بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 287

ثمّ تنقلب الآية أيّما انقلاب.. و يقوم الميزان، فلا يختلف عارفان بين كفّة الرجحان و كفّة الخسران..

و هذا الذي قصدناه إلى تبيينه و جلائه بتسطير هذه الفصول.

و ما من عبرة أولى من هذه بالتبيين و الجلاء لدارس التأريخ و دارس الحياة و طالب المعنى البعيد في أطوار هذا الوجود.

و لسنا نقول: إنّ الصراع بين الحسين و يزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع بين الشهادة و المنفعة أو بين الإيمان و المآرب الأرضيّة، فإنّ لهذا الصراع لألوانا تتعدّد و لا تتكرّر على هذا المثال، و إنّ له لعناصر لم تجتمع كلّها في طرفي الخصومة بين الرجلين، و أشواطا لم تتّخذ الطريق الذي اتّخذته هذه الخصومة في البداية و النهاية.

و لسنا نقول: إنّ الصراع بين الحسين و يزيد مثل جامع لكلّ ألوان الصراع و تفرّدها بارزة ماثلة للتأمّل و التعقيب، و هي: أنّ مسألة الحسين و يزيد قد كانت صراعا بين خلقين خالدين، و قد كانت جولة من جولات هذين الخلقين اللذين تجاولا أحقابا غابرات و لا يزالان يتجاولان فيما يلي من الأحقاب، و قد أسفرا عن نتيجة فاصلة ينفرد لها مكان معروف بين سائر الجولات، و ليست جولة أخرى منهنّ بأحقّ منها بالتعليق و التصديق.

و وجهتنا من هذه العبرة أن يعطي كلّ خلق من أخلاق العاملين حقّه بمعيار لا غبن فيه.


صفحه 288

فإذا سعى أحد بالحيلة فخدع الناس و بلغ مأربه فليكن ذلك مغنمه و كفى، و لا ينفعه ذلك في استلاب السمعة المحبوبة و العطف الخالص و الثناء الرفيع.

و إذا خسر أحد حياته في سبيل إيمانه فلتكن تلك خسارته و كفى، و لا ينكب فوق ذلك بخسارة في السمعة و العطف و الثناء.

فلو جاز هذا لكان العطف الإنساني أزيف ما عرفناه في هذه الدنيا من الزيوف؛ لأنّ خديعة واحدة تشتريه و تستبقيه، و ما من زيف في العروض الأخرى إلاّ و هو ينطلي يوما و ينكشف بقيّة الأيام.

و إذا كان احتيال الإنسان لنفسه معطيه كلّ ما تهبه الدنيا من غنم النفع و المحبّة و الثناء، فقد ربح المحتالون و خسر نوع الإنسان.

و إذا كانت خسارة المرء في سبيل إيمانه تجمع عليه كلّ خسارة، فالأحمق الفاشل من يطلب الخير للناس و يغفل عن نفسه في طلاّبه.

فكفى الواصل ما وصل إليه.

و كثير عليه أن يطمع عند الخلف و السلف فيما ادّخرته الإنسانيّة من الثناء و العطف لمن يكرمونها بفضيلة الشهادة و التضحية و يخسرون.

و هذا الفيصل العادل أعدل ما يكون فيما بين الحسين و يزيد.

فإذا قيل: إنّ معاوية قد عمل و قد أفلح بالحيلة و الدهاء، فيزيد لم يعمل و لم يفلح بحيلة و لا دهاء، و لكنّه ورث المنافع التي يشتري بها الأيدي و السيوف، فجال بها جولة رابحة في كفاح الضمائر و القلوب.


صفحه 289

فينبغي ألاّ يربح بهذه الوسيلة، فأمّا و قد ربح فينبغي أن يقف به الريح عند ذاك، و ينبغي للعذر الكاذب و الثناء المأجور ألاّ يحسبا على الناس بحساب العذر الصادق و الثناء الجميل.

و قد تزلّف إلى يزيد من يتزلّفون إلى أصحاب المال و السلطان ثمّ أخذوا أجورهم، فينبغي أن يقوم ذلك الثناء بقيمة تلك الأجور و أن يكون ما قبضوه من أجر غاية ما استحقّوه إن كانوا مستحقّيه.

أمّا أن يضاف ثناء الخلود إلى صفقة أولئك المأجورين فقد أصبح ثناء الخلود إذن صفقة بغير ثمن، أو هو علاوة مضمونة على صفقة كلّ مأجور.

إنّ صاحب الثناء المبذول لا يسأل عن شي‌ء غير العطاء المبذول، و لكنّ التاريخ خليق أن يسأل عن أعمال و أقوال قبل أن يبذل ما لديه من ثناء.

