الحسين و ذويه.
فسلّط اللّه على قاتلي الحسين كفؤا لهم في النقمة و النكال يفلّ حديدهم بحديده و يكيل لهم بالكيل الذي يعرفونه. و هو المختار بن أبي عبيد الثقفي[1]داعية التوّابين من طلاّب ثأر الحسين.
فأهاب بأهل الكوفة أن يكفّروا عن تقصيرهم في نصرته، و أن يتعاهدوا على الأخذ بثأره، فلا يبقيّن من قاتليه أحد ينعم بالحياة، و هو دفين مذال القبر في العراء.
فلم ينج عبيد اللّه بن زياد، و لا عمر بن سعد، و لا شمر بن ذي الجوشن، و لا الحصين بن نمير، و لا خولي بن يزيد، و لا أحد ممّن أحصيت عليهم ضربة أو كلمة أو مدّوا أيديهم بالسلب و المهانة إلى الموتى أو الأحياء.
و بالغ في النقمة فقتل و أحرق و مزّق و هدم الدور و تعقّب الهاربين و جوزي كلّ قاتل أو ضارب أو ناهب بكفاء عمله..
فقتل عبيد اللّه و أحرق، و قتل شمر بن ذي الجوشن و ألقيت أشلاؤه للكلاب، و مات مئات من رؤسائهم بهذه المثلات و ألوف من جندهم و أتباعهم مغرقين في النهر أو مطاردين إلى حيث لا وزر لهم و لا شفاعة[2].
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (69) .
[2]راجع: تاريخ أبي مخنف 2: 95-166، الأخبار الطوال 292-305، العقد الفريد 5:
152-153، الكامل في التاريخ 3: 356-382، البداية و النهاية 8: 264-287، تاريخ الكوفة 314-328.
فكان بلاؤهم بالمختار عدلا لا رحمة فيه، و ما نحسب قسوة بالآثمين سلمت من اللوم أو بلغت من العذر ما بلغته قسوة المختار.
و لحقت الجريرة الثالثة بأعقاب الجريرة الثانية في مدى سنوات معدودات.
فصمد الحجاز في ثورته أو في تنكره لبني أميّة إلى أيام عبد الملك بن مروان[1]، و كان أحرج الفريقين من سبق إلى أحرج العملين. و أحرج العملين ذاك الذي دفع إليه-أو اندفع إليه-الحجّاج[2]عامل عبد الملك..
فنصب المنجنيق على جبال مكّة، و رمى الكعبة بالحجارة و النيران، فهدمها و عفى على ما تركه منها جنود يزيد بن معاوية[3].. فقد كان قائده الذي خلّف مسلم بن عقبة و ذهب لحصار مكّة أوّل من نصب لها المنجنيق و تصدّى لها بالهدم و الإحراق[4].
و ما زالت الجرائر تتلاحق حتّى تقوّض من وطأتها ملك بني أميّة، و خرج لهم السفّاح[5]الأكبر و أعوانه في دولة بني العبّاس، فعمّوا بنقمتهم
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (70) .
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (71) .
[3]تاريخ خليفة 168، الأخبار الطوال 314، المنتظم 6: 124-125، تاريخ أبي الفداء 1: 273.
[4]المقصود به هو الحصين بن نمير.
راجع: تاريخ خليفة 158، تاريخ اليعقوبي 2: 252، مروج الذهب 3: 81.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (72) .
الأحياء و الموتى، و هدموا الدور، و نبشوا القبور[1]، و ذكر المنكوبون بالرحمة فتكات المختار بن أبي عبيد، و تجاوز الثأر كلّ مدى خطر على بال هاشم و أميّة يوم مصرع الحسين.
لقد كانت ضربة كربلاء و ضربة المدينة و ضربة البيت الحرام أقوى ضربات[بني]أميّة لتمكين سلطانهم و تثبيت بنيانهم و تغليب ملكهم على المنكرين و المنازعين، فلم ينتصر عليهم المنكرون و المنازعون بشيء كما انتصروا عليهم بضربات أيديهم، و لم يذهبوا بها ضاربين حقبة حتّى ذهبوا بها مضروبين إلى آخر الزمان.
و تلك جريرة يوم واحد هو يوم كربلاء، فإذا بالدولة العريضة تذهب في عمر رجل واحد مديد الأيام، و إذا بالغالب في يوم كربلاء أخسر من المغلوب إذا وضعت الأعمار المنزوعة في الكفّتين.
[1]الإمامة و السياسة 2: 167-168، الكامل في التاريخ 4: 333، سمط النجوم العوالي 3: 351.
