بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 293

في حوزته، و لا يفهم كيف تضيق به كراهة الظلم و غيره العقيدة عن الاحتمال.

و شعوره هذا يحول بينه و بين الحكم الصحيح على حوادث التأريخ؛ لأنّه يحول بينه و بين انتظار هذه الحوادث حيث تنتظر لا محالة، و استبعادها حيث هي بعيدة عن التقدير.

فلم يحدث قط في مواجهة الظلم و انتزاع الدول المكروهة أن شعر الناس كما أرادهم الأستاذ أن يشعروا، أو فكّروا في الأمر كما أرادهم أن يفكّروا.

و مستحيل حدوث هذا أشدّ الاستحالة، و ليس قصاراه أنّه لم يحدث من قبل في حركات التأريخ.

فهذه الحركات التي تواجه الدول المكروهة لا تنتظر-و لا يمكن أن تنتظر-حتّى تربي قوّتها و عدّتها على ما في أيدي الدولة التي تكرهها من قوّة و عدّة.

و لكنّها حركة أو دعوة تبدأ بفرد واحد يجترئ على ما يهابه الآخرون، ثمّ يلحق به ثان و ثالث و رابع ما شاء له الإقناع و ضيق الذرع بالأمور، ثمّ ما ينالهم من نقمة، فيشيع الغضب و ينكشف الظلم عمّن كان في غفلة عنه، ثمّ يشتدّ الحرج بالظالم، فيدفعه الحرج إلى التخبّط على غير هدى، و يخرج من تخبّط غير غليظ أحمق إلى تخبّط أغلظ منه و أحمق.. فلا هم يقفون في امتعاضهم و تذمرهم، و لا هو يقف في بطشه و جبروته، حتّى يغلو به البطش و الجبروت، فيكون فيه و هنه و القضاء عليه.


صفحه 294

و على هذا النحو يعرف المؤرّخ الذي يعالج النفوس الآدميّة ما هو من طبعها و ما هو خليق أن ينتظر منها، فلا يعالجها حقّ العلاج على أنّها مسألة جمع و طرح في دفتر الحساب بين هذا الفريق و ذاك الفريق.

و على هذا النحو تكون حركة الحسين قد سلكت طريقها الذي لا بدّ لها أن تسلكه، و ما كان لها قط من مسلك سواه.

وصل الأمر في عهد يزيد إلى حدّ لا يعالج بغير الاستشهاد و ما نحا منحاه.

و هذا هو الاستشهاد و منحاه. و هو-بالبداهة التي لا تحتاج إلى مقابلة طويلة-منحنى غير منحى الحساب و الجمع و الطرح في دفاتر التجّار.

و مع هذا يدع المؤرّخ الطريق الشهادة تمضي إلى نهاية مطافها ثمّ يتناول دفتر التجّار كما يشاء.. فإنّه لواجد في نهاية المطاف أنّ دفتر التجّار لن يكتب الربح آخرا إلاّ في صفحة الشهداء.

فالدعاة المستشهدون يخسرون حياتهم و حياة ذويهم، و لكنّهم يرسلون دعوتهم من بعدهم ناجحة متفاقمة، فتظفر في نهاية مطافها بكلّ شي‌ء حتّى المظاهر العرضيّة و المنافع الأرضيّة.

و أصحاب المظاهر العرضيّة و المنافع الأرضيّة يكسبون في أوّل الشوط، ثمّ ينهزمون في وجه الدعوة المستشهدة حتّى يخسروا حياتهم أو حياة ذويهم، و توزن حظوظهم بكلّ ميزان فإذا هم بكلّ ميزان خاسرون.

و هكذا أخفق الحسين و نجح يزيد.


صفحه 295

و لكن يزيد ذهب إلى سبيله و عوقب أنصاره في الحياة و الحطام و السمعة بعده بشهور، ثمّ تقوّضت دولته و دولة خلفائه في عمر رجل واحد لم يجاوز الستّين.

و انهزم الحسين في كربلاء و أصيب هو و ذووه من بعده، و لكنّه ترك الدعوة التي قام بها ملك العبّاسيين و الفاطميين، و تعلّل بها أناس من الأيّوبيين و العثمانيين، و استظلّ بها الملوك و الأمراء بين العرب و الفرس و الهنود، و مثل للناس في حلّة من النور تخشع لها الأبصار، و باء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان غير مستثنى منهم عربي و لا أعجمي و قديم و لا حديث.

أبو الشهداء

فليس في العالم أسرة أنجبت من الشهداء من أنجبتهم أسرة الحسين عدّة و قدرة و ذكرة.. و حسبه أنّه وحده في تأريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين.

و أيسر شي‌ء على الضعفاء الهازلين أن يذكروا هنا طلب الملك ليغمزوا به شهادة الحسين و ذويه‌[1].

فهؤلاء و اهمون ضالّون مغرقون في الوهم و الضلال؛ لأنّ طلب الملك لا يمنع الشهادة، و قد يطلب الرجل الملك شهيدا قدّيسا و يطلبه و هو مجرم بري‌ء من القداسة.

[1]انظر: العواصم 232، البداية و النهاية 8: 149.


صفحه 296

و إنّما هو طلب و طلب، و إنّما هي غاية و غاية، و إنّما المعوّل في هذا الأمر على الطلب لا على المطلوب.