و ليس في تأريخ يزيد عمل واحد صحيح أو مدّعى و لا كلمة واحدة صحيحة أو مدّعاة تقيمه بحيث أراده المأجورون من العذر الممهّد و المدح المعقول، أو تخوّله مكان الترجيح في الموازنة بينه و بين الحسين.

كلّ أخطائه ثابتة عليه، و منها-بل كلّها-خطؤه في حقّ نفسه و دولته و رعاياه، و ليس له فضل واحد ثابت و لا كلمة واحدة مأثورة تنقض ما وصفه به ناقدوه و عائبوه.

فقد كانت له ندحة عن قتل الحسين، و كان يخدم نفسه و دولته لو أنّه استبقاه حيث يتّقيه و يرعاه.


صفحه 290

و كانت له ندحة عن ضرب الكعبة و استباحة المدينة و تسليط أمثال مسلم بن عقبة و عبيد اللّه بن زياد على خلائق اللّه.

و كانت له ندحة عن السمعة التي لصقت به و لم تلصق به افتراء و لا ادّعاء، كما يزعم صنائعه و مأجوروه؛ لأنّ واصفيه بتلك السمعة لم يلصقوا مثلها بأبيه.

و من كان حقّه في النعمة التي نعم بها مغتصبا ينتزعه عنوة لا يكن حقّه في الفضل و الكرامة جزافا لا حسيب عليه.

و تسديد العطف الإنساني هنا فرض من أقدس الفروض على الناظرين في سير الغابرين؛ لأنّ العطف الإنساني هو كلّ ما يملك التأريخ من جزاء، و هو الثروة الوحيدة التي يحتفظ بها الخلود.

و إنّنا لندع الخطأ في سياسة النفعيين، و ننظر إليهم كأنّهم مصيبون في السياسة بصراء بمواقع التدبير.

فعلى هذه الصفة-لو تمّت لهم-لا يحقّ لخادم زمانه أن ينازع الشهداء في ذخيرة العطف الخالد، و هم خدّام العقائد التي تتخطّى حياة الأجيال كما تتخطّى حياة الأفراد.

فإنّ حرمان الشهداء حقّهم في عطف الأسلاف و الأخلاف خطأ في الشعور و خطأ كذلك في التفكير.

و الناس خاسرون إذا بطل عطفهم على الشهداء.

و ليس قصارى أمرهم أنّهم قساة أو جاحدون؛ لأنّ الشهادة فضيلة


صفحه 291

تروح و تأتي و تكثر حينا و تندر في غير ذلك من الأحيان.

أمّا حبّ المنفعة فإن سمّيته فضيلة فهو من الفضائل التي لن تفارق الأحياء أجمعين من ناطقة و عجماء.

على أنّ الطبائع الآدميّة قد أشربت حبّ الشهداء و العطف عليهم و تقديس ذكرهم بغير تلقين و لا نصيحة، و إنّما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة أو باقية تمنعها أن تستقيم معها.

و أكثر ما تأتي هذه العوارض من تضليل المنفعة و الهوى القريب، أو من نكسة في الطبع تغريه بالضغن على كلّ خلق سوي و سجيّة سمحة محبّبة إلى الناس عامّة، أو من الإفراط في حبّ الدعة حتّى يجفل المرء من الشهادة استهوالا لتكاليفها و استعظاما للقدوة بها، فيتّهم الشهداء بالهوج و يتعقّب أعمالهم بالنقد لكيلا يتّهم نفسه بالجبن و الضعة و يستحقّ المذمّة و اللوم في رأي ضميره.

و إن لم يتّهمهم بالهوج و لم يتعقّبهم بالنقد وقف من فضائلهم موقف إزورار و فتور، و جنح إلى معذرة الآخرين و التفاهم بينه و بين من لا يستشهدون، ثمّ يعارضون الشهداء فيما يطمحون إليه.

و معظم المؤرّخين الذين يعارضون الشهداء و دعاتهم لغير منفعة أو نكسة هم من أصحاب الدعة المفرطة و أنصار السلامة الناجية، و يغلب على هذه الخلّة أن تسلبهم ملكة التأريخ الصحيح؛ لأنّها تعرّضهم للخطأ في الحكم و التفكير، كما تعرّضهم للخطأ في العطف و الشعور.


صفحه 292

و من المعقّبين على تأريخ هذه الفترة عندنا في العربيّة مؤرّخ يتّخذ منه المثل لكلّ من العذر و العطف حين يصل الأمر إلى الاستشهاد كراهة للظلم و درء للمنكرات، و هو الأستاذ محمّد الخضري‌[1]صاحب تأريخ الأمم الإسلاميّة;.