نهاية المطاف
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
نهاية المطاف
من الظافر؟
غبن أن يفوت الإنسان جزاؤه الحقّ على عمله و خلقه..
و أثقل منه في الغبن أن ينقلب الأمر فيجزي المحسن بالإساءة، و يجزي المسيء بالإحسان.
و قد تواضع الناس منذ كانوا على معنى للتأريخ و الأخلاق، و وجهة للشريعة و الدين.
و الجزاء الحقّ هو الوجهة الواحدة التي تلتقي فيها كلّ هذه المقاصد الرفيعة.. فإذا بطل الجزاء الحقّ ففي بطلانه الإخلال كلّ الإخلال بمعنى التاريخ و الأخلاق و لباب الشرائع و الأديان، و فيه حكم على الحياة بالعبث و على العقل الإنساني بالتشويه و الخسار.
و الجزاء الحقّ غرض مقصود لذاته يحرص عليه العقل الإنساني كرامة لنفسه و يقينا من صحّته و حسن أدائه، كالنظر الصحيح نحسبه هو غرضا للبصر يرتاح إلى تحقيقه و يحزن لفواته و إن لم يكن وراء ذلك ثواب أو عقاب؛ لأنّ النظر الصحيح سلامة محبوبة و الإخلال به داء كريه.
و لا يستهدف هذا القسطاس المستقيم لمحنة من محنه التي تزري بكرامة العقل الإنساني، كاستهدافه لها و هو في مصطدم التضحية و المنافع، أو في الصراع بين الشهداء و أصحاب الطمع و الحيلة.
ففي هذا المصطدم يبدو للنظرة الأولى أنّ الرجل قد أضاع كلّ شيء و انهزم، و هو في الحقيقة غانم ظافر.
و يبدو لنا أنّه قد ربح كلّ شيء و انتصر، و هو في الحقيقة خاسر مهزوم.
و من هنا يدخل التأريخ ألزم مداخله و أبيّنها عن قيمة البحث فيه؛ لأنّه المدخل الذي يفضي إلى الجزاء الحقّ و النتيجة الحقّة، و ينتهي بكلّ عامل أفلح أو أخفق في ظاهر الأمر إلى نهاية مطافه و غاية مسعاه في الأمد الطويل.
و قد ظفر التأريخ في الصراع بين الحسين بن علي و يزيد بن معاوية بميزان من أصدق الموازين التي تتاح لتمحيص الجزاء الحقّ في أعمال الشهداء و أصحاب الطمع و الحيلة، فقلّما تتاح في أخبار الأمم شرقا و غربا عبرة كهذه العبرة بوضوح معالمها و أشواطها و في تقابل النصر و الهزيمة فيها بين الطوالع و الخواتم على اختلاف معارض النصر و الهزيمة.
فيزيد في يوم كربلاء هو صاحب النصر المؤزّر الذي لا يشوبه خذلان..
و حسين في ذلك اليوم هو المخذول الذي لم يطمح خاذله من وراء الظفر به إلى مزيد.
ثمّ تنقلب الآية أيّما انقلاب.. و يقوم الميزان، فلا يختلف عارفان بين كفّة الرجحان و كفّة الخسران..
و هذا الذي قصدناه إلى تبيينه و جلائه بتسطير هذه الفصول.
و ما من عبرة أولى من هذه بالتبيين و الجلاء لدارس التأريخ و دارس الحياة و طالب المعنى البعيد في أطوار هذا الوجود.
و لسنا نقول: إنّ الصراع بين الحسين و يزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع بين الشهادة و المنفعة أو بين الإيمان و المآرب الأرضيّة، فإنّ لهذا الصراع لألوانا تتعدّد و لا تتكرّر على هذا المثال، و إنّ له لعناصر لم تجتمع كلّها في طرفي الخصومة بين الرجلين، و أشواطا لم تتّخذ الطريق الذي اتّخذته هذه الخصومة في البداية و النهاية.
و لسنا نقول: إنّ الصراع بين الحسين و يزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع و تفرّدها بارزة ماثلة للتأمّل و التعقيب، و هي: أنّ مسألة الحسين و يزيد قد كانت صراعا بين خلقين خالدين، و قد كانت جولة من جولات هذين الخلقين اللذين تجاولا أحقابا غابرات و لا يزالان يتجاولان فيما يلي من الأحقاب، و قد أسفرا عن نتيجة فاصلة ينفرد لها مكان معروف بين سائر الجولات، و ليست جولة أخرى منهنّ بأحقّ منها بالتعليق و التصديق.
و وجهتنا من هذه العبرة أن يعطي كلّ خلق من أخلاق العاملين حقّه بمعيار لا غبن فيه.