و العوامل الرئيسية للنهضة.
أمّا النقطة الثالثة-و هي: أهداف الثورة-فيمكن تلخيص ذلك بما يلي:
1-تغيير الأوضاع السياسيّة و استبدال الجهاز الحاكم و أسلوب الإدارة و السياسة و التعامل مع الأمّة وفق الموازين و المقاييس التي ثبّتها الإسلام.
2-إيقاظ الحسّ و الوعي السياسي للأمّة و جعلها جهاز مراقبة للسلطة متى ما انحرفت عن المبادئ أو تخلّت عن تطبيق الأحكام و القوانين الإسلاميّة.
3-تثبيت مبدأ شرعيّة المقاومة المسلّحة للحاكم الظالم.
4-إعادة تربية و بناء الأمّة من جديد بناء سليما.
5-تصحيح الانحراف و تطبيق أحكام الشريعة و قوانينها.
6-كسر حاجز الخوف و الإرهاب المفروض على الأمّة و تحريك روح الثورة و الفداء فيها.
نبذة من حكمه
قال الحسين7لرجل اغتاب عنده رجلا: «يا هذا، كف عن الغيبة، فإنّها أدام كلاب النار» .
و قال عنده رجل: إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع، فقال7: «ليس كذلك، و لكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرّ
و الفاجر» .
و قال7: «ما أخذ اللّه طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته، و لا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه كلفته» .
و قال7: «إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار، و هي أفضل العبادة» .
و قال لابنه زين العابدين7: «أي بني، إيّاك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلاّ اللّه جلّ و عزّ» .
و قال7: «من دلائل علامات القبول الجلوس إلى أهل العقول، و من علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الفكر، و من دلائل العالم انتقاده لحديثه و علمه بحقائق فنون النظر» .
و قال7: «من حاول أمرا بمعصية اللّه كان أفوت لما يرجو و أسرع لما يحذر»[1].
قبس من فضائله
لقد تحلّى الحسين7بفضائل قلّما تجتمع لأحد من شرف النسب و الشجاعة و الكرم و العفو و التواضع و الفصاحة و الصبر و الثبات على المبدأ و الورع و العلم و الحلم و غيرها من الفضائل و المناقب.
و نقتصر هنا على بعض فضائله المروية عن لسان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
[1]نقلت جميع هذه الحكم من تحف العقول 245-246 و 247-248.
روي عن أبي سعيد الخدري و غيره أنّهم قالوا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم:
«الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»[1].
و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «الحسن و الحسين سبطان من الأسباط»[2].
و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «أمّا حسن فإنّ له هيبتي و سؤددي، و أمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي»[3].
و كذلك قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «حسين منّي و أنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط»[4].
استشهاده و مدفنه
قتل الحسين7شهيدا في كربلاء من أرض العراق عاشر المحرّم سنة 61 هـ بعد الظهر مظلوما صابرا محتسبا.
و في المنتظم: (قال هشام بن محمّد الكلبي: قتل الحسين سنة اثنتين و ستّين. و هو غلط)[5].
[1]سنن الترمذي 5: 656، ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 182 و 183 و 184.
[2]الأدب المفرد 116.
[3]ذخائر العقبى 129، مجمع الزوائد 9: 185.
[4]الأدب المفرد 116، سنن الترمذي 5: 658-659، ذخائر العقبى 133.
[5]المنتظم 5: 346.
و قال الشيخ المفيد و غيره: إنّ الحسين7توفّي يوم السبت[1].
و الذي صحّحه أبو الفرج الأصفهاني و غيره[2]أنّه استشهد يوم الجمعة، حيث ذكر الأصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين: أنّ أوّل المحرّم الأربعاء، استخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، تنضاف إليه الرواية. أمّا ما تعارفه العوام من أنّه قتل يوم الاثنين فلا أصل له و لا وردت به رواية[3].
