فلمّا جاءوه بمعقل بن سنان[1]صاحب رسول اللّه هشّ له و تلقّاه بما يطمعه، ثمّ سأله: «أعطشت يا معقل؟حوصوا له شربة من سويق اللوز الذي زوّدنا به أمير المؤمنين» .. فلمّا شربها قال له: «أمّا و اللّه لا تبولها من مثانتك أبدا!» ، و أمر بضرب عنقه[2].
و يروي ابن قتيبة: أنّ عدد من قتل من الأنصار و المهاجرين و الوجوه ألف و سبع مائة، و سائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء و الصبيان[3].
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (68) .
[2]تاريخ أبي مخنف 2: 17، تاريخ الطبري 5: 14، الفتوح لابن أعثم 5: 297، الكامل في التاريخ 3: 314، سمط النجوم العوالي 3: 204-205.
[3]الإمامة و السياسة 1: 237، و راجع سمط النجوم العوالي 3: 203.
و ذكر خليفة بن خيّاط في تأريخه (155) : أنّ عدد من أصيب من قريش و الأنصار ثلاثة مائة رجل و ستّة رجال.
و شبيه ذلك ما في مرآة الجنان 1: 112.
و عن الزهري: أنّ عدد من قتل من الأنصار و المهاجرين و الوجوه سبع مائة و البقيّة عشرة آلاف.
لاحظ: المنتظم 6: 16، تذكرة الخواص 289، تاريخ أبي الفداء 1: 267، البداية و النهاية 8: 221.
و في معجم البلدان (2: 287) : أنّ عدد المقتولين من الموالي ثلاثة آلاف و خمس مائة، و من الأنصار ألف و أربع مائة، و من قريش ألف و ثلاث مائة.
و ذكر نفس الشيء ابن أعثم في الفتوح (5: 295) ، إلاّ بالنسبة لعدد من قتل من الأنصار فقال: عددهم ألف و سبع مائة.
و حادث واحد من حوادث التمثيل و الاستباحة يدلّ على سائر الحوادث من أمثاله.
دخل رجل من جند مسلم بن عقبة على امرأة نفساء من نساء الأنصار و معها صبي لها، فقال: «هل من مال؟» ، قالت: «لا.. و اللّه ما تركوا لنا شيئا» . قال: «و اللّه لتخرجنّ إليّ شيئا أو لأقتلنّك و صبيّك هذا» .
فقالت له: «ويحك.. إنّه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول اللّه» . فأخذ برجل الصبي و الثدي في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط، فانتثر دماغه على الأرض[1].
و هو مثل من أمثال قد تكرّرت بعدد تلك البيوت التي قتل فيها أولئك الألوف من النسوة و الأطفال و الآباء و الأمّهات.
و قد مات هذا السفّاح و هو في طريقه إلى مكّة يهمّ بأن يعيد بها ما بدأ بالمدينة، فدفن في الطريق، و تعقّبه بعض الموتورين من أهل المدينة، فنبشوا قبره و أحرقوه[2].
جريرة العدل
و لم تنقض سنوات أربع على يوم كربلاء حتّى كان يزيد قد قضى نحبه، و نجمت بالكوفة جريرة العدل التي حاقت بكلّ من مدّ يدا إلى
[1]الإمامة و السياسة 1: 238، سمط النجوم العوالي 3: 204.
[2]الإمامة و السياسة 1: 241-242، تاريخ اليعقوبي 2: 251، الفتوح لابن أعثم 5:
301.
الحسين و ذويه.
فسلّط اللّه على قاتلي الحسين كفؤا لهم في النقمة و النكال يفلّ حديدهم بحديده و يكيل لهم بالكيل الذي يعرفونه. و هو المختار بن أبي عبيد الثقفي[1]داعية التوّابين من طلاّب ثأر الحسين.
فأهاب بأهل الكوفة أن يكفّروا عن تقصيرهم في نصرته، و أن يتعاهدوا على الأخذ بثأره، فلا يبقيّن من قاتليه أحد ينعم بالحياة، و هو دفين مذال القبر في العراء.
فلم ينج عبيد اللّه بن زياد، و لا عمر بن سعد، و لا شمر بن ذي الجوشن، و لا الحصين بن نمير، و لا خولي بن يزيد، و لا أحد ممّن أحصيت عليهم ضربة أو كلمة أو مدّوا أيديهم بالسلب و المهانة إلى الموتى أو الأحياء.
و بالغ في النقمة فقتل و أحرق و مزّق و هدم الدور و تعقّب الهاربين و جوزي كلّ قاتل أو ضارب أو ناهب بكفاء عمله..
