و يخشى هشام أن يطّلع جنده على مكانة رجل لم يتطاول إلى مثل مكانته بسلطانه و عتاده، فيقول: «لا أعرفه!» ، و يقتضب الجواب.
و هذا الذي تصدّى له شاعر آخر قد غامر بحياته و نواله ليقول بالقصيد المحفوظ ما ثقل على لسان هشام أن يقوله في كلمتين عابرتين.
و ذلك هو الفرزدق حيث قال:
هذا الذي تعرف البطحاء و طأته # و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم # هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا
و ليس قولك: من هذا، بضائره # العرب تعرف من أنكرت و العجم
إذا رأته قريش قال قائلها: # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
من معشر حبّهم دين و بغضهم # كفر و قربهم منجى و معتصم[1]
و تصدّى عبيد اللّه بن كثير لأمير مكّة خالد بن عبد اللّه[2]، فلعنه و هو قادر على قتله؛ لأنّه يلعن عليّا و حسينا في خطبه، و أنشد:
لعن اللّه من يسبّ عليّا # و حسينا من سوقة و إمام
[1]هناك بعض الأبيات التي لم تذكر، لاحظ ديوان الفرزدق 454-456.
و حول هذه القصّة راجع: الأغاني 21: 400-402، المحتسب 1: 267، حلية الأولياء 3: 139، زهر الآداب 1: 95-97، المناقب لابن شهر آشوب 4: 169-172، صفوة الصفوة 2: 98-99، شرح المفصّل لابن يعيش 2: 53، مطالب السؤول 2: 93-94، الدرّ النظيم 585، مختصر تاريخ مدينة دمشق 17: 246-249، تهذيب الكمال 20:
400-402، سير أعلام النبلاء 4: 399.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (76) .
غ
أيسبّ المطهّرون جدودا # و الكرام الآباء و الأعمام
يأمن الطير و الحمام و لا يأ # من آل الرسول عند المقام
طبت بيتا و طاب أهلك أهلا # أهل بيت النبي و الإسلام
رحمة اللّه و السلام عليه # كلّما قام قائم بسلام[1]
و تنقضي السنون و تتسامع العربيّة بشاعر فحل لم يسلم من لسانه أحد، و لم ينزّه أحدا من المجزلين له أو المقتّرين عليه من استحقاق الهجاء..
فكان ينشد الأبيات المقذعة، و يسأل عن صاحبها، فيقول: «لم يستحقها أحد بعينه بعد، و لسوف يستحقّها كثيرون»[2].
هذا الشاعر العجيب هو دعبل الخزاعي[3]الذي يهزّ أوتار النفوس بأمثال هذه الأبيات في آل البيت:
مدارس آيات خلت من تلاوة # و منزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول اللّه بالخيف من منى # و بالركن و التعريف و الحجرات
ديار علي و الحسين و جعفر # و حمزة و السجّاد ذي الثفنات[4]
[1]البيان و التبيين 3: 359-360، أدب الطفّ 3: 20.
إلاّ أنّه قد سمّي الشاعر في المصدر الأوّل بعبد اللّه بن كثير، و في الثاني بكثير بن كثير بن عبد المطّلب من بني كعب بن لؤي بن غالب.
و لقّب بالسهمي في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 176.
[2]لاحظ: الأغاني 20: 68، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 68.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (77) .
[4]كان علي بن الحسين يلقّب بذي الثفنات؛ لأنّ جبهته أصبحت كثفنة البعير-أي: -
ديار عفاها كلّ جور مبادر # و لم تعف للأيام و السنوات
إلى أن يقول:
ملامك في أهل النبي فإنّهم # أحبايّ ما عاشوا و أهل ثقاتي
فيا ربّ زدني من يقيني بصيرة # وزد حبّهم-يا ربّ-في حسناتي
أحبّ قصي الرحم من أجل حبّهم # و أهجر فيهم أسرتي و بناتي
لقد حفّت الأيام حولي بشرّها # و إنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تر أنّي من ثلاثين حجّة # أروح و أغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما # و أيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول اللّه نحف جسومهم # و آل زياد حفل القصرات[1]
بنات زياد في القصور مصونة # و آل رسول اللّه في الفلوات
إذا و تروا مدّوا إلى أهل وترهم # أكفّا عن الأوتار منقبضات[2]
و وهب علي بن موسى الرضا للشاعر جائزة من دراهمه المضروبة باسمه و خلع عليه من ثيابه، فبذل له أهل «قم» ثلاثين ألف درهم ليبيعهم الخلعة، فضنّ بها. ثمّ ترصّدوا له في الطريق ليأخذوها منه عنوة تبركا
ق-ركبته-من كثرة السجود[إعلام الورى 1: 480] (من المؤلّف) .
[1]القصرة: الرقبة، و حفل القصرات، أي: غلاظ الرقاب من السمن[لسان العرب 3:
246 و 11: 87] (من المؤلّف) .
[2]ديوان دعبل 59-64، مع تفاوت يسير.
و راجع: عيون أخبار الرضا 2: 241، زهر الآداب 1: 130، المناقب لابن شهر آشوب 3: 365، معجم الأدباء 11: 103، تهذيب الكمال 21: 151، سير أعلام النبلاء 9:
391.