فمن طلب الملك بكلّ ثمن و توسّل له بكلّ وسيلة و سوّى فيه بين الغصب و الحقّ و بين الخداع و الصدق و بين مصلحة الرعية و مفسدتها، ففي سبيل الدنيا يعمل لا في سبيل الشهادة.

و من طلب الملك و أباه بالثمن المعيب و طلب الملك حقّا و لم يطلبه لأنّه شهوة و كفى، و طلب الملك و هو يعلم أنّه سيموت دونه لا محالة، و طلب الملك و هو يعتزّ بنصر الإيمان و لا يعتزّ بنصر الجند و السلاح، و طلب الملك دفعا للمظلمة و جلبا للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه و تقواه، فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله، و لكنّه الشهيد الذي يلبّي داعي المروءة و الأريحيّة، و يطيع وحي الإيمان و العقيدة، و يضرب للناس مثلا يتجاوز حياة الفرد الواحد و حياة الأجيال الكثيرة.

و من ثمّ يقيم الآية بعد الآية على حقيقة الحقائق في أمثال هذا الصراع بين الخلقين أو بين المزاجين و التأريخين.

و هي أنّ الشهادة خصم ضعيف مغلوب في اليوم و الأسبوع و العام، و لكنّها أقوى الخصوم الغالبين في الجيل و الأجيال و مدى الأيام..

و هي حقيقة تؤيّدها كلّ نتيجة نظرت إليها بعين الأرض أو بعين السماء على أن تنظر إليها في نهاية المطاف.

و نهاية المطاف هي التي يدخلها نوع الإنسان في حسابه و يوشج عليها و شائج عطفه و إعجابه؛ لأنّه لا يعمل لوجبات ثلاث في اليوم، و لا ينظر إلى عمر واحد بين مهد و لحد، و لكنّه يعمل للدوام و ينظر إلى الخلود.


صفحه 297

في عالم الجمال‌


صفحه 298

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 299

في عالم الجمال‌

عاشق الجمال‌

إذا لحقت السيرة بعالم المثال الذي يتطلّع إليه خيال الشعراء و تتغنّى به قرائح أهل الفنّ، فقد تنزّهت عن ربقة[1]الجسد و أصبحت صورة من الصور المثلى في عالم الجمال.

و من آيات الجمال أنّه يتحدّى المنفعة و يؤثر البطولة على السلامة.

فإذا تعلّقت القريحة بالجمال فلا جرم تزن الأمور بغير ميزان الحساب و الصفقات، فتعرض عن النعمة و هي بين يديها، و تقبل على الألم و هي ناظرة إليه، و تلزمها سجية العشق الآخذ بالأعنّة، فتنقاد له و لا تنقاد لنصيحة ناصح أو عذل عاذل؛ لأنّ المشغوف بالجمال ينشده و لا يبالي ما يلقاه في سبيله.

و قد تمثّلت سجيّة عاشق الجمال في كلّ شعر نظمه شعراء الحسين و ذويه تعظيما لهم و ثناء عليهم، فلم يتّجهوا إليهم ممدوحين و إنّما اتّجهوا إليهم صورا مثلى يهيمون بها كما يهيم المحبّ بصورة حبيبة، و يستعذبون من أجلها

[1]الربق: حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهائم. (صحاح اللغة 4: 1480) .


صفحه 300

ما يصيبهم من ملام و إيلام.

و في معنى كهذا المعنى يقول الكميت‌[1]شاعر أهل البيت:

طربت و ما شوقا إلى البيض أطرب # و لا لعبا منّي و ذو الشيب يلعب

و لم يلهني دار و لا رسم منزل # و لم يتطرّبني بنان مخضّب

و لا أنا ممّن يزجر الطير همّه # أصاح غراب أم تعرّض ثعلب

و لا السانحات البارحات عشية # أمرّ سليم القرن أم أمرّ أعضب‌[2]

و لكن إلى أهل الفضائل و النهى # و خير بني حوّاء و الخير يطلب

إلى النفر البيض الذين بحبّهم # إلى اللّه فيما نالني أتقرّب

بني هاشم رهط النبي فإنّني # بهم و لهم أرضى مرارا و أغضب

خفضت لهم منّي جناحي مودّة # إلى كنف عطفاه أهل و مرحب

يشيرون بالأيدي إليّ و قولهم # ألا خاب هذا، و المشيرون أخيب

فطائفة قد كفّرتني بحبّكم # و طائفة قالوا: مسي‌ء و مذنب

فما سائني تكفير هاتيك منهم # و لا عيب هاتيك التي هي أعيب

يعيبونني من خبّهم‌[3]و ضلالهم # على حبّكم، بل يسخرون و أعجب

و قالوا: ترابي‌[4]هواه و رأيه # بذلك أدعى فيهم و ألقّب‌

[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (74) .

[2]السانح: الطير الذي يمرّ من اليسار إلى اليمين، و عكسه البارح‌[جمهرة اللغة 1:

272]، و الأعضب: المكسور القرن‌[المصدر السابق 1: 354] (من المؤلّف) .

[3]الخبّ: الخدّاع المفسد. (تاج العروس 2: 327) .

[4]من كنى علي بن أبي طالب «أبو تراب» ، و ترابي نسبة إليه (من المؤلّف) . -