ففي تعقيبه على ثورة المدينة التي قدّمنا الإشارة إليها يقول:

«إنّ الإنسان ليعجب من هذا التهوّر الغريب و المظهر الذي ظهر به أهل المدينة في قيامهم وحدهم بخلع خليفة في إمكانه أن يجرّد عليهم من الجيوش ما لا يمكنهم أن يقفوا في وجهه. و لا ندري ما الذي كانوا يريدونه بعد خلع يزيد؟... أ يكونون مستقلّين عن بقيّة الأمصار الإسلاميّة لهم خليفة منهم يلي أمرهم، أم حمل بقيّة الأمّة على الدخول في أمرهم؟..

و كيف يكون هذا و هم منقطعون عن بقيّة الأمصار، و لم يكن معهم في هذا الأمر أحد من الجنود الإسلاميّة؟.. إنّهم فتقوا فتقا و ارتكبوا جرما، فعليهم جزء عظيم من تبعة انتهاك حرمة المدينة، و كان اللازم على يزيد و أمير الجيش أن لا يسرف في معاملتهم بهذه المعاملة، فإنّه كان من الممكن أن يأخذهم بالحصار»[2].

و يخيّل إليك و أنت تقرأ كلام الأستاذ عن هذه الفترة كلّها أنّ لديه أعذارا ليزيد و ليس لديه عذر لأهل المدينة؛ لأنّه يفهم كيف يغضب المرء لما

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (73) .

[2]محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأمويّة) 2: 132.


صفحه 293

في حوزته، و لا يفهم كيف تضيق به كراهة الظلم و غيره العقيدة عن الاحتمال.

و شعوره هذا يحول بينه و بين الحكم الصحيح على حوادث التأريخ؛ لأنّه يحول بينه و بين انتظار هذه الحوادث حيث تنتظر لا محالة، و استبعادها حيث هي بعيدة عن التقدير.

فلم يحدث قط في مواجهة الظلم و انتزاع الدول المكروهة أن شعر الناس كما أرادهم الأستاذ أن يشعروا، أو فكّروا في الأمر كما أرادهم أن يفكّروا.

و مستحيل حدوث هذا أشدّ الاستحالة، و ليس قصاراه أنّه لم يحدث من قبل في حركات التأريخ.

فهذه الحركات التي تواجه الدول المكروهة لا تنتظر-و لا يمكن أن تنتظر-حتّى تربي قوّتها و عدّتها على ما في أيدي الدولة التي تكرهها من قوّة و عدّة.

و لكنّها حركة أو دعوة تبدأ بفرد واحد يجترئ على ما يهابه الآخرون، ثمّ يلحق به ثان و ثالث و رابع ما شاء له الإقناع و ضيق الذرع بالأمور، ثمّ ما ينالهم من نقمة، فيشيع الغضب و ينكشف الظلم عمّن كان في غفلة عنه، ثمّ يشتدّ الحرج بالظالم، فيدفعه الحرج إلى التخبّط على غير هدى، و يخرج من تخبّط غير غليظ أحمق إلى تخبّط أغلظ منه و أحمق.. فلا هم يقفون في امتعاضهم و تذمرهم، و لا هو يقف في بطشه و جبروته، حتّى يغلو به البطش و الجبروت، فيكون فيه و هنه و القضاء عليه.


صفحه 294

و على هذا النحو يعرف المؤرّخ الذي يعالج النفوس الآدميّة ما هو من طبعها و ما هو خليق أن ينتظر منها، فلا يعالجها حقّ العلاج على أنّها مسألة جمع و طرح في دفتر الحساب بين هذا الفريق و ذاك الفريق.

و على هذا النحو تكون حركة الحسين قد سلكت طريقها الذي لا بدّ لها أن تسلكه، و ما كان لها قط من مسلك سواه.

وصل الأمر في عهد يزيد إلى حدّ لا يعالج بغير الاستشهاد و ما نحا منحاه.

و هذا هو الاستشهاد و منحاه. و هو-بالبداهة التي لا تحتاج إلى مقابلة طويلة-منحنى غير منحى الحساب و الجمع و الطرح في دفاتر التجّار.

و مع هذا يدع المؤرّخ الطريق الشهادة تمضي إلى نهاية مطافها ثمّ يتناول دفتر التجّار كما يشاء.. فإنّه لواجد في نهاية المطاف أنّ دفتر التجّار لن يكتب الربح آخرا إلاّ في صفحة الشهداء.

فالدعاة المستشهدون يخسرون حياتهم و حياة ذويهم، و لكنّهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة متفاقمة، فتظفر في نهاية مطافها بكلّ شي‌ء حتّى المظاهر العرضيّة و المنافع الأرضيّة.

و أصحاب المظاهر العرضيّة و المنافع الأرضيّة يكسبون في أوّل الشوط، ثمّ ينهزمون في وجه الدعوة المستشهدة حتّى يخسروا حياتهم أو حياة ذويهم، و توزن حظوظهم بكلّ ميزان فإذا هم بكلّ ميزان خاسرون.

و هكذا أخفق الحسين و نجح يزيد.