و كان عمره يوم قتل 56 سنة و خمسة أشهر و سبعة أيام أو خمسة أيام، أو تسعة أشهر و عشرة أيام، أو ثمانية أشهر و سبعة أيام أو خمسة أيام، أو 57 سنة بنوع من التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة، أو 58 سنة، أو 55 سنة و ستّة أشهر، على اختلاف الروايات و الأقوال المتقدّمة في مولده و غيرها.
و قدّر ابن الجوزي عمره بستّ و خمسين سنة و خمسة أشهر و خمسة أيام[4]، و قدّره اليافعي بخمس و ستّين سنة[5].
و من الغريب ذهاب المفيد إلى أنّ عمره الشريف 58 سنة[6]مع ذكره
[1]الإرشاد 2: 133، إعلام الورى 1: 420.
[2]كصاحب الاستيعاب 1: 443.
[3]مقاتل الطالبيين 51.
[4]صفوة الصفوة 1: 763.
[5]مرآة الجنان 1: 106.
[6]الإرشاد 2: 133.
أنّ مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع و شهادته كما مرّ، فإنّ عمره- على هذا-يكون 56 سنة و خمسة أشهر و خمسة أيام.
و قد دفن جسد الحسين7إجماعا و رأسه على الأشهر في كربلاء.
مراثيه
لقد تبارى الشعراء في رثاء الحسين7و قالوا فأكثروا و أجادوا، و لا غرو في ذلك فمكانة الحسين بين المسلمين مكانة ساميّة و مصيبته مصيبة عظمى و فاجعته فاجعة كبرى.
و يذكر أنّ أوّل من رثاه من الشعراء هو سليمان بن قتّة العدوي التيمي مولى بني تيم بن مرّة، و كان منقطعا إلى بني هاشم، و مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، و اتّكأ على فرس له عربيّة، و أنشأ يقول:
مررت على أبيات آل محمّد # فلم أرها أمثالها يوم حلّت
ألم تر أنّ الشمس أضحت مريضة # لقتل حسين و البلاغ اقشعرت
و كانوا رجاء ثمّ أضحوا رزية # لقد عظمت تلك الرزايا و جلّت
و تسألنا قيس فنعطي فقيرها # و تقتلنا قيس إذا النعل زلّت
و عند غني قطرة من دمائنا # سنطلبها يوما بها حيث حلّت
فلا يبعد اللّه الديار و أهلها # و إن أصبحت منهم برغمي تخلّت
و إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم # أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
و قد اعولت تبكي السماء لفقده # و أنجمنا ناحت عليه و صلّت[1]
هذا، و قد جمع السيّد الأمين;مختارا من مراثي الحسين7من نحو ستّة آلاف بيت في كتاب سمّاه الدرّ النضيد في مراثي السبط الشهيد، و كذلك فعل السيّد جواد شبّر في كتابه أدب الطفّ البالغ عشرة مجلّدات، فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى الكتابين المذكورين.
إقامة العزاء و البكاء عليه
قد قضى العقل و الدين باحترام عظماء الرجال أحياء و أمواتا و تجديد الذكرى لوفاتهم أو شهادتهم و إظهار الحزن عليهم لا سيّما من بذل نفسه و جاهد حتّى قتل لمقصد سام و غاية نبيلة، و قد جرت على ذلك الأمم في كلّ عصر و زمان و جعلته من أفضل أعمالها و أسنى مفاخرها، فحقيق على المسلمين بل جميع الأمم أن يقيموا الذكرى في كلّ عام للحسين بن علي، فإنّه من عظماء الرجال و من الطراز الأوّل، جمع أكرم الصفات و أحسن الأخلاق و أعظم الأفعال و أجلّ الفضائل و المناقب علما و فضلا و زهدا و عبادة و شجاعة و سخاء و سماحة و فصاحة، و قد جمع إلى كرم الحسب شرف العنصر و النسب، فهو أشرف الناس أبا و أمّا و جدّا و جدّة و عمّا و عمّة و خالا و خالة، و قد جاهد لنيل أمسى المقاصد و أنبل الغايات، و قام بما لم يقم بمثله أحد قبله و لا بعده، فبذل نفسه و ماله و آله في سبيل إحياء الدين و إظهار فضائح المنافقين، و اختار المنية على الدنية و ميتة العزّ على حياة
[1]أسد الغابة 2: 21-22، الدرّ النظيم 573، أعيان الشيعة 1: 622.
