
[3]سورة الشورى 42: 30.
[4]إعلام الورى 1: 474، الكامل في التاريخ 3: 299.
و كان لقاء نساء يزيد خيرا من لقائه.. فواسين السيّدة زينب و السيّدة فاطمة و من معهما، و جعلن يسألنهن عمّا سلبنه بكربلاء، فيرددن إليهنّ مثله و زيادة عليه[1].
و أحبّ يزيد أن يستدرك بعض ما فاته، فلجأ إلى النعمان بن بشير و اليه الذي عزله من الكوفة لرفقه بدعاة الحسين، و أمره أن يسيّر آل الحسين إلى المدينة و يجهّزهم بما يصلحهم[2].
و قيل: إنّه ودّع زين العابدين، و قال له: «لعن اللّه ابن مرجانة.. أمّا و اللّه لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبدا إلاّ أعطيته إيّاها، و لدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت و لو بهلاك بعض ولدي. و لكنّ اللّه قضى ما رأيت يا بني!.. كاتبني من المدينة، و أنه إليّ كلّ حاجة تكون لك»[3].
تبعة يزيد
و الناس في تقدير التبعة التي تصيب يزيد من عمل ولاته مشارب و أهواء، يرجع كلّ منهم إلى مصدر من مصادر الرواية، فيبني عليه حكمه.
[1]تاريخ أبي مخنف 1: 498 و 500، المنتظم 5: 344.
[2]تاريخ أبي مخنف 1: 500، العقد الفريد 5: 131، الإرشاد 2: 122، تاريخ أبي الفداء 1: 266، البداية و النهاية 8: 195، سمط النجوم العوالي 3: 183.
[3]تاريخ الطبري 4: 656، إعلام الورى 1: 475، الكامل في التاريخ 3: 300.
و قد علّق العاصي على هذه الرواية بقوله: (أقول: بل لعن اللّه ابن ميسون قبل ابن سمية و بعده إلى يوم يبعثون) . (سمط النجوم العوالي 3: 182) .
فمنهم من يرى: أنّه بريء من التبعة كلّ البراءة[1]، و منهم من يرى:
أنّه أقرّ فعلة ابن زياد ثمّ ندم عليها[2]، و منهم من يقول: إنّه قد أمر بكلّ ما اقترفه ابن زياد و توقّع حدوثه و لم يمنعه و هو مستطيع أن يمنعه لو شاء[3].
و الثابت الذي لا جدال فيه أنّ يزيد لم يعاقب أحدا من ولاته كبر أو صغر على شيء ممّا اقترفوه في فاجعة كربلاء، و أنّ سياسته في دولته-بعد ذلك-كانت هي سياسة أولئك الولاة على و تيرة واحدة ممّا حدث في كربلاء.
فاستباحة المدينة-دار النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم-و تحكيم مسلم بن عقبة في رجالها و نسائها، ليست بعمل رجل ينكر سياسة كربلاء بفكره و قلبه، أو سياسة رجل تجري هذه الحوادث على نقيض تدبيره و شعوره، و ما زال يزيد و أخلافه يأمرون الناس بلعن علي و الحسين و آلهما على المنابر في أرجاء الدولة الإسلاميّة، و يستفتون من يفتيهم بإهدار دمهم و صواب عقابهم بما أصابهم. و من تجب لعنته على المنابر بعد موته بسنين، فقتله جائز أو واجب في رأي لاعنيه.
و من أفرط في سوء الظنّ رجح عنده أنّ عبيد اللّه كان على إذن
[1]الكامل في التاريخ 3: 300، البداية و النهاية 8: 191، أغاليط المؤرّخين 121 و ما بعدها.
[2]هذا هو قول أبي عبيدة معمر بن المثنّى، كما في البداية و النهاية 8: 23، و لاحظ تاريخ الطبري 5: 26.
[3]تذكرة الخواص 290-292، سمط النجوم العوالي 3: 182.
مستور بكلّ ما صنع، و يملي لهم في هذا الظنّ أنّ استئصال ذرّية الحسين من الذكور خطّة تهمّ يزيد لوراثة الملك في بيته و عقبه، و يفيده أن يقدم عليها مستترا من وراء ولادته، ثمّ ينصل منها و يلقي بتبعتها عليهم.
و لو لم يكن ذلك لكان عجيبا أن توكل حياة الحسين و أبنائه و آله إلى والي الكوفة بغير توجيه من سيّده و مولاه.. فقد كان الزمن الذي انقضى منذ خروج الحسين من مكّة إلى نزوله بالطفّ على الفرات كافيا لبلوغ الخبر إلى يزيد و رجوع الرسل بالتوجيه الضروري في هذا الموقف لوالي الكوفة و غيره من الولاة، فإن لم يكن الأمر تدبيرا متّفقا عليه فهو المساءة التي تلي ذلك التدبير في السوء و الشناعة، و هي مساءة التهاون الذي لا تستقيم على مثله شؤون دولة.
و قد روى ابن شريح اليشكري: أنّ عبيد اللّه صارحه بعد موت يزيد، فقال: «أمّا قتلي الحسين فإنّه أشار إليّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله»[1]، و هو كلام متّهم لا تقوم به حجّة على غائب قضى نحبه.
و يبدو لنا أنّ الظنّ بتهاون يزيد هنا أقرب إلى الظنّ بإيعازه و تدبيره[2]؛ لأنّه جرى عليه طوال حكمه و ألقى حبل ولاته على غاربهم و هو لاه بصيده و عبثه، و أنّه ربّما ارتاح في سريرته بادئ الأمر إلى فعلة ابن
[1]الكامل في التاريخ 3: 323-324.
[2]و لكن من يلاحظ النصوص التأريخيّة و سير الأحداث بعين الإنصاف و الدقّة يرى خلاف ذلك.
زياد و أعوانه، و لكنّه ما عتم[1]أن رأى بوادر العواقب توشك أن تطبق عليه بالوبال من كلّ جانب حتّى تيقّظ من غفلته بعد فوات الوقت، فعمد إلى المحاسنة و الاستدراك جهد ما استطاع، و لم يكن في يقظته على هذا معتصما بالحكمة و السداد.
و لقد رأى البوادر منه غير بعيد و لمّا تنقض ساعات على ذيوع الخبر في بيته قبل عاصمة ملكه.. فنعى ابن الحكم فعلة ابن زياد، و ناح نساؤه مشفقات من هول ما سمعن و رأين، و بكى ابنه الورع الصالح معاوية، فكان يقول إذا سئل: «نبكي على بني أميّة، لا على الماضين من بني هاشم»[2].
و مهما تكن غفلة يزيد، فما أحد قط يلمح تلك البوادر ثمّ يجهل أنّها ضربة هو جاء لن تذهب بغير جريرة، و لن تهون جريرتها في الحاضر القريب و لا في الآتي البعيد.
و الواقع أنّها قد استتبعت بعدها جرائر شتّى لا جريرة واحدة، و ما تنقضي جرائرها إلى اليوم.
فلم تنقض سنتان حتّى كانت المدينة في ثورة حنق جارف يقتلع السدود و يخترق الحدود؛ لأنّهم حملوا إليها خبر الحسين محمل التشهير و الشماتة، و ضحك و اليهم عمرو بن سعيد حين سمع أصواب البكاء و الصراخ من بيوت آل النبي، فكان يتمثّل قول عمرو بن معديكرب:
[1]عتم: أبطأ. (لسان العرب 9: 40) .
[2]الإمامة و السياسة 1: 241.