فقتل عبيد اللّه و أحرق، و قتل شمر بن ذي الجوشن و ألقيت أشلاؤه للكلاب، و مات مئات من رؤسائهم بهذه المثلات و ألوف من جندهم و أتباعهم مغرقين في النهر أو مطاردين إلى حيث لا وزر لهم و لا شفاعة[2].
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (69) .
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 2: 95-166، الأخبار الطوال 292-305، العقد الفريد 5:
152-153، الكامل في التاريخ 3: 356-382، البداية و النهاية 8: 264-287، تاريخ الكوفة 314-328.
فكان بلاؤهم بالمختار عدلا لا رحمة فيه، و ما نحسب قسوة بالآثمين سلمت من اللوم أو بلغت من العذر ما بلغته قسوة المختار.
و لحقت الجريرة الثالثة بأعقاب الجريرة الثانية في مدى سنوات معدودات.
فصمد الحجاز في ثورته أو في تنكره لبني أميّة إلى أيام عبد الملك بن مروان[1]، و كان أحرج الفريقين من سبق إلى أحرج العملين. و أحرج العملين ذاك الذي دفع إليه-أو اندفع إليه-الحجّاج[2]عامل عبد الملك..
فنصب المنجنيق على جبال مكّة، و رمى الكعبة بالحجارة و النيران، فهدمها و عفى على ما تركه منها جنود يزيد بن معاوية[3].. فقد كان قائده الذي خلّف مسلم بن عقبة و ذهب لحصار مكّة أوّل من نصب لها المنجنيق و تصدّى لها بالهدم و الإحراق[4].
و ما زالت الجرائر تتلاحق حتّى تقوّض من وطأتها ملك بني أميّة، و خرج لهم السفّاح[5]الأكبر و أعوانه في دولة بني العبّاس، فعمّوا بنقمتهم
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (70) .
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (71) .
[3]تاريخ خليفة 168، الأخبار الطوال 314، المنتظم 6: 124-125، تاريخ أبي الفداء 1: 273.
[4]المقصود به هو الحصين بن نمير.
راجع: تاريخ خليفة 158، تاريخ اليعقوبي 2: 252، مروج الذهب 3: 81.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (72) .
الأحياء و الموتى، و هدموا الدور، و نبشوا القبور[1]، و ذكر المنكوبون بالرحمة فتكات المختار بن أبي عبيد، و تجاوز الثأر كلّ مدى خطر على بال هاشم و أميّة يوم مصرع الحسين.
لقد كانت ضربة كربلاء و ضربة المدينة و ضربة البيت الحرام أقوى ضربات[بني]أميّة لتمكين سلطانهم و تثبيت بنيانهم و تغليب ملكهم على المنكرين و المنازعين، فلم ينتصر عليهم المنكرون و المنازعون بشيء كما انتصروا عليهم بضربات أيديهم، و لم يذهبوا بها ضاربين حقبة حتّى ذهبوا بها مضروبين إلى آخر الزمان.
و تلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء، فإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد الأيام، و إذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب إذا وضعت الأعمار المنزوعة في الكفّتين.
[1]الإمامة و السياسة 2: 167-168، الكامل في التاريخ 4: 333، سمط النجوم العوالي 3: 351.
نهاية المطاف
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
نهاية المطاف
من الظافر؟
غبن أن يفوت الإنسان جزاؤه الحقّ على عمله و خلقه..
و أثقل منه في الغبن أن ينقلب الأمر فيجزي المحسن بالإساءة، و يجزي المسيء بالإحسان.
و قد تواضع الناس منذ كانوا على معنى للتأريخ و الأخلاق، و وجهة للشريعة و الدين.
و الجزاء الحقّ هو الوجهة الواحدة التي تلتقي فيها كلّ هذه المقاصد الرفيعة.. فإذا بطل الجزاء الحقّ ففي بطلانه الإخلال كلّ الإخلال بمعنى التاريخ و الأخلاق و لباب الشرائع و الأديان، و فيه حكم على الحياة بالعبث و على العقل الإنساني بالتشويه و الخسار.
و الجزاء الحقّ غرض مقصود لذاته يحرص عليه العقل الإنساني كرامة لنفسه و يقينا من صحّته و حسن أدائه، كالنظر الصحيح نحسبه هو غرضا للبصر يرتاح إلى تحقيقه و يحزن لفواته و إن لم يكن وراء ذلك ثواب أو عقاب؛ لأنّ النظر الصحيح سلامة محبوبة و الإخلال به داء كريه.