و ذكرى، فسمح بالمال و لم يسمح بالخلعة، و استرضوه فلم يرض إلاّ أن يعطوه كمّا من أكمامها ليدفن معه في كفنه[1]، و تقسّموا الخلعة بينهم فخورين بها غير مبالين ما بذلوه في ثمنها.
و انقضت فترة لم تطل.. و تسامعت العربيّة بشاعر آخر أفحل من دعبل و أقدر منه على التصرّف بالهجاء و المديح.
ذلك هو علي بن العبّاس بن الرومي الذي نسى ممدوحيه من آل طاهر و بني العبّاس ليذكر حقّ حفيد الحسين يحيى بن عمر الشهيد و لو كلّفه ذكره القتل و الحرمان.
و في بعض ما ساقه من النذر لأمراء زمانه مهلكة له قلّما يفلت منها قائل بحياته، و ذاك حيث يقول من قصيدته الجيميّة:
غررتم لئن صدقتم أن حالة # تدوم لكم، و الدهر لونان، أخرج
لعلّ لهم في منطوي الغيب ثائرا # سيسمو لكم و الصبح في الليل مولج
بمجر تضيق الأرض من زفراته # له زجل ينفي الوحوش و هزمج[2]
يودّ الذي لا قوه أنّ سلاحه # هنالك خلخال عليه و دملج
[1]انظر: الأغاني 20: 69 و 102-103، عيون أخبار الرضا 2: 241، زهر الآداب 1:
130، مطالب السؤول 2: 131-133، تهذيب الكمال 21: 151، سير أعلام النبلاء 9: 391، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ 249-250، الإتحاف بحبّ الأشراف 163- 164، أعيان الشيعة 6: 416.
[2]الهزمجة: اختلاط الصوت[جمهرة اللغة 2: 138]، و المجر: الجيش الكبير[صحاح اللغة 2: 811] (من المؤلّف) .
فيدرك ثأر اللّه أنصار دينه # و للّه أوس آخرون و خزرج
و يقضي إمام الحقّ فيكم قضاءه # مبينا، و ما كلّ الحوامل تخدج[1]
و كلّ أولئك شاعر ينسى التقوى في مواطن شتّى من عمله و قوله، و لا ينساها في حقّ الشهداء من آل الحسين و صحبه؛ لأنّه يحسّ الجمال إحساس الشعراء، و يهتزّ للصورة المثلى اهتزاز الأريحيّة التي يحلم بها روّاد الخيال.
فهم هنا بمربأة من قيود العيش و وساوس الحاجة و أعباء النوازع الأرضيّة، يستوحون سليقة القول فيما ينبغي أن يقال، فيجري على لسانهم كأنّهم مسوقون إليه.
بل كلّ أولئك شاعر لا يسخو بالمدح و هو موصول بالعطاء الجزيل، ثمّ هو يسخو به للشهداء و آلهم على غير أمل في نوال و على خوف شديد من الحرمان و الوبال.
و شاعر آخر لم يكن يهجو من الناس هذا أو ذاك، و لكنّه كان سيّء الظنّ بالناس أجمعين، و كان يقول ما بدا له في الدنيا و الدين، و لكنّه يجامل مع المجاملين، فلا يقصر عن شأوهم[2]في السابقين أو اللاحقين.
ذلك هو أبو العلاء المعرّي حيث قال في الفجر و الشفق:
و على الدهر من دماء الشهيد # ين علي و نجله شاهدان
[1]ديوان ابن الرومي 1: 308، مع بعض الاختلافات.
[2]الشأو: السبق و الغاية. (القاموس المحيط 4: 348) .
فهما في أواخر الليل فجر # ان وفي أوّلياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشـ # ر مستعديا إلى الرحمان[1]
و إنّ وحي الشعر من سرائر النفوس لأصدق حكما من لسان التأريخ إذا اختلف الحكمان..
و لكنّهما قد توافيا معا على مقال واحد.. فجلوا لنا من سيرة الحسين رضى اللّه عنه صورة الجمال في عالم المثال، و كذلك يعيش ما عاش في أخلاد الناس.
[1]سقط الزند 96.
و قد نقلت هذه الأبيات في أدب الطفّ 2: 298.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
قائمة التراجم
(1) أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه بن سليمان بن محمّد التنوخي المعرّي، اللغوي و الشاعر المعروف.
ولد سنة 363 هـ بمعرّة النعمان بالشام، و عمّي بالجدري بعد أربع سنين من ولادته، و قد سمّى نفسه: رهين المجسين؛ لذهاب عينيه و للزومه بيته.
قرأ النحو و اللغة على: أبيه بالمعرّة، و على محمّد بن عبد اللّه بن سعد النحوي بحلب.
و أخذ عنه: علي بن المحسن التنوخي، و الخطيب أبو زكريا التبريزي، و غيرهما.
كانت له فلسفة خاصّة في حياته ممّا حدا بعضهم إلى تكفيره.
له من النظم: لزوم ما لا يلزم، و سقط الزند. و له: كتاب (الهمزة و الردف) في الأدب، و اللامع العزيزي. هذا، و قد قام باختصار دواوين أبي تمّام و البحتري و المتنبي.
توفّي بالمعرّة سنة 449 هـ.
(تاريخ بغداد 4: 240-241، معجم الأدباء 3: 107-218، وفيات الأعيان 1: 113-116، سير أعلام النبلاء 18: 23-39، ميزان الاعتدال 1: 112، لسان الميزان 1: 203-208، شذرات الذهب 3: 280-282، نسمة السحر