الذلّ و مصارع الكرام على طاعة اللئام، و أظهر من إباء الضيم و عزّة النفس و الشجاعة و البسالة و الصبر و الثبات ما بهر العقول و حيّر الألباب، و حقيق بمن كان كذلك أن تقام له الذكرى كلّ عام و تبكي له العيون دما بدل الدموع، و هل الحسين دون جان دارك التي يقيم لها الفرنسيون الذكرى في كلّ عام؟!و هل عملت لأمّتها ما عمله الحسين لأمّته أو دونه؟!
هذا، و قد حثّ الأئمّة من أهل البيت شيعتهم و محبّيهم على إقامة الذكرى لهذه الفاجعة الأليمة في كلّ عام، و هم نعم القدوة في ذلك.
و من المندوب يوم عاشوراء إظهار الحزن و الجزع و البكاء، و ذلك:
أوّلا: لأنّ فيه مواساة للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم الذي لا شكّ في أنّه حزين لذلك اليوم على ولده و من كان في حياته يحبّه أشدّ الحبّ و يكرمه، و أيّ مسلم يرغب عن مواساة نبيّه في حزنه على حبيبه؟!و أيّ طاعة أفضل عند اللّه تعالى من مواساة أفضل رسله في حزنه على ولده؟!
و ثانيا: أنّه ثبت عن أئمّة أهل البيت النبوّي أنّهم أقاموا العزاء في مثل هذا اليوم و حزنوا و بكوا لهذه الفاجعة و حثّوا أتباعهم على ذلك[1]، و هم نعم القدوة و الأسوة.
و لم يكن جعل يوم عاشوراء عيدا معروفا في الديار المصرية، و أوّل من أدخله إليها صلاح الدين الأيّوبي، كما حكاه تقي الدين المقريزي في خططه[2]، و الظاهر أنّ الباعث عليه كان أمرا سياسيا، و هو مراغمة
[1]الأغاني 20: 102، كامل الزيارات 203-205، أمالي الصدوق 112.
[2]الخطط المقريزية 2: 436-437.
الفاطميين الذين سلبهم صلاح الدين ملكهم، فقصد محو كلّ أثر لهم.
ما قيل عنه و عن ثورته
1-قال ابن أبي الحديد: (ما ظنّك برجل أبت نفسه الدنيّة و أن يعطي بيده، فقاتل حتّى قتل هو و بنوه و إخوته و بنو عمّه بعد بذل الأمان لهم و التوثقة بالأيمان المغلّظة، و هو الذي سنّ للعرب الإباء)[1].
2-و قال عبد اللّه العلايلي: (انطلق الحسين مودّعا الكعبة بيت اللّه حاملا روحها بين جنبيه و شعلتها بكلتا يديه تواكبه الملائك و تباركه و تطيف به كأنّها حذرة عليه، فإنّه البقيّة من إرث السماء على الأرض..
رعيا لذكراك أبا عبد اللّه، فقد أحسست بروح الأخلاق في روح الوجود، فأردت الحياة دنيا من الأخلاق و الفضيلة و الحبّ، و أرادها الآخرون دنيا من الشهوات و الرذيلة و الأحقاد)[2].
3-و قال توفيق أبو علم: (حياة الحسين عظة من التاريخ، و لكن تجمع التاريخ كلّه، فليس معناها في حدود ما وقعت من الزمان و المكان، بل حدودها حيث لا تتسع لها حدود، و هي-بعد ذلك-حديث الشخصيّة الكاملة من أقطارها، ففيها القدوة الصالحة و فيها المثل الأسمى للإنسان الكامل و الصراط السوي للمسلم القرآني)[3].
[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 190.
[2]الإمام الحسين للعلايلي 557.
[3]الحسين لأبي